دراسات 27 مارس ، 2017

معضلة أوبك بين حصة السوق وتحديد الإنتاج

علي مرزا

​خبير اقتصادي، اكتسب خبرة واسعة في قضايا إعادة الهيكلة والإصلاح الاقتصادي والتخطيط واقتصاد النفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وله اهتمام خاص بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والبنى المؤسسية والسياسات التنموية، في العراق والدول العربية الأخرى المنتجة للنفط. ولقد نشر بحوثًا ومقالات وقدّم أوراقًا، حول العراق وحول هذه المنطقة، في مجلّات علمية وعامة وفي مؤتمرات مهنية، بالعربية والإنكليزية. كما نشر كتابًا بالعربية عن ليبيا في 2012. وخلال الفترة من 2010 إلى بداية 2015، نشر بكثافة في موقع "شبكة الاقتصاديين العراقيين" الإلكتروني بحوثًا مهنية، بالعربية والإنكليزية، عن الاقتصاد العراقي، وشارك مشاركة موسعة في النقاشات المتعلقة بمختلف القضايا التي تخصّ الإدارة الاقتصادية والنفطية العراقية، في منتدى الشبكة. ولقد عَمِل سابقًا في وزارة النفط والتخطيط العراقية، وكبير مستشارين في قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة بيرمنغهام البريطانية.

مقدمة

تأسست منظمة الأقطار المصدرة للنفط "أوبك" عام 1960، عقب تخفيض شركات النفط العاملة في الدول المصدرة للنفط أسعار النفط المعلنة posted prices، في هذا العام والعام السابق له. وكان هدف المنظمة الأساس منع تخفيض الأسعار والعمل على زيادتها. وبعد انتقال اتخاذ القرار، في مرحلة الإنتاج النفطي إلى الدول المصدرة في سبعينيات القرن الماضي، وتزايد دورها في التأثير في أسعار السوق النفطية، انقسمت آراء الدول الأعضاء بخصوص المدى الذي ينبغي أن ترتفع إليه الأسعار؛ فأصحاب الاحتياطيات المنخفضة، كالجزائر، وفي وقته فنزويلا، والدول الطامحة بتأثير سياسي إقليمي ودولي كإيران، وأحيانًا العراق، كانت تميل إلى تحقيق أسعار نفط مرتفعة، في حين كانت دول أخرى بقيادة السعودية تميل إلى عدم المبالغة في "رفع الأسعار" والقبول بأسعار "معتدلة" حتى يمكن الحفاظ على "حصة السوق" وإطالة أمد استعمال النفط في العالم. ولقد ساهمت عوامل عديدة في التأثير في فاعلية سياسات أوبك في تحقيق أي من أهدافها هذه على مدى العقود الأربعة والنصف المنصرمة: أولها، أنّ أوبك مجموعة من الدول لها أهداف مختلفة ووسائل محدودة في التأثير في سوق النفط العالمية (بالذات أسلوب تحديد "حصص" إنتاجية للدول الأعضاء في مرحلة الاستخراج) تختلف عن كارتل الشركات النفطية الكبرى. فلقد كان لهذا الكارتل، من خلال تكامله الأفقي والعمودي، على مدى الأربعة عقود التي سبقت السبعينيات، مجال أوسع في التنسيق بين أعضائه، ومن ثم تأمين التزام الخطط والإستراتيجيات. كما كان له وسائل أكثر فاعلية في تنظيم الصناعة النفطية والتأثير فيها. ويتمثل ثانيها بأنّ سياسات الطاقة في الدول المستهلكة أدّت إلى الحد من فاعلية سياسات أوبك؛ على سبيل المثال، من خلال تشجيع تطوير مناطق بديلة لإنتاج النفط أو استبدال بعض استعمالاته بأنواع وقود بديلة وتشجيع زيادة الكفاءة في استهلاك الوقود عمومًا. أما ثالثها، فيتمثّل بالتوتر والاختلاف بين بعض أعضائها (كالتنافس الجيوسياسي) الذي حدّ من فاعليتها أيضًا، على الرغم من اتفاق دول أوبك في العديد من السياسات التي نجحت في زيادة الأسعار أو منعها من الهبوط.

وبعد التزام طويل الأمد في القيام بدور المنتج المتبقي "العالمي" (للدفاع/ الحفاظ على الأسعار)، تخلّت أوبك، بقيادة السعودية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، عن إستراتيجية/ هدف الحفاظ على الأسعار لمصلحة إستراتيجية/ هدف الحفاظ على "حصة السوق". ولكنها، بعد سنتين، تخلّت عن هذه الإستراتيجية/ الهدف لمصلحة الإستراتيجية الأولى من خلال العودة إلى تبنّي أسلوب تحديد "حصص" أو "سقوف" إنتاجية للدول الأعضاء (المنتج المتبقي مرة ثانية)، في اتفاقية جديدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 لتخفيض الإنتاج.

ويثار التساؤل عن أسباب هذا التغير بين الإستراتيجيتين، والتبعات التي ترتبت على تطبيق الأولى والتي ستترتب على تطبيق الثانية. لذلك، في هذا السياق، أحاول التطرق في هذه الدراسة إلى هذه المسائل، كما يلي:

  1. تبعات إستراتيجية الحفاظ على حصة السوق التي طُبقت خلال المدة من تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وأهم العوامل/ الأسباب التي قادت إلى التخلي عنها (مع إشارة إلى تطبيق مثيلتها في 1986).
  2. سأتطرق، بالتتابع، إلى وصفٍ لاتفاقية أوبك في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 لتخفيض الإنتاج، ثم التبعات المتوقعة لتطبيق هذه الاتفاقية، يعقبها مقارنة بين قابلية الشركات النفطية الكبرى ومنظمة أوبك في تنظيم الصناعة النفطية والتأثير فيها. وأخيرًا إشارة إلى بعض التبعات المتعلقة بالعراق.