صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب الجذر والأُسْرة المعجميّة: إعادة قراءة لنظريّة الجذور في العربيّة، للدكتور حسن علي حمزة، أستاذ اللسانيّات والمعجميّة العربيّة في معهد الدوحة للدراسات العليا. وهو كتاب متفرِّدٌ في أكثر من جانب، ولأكثرَ من سبب؛ إذ يقلب الكتابُ ما هو متداوَلٌ عن الجذور في الأدبيّات العربيّة والغربيّة رأسًا على عقب؛ لأنَّه ينطلق في النظر إليها من الأُسْرة المعجميّة، ويعتبرُ الجذرَ منتَجًا لهذه الأُسْرة، مستخرَجًا من مفرداتها. ويترَّتب على نقطة الانطلاق هذه أنَّ الكلمة لا تُبنى على الجذر، ولا تؤخَذُ منه، خلافًا لِما هو سائد، بل هو الذي يؤخَذ منها بعد تكوين أُسرة معجميّة بالاشتقاق من الكلمة. وعليه، فالكلمةُ المفردةُ لا جذرَ لها، سواءٌ أكانت عربيّة أم غير عربيّة.
يعيد الكتاب النظر في بنية المعجم العربيّ القديم والحديث؛ لأنَّ هذا المعجم يقسِّم الرصيد المعجميّ إلى قسمَين: قسمٍ عربيّ، فهو عندهم مبنيٌّ على جذور، وقسمٍ أعجميّ؛ فهو عندهم لا جذرَ له. ويترتَّب على هذه القسمة أنْ يُصنَّف العربيّ تحت حروفٍ أصول، وأنْ يُصنَّف الأعجميُّ على حروف هجاء الكلمة، من دون تمييز بين أصل وزائد. أمّا هذا الكتاب الذي ينطلق في النظر إلى الجذر من الأُسرة المعجميّة فيقيم التقسيم على أساسٍ آخَر، فيجعلُ القسمَ الأوَّلَ ما انتمى إلى أُسْرة معجميّة تضمُّ عددًا من المفردات المولَّدة بالاشتقاق. ومفرداتُ هذا القسم هي التي تُصنَّف تحت الجذور، سواءٌ أكانت عربيّةً أم أعجميّة. أمّا القسمُ الثاني، فهو المفردات التي ظلَّت منفردة في اللغة، فليس لها أُسَرٌ تنتمي إليها. وما كان كذلك فلا جذر له سواءٌ أكان عربيًّا أم أعجميًّا.
يعيد الكتابُ النظرَ في الجذور التي تُصنَّفُ تحتها الكلماتُ المنفردةُ في المعجم العربيّ القديم والحديث. وهو يرى أنَّ هذا الجذر الذي في المعجم إنَّما هو جذرٌ متوهَّمٌ على اعتبار ما يمكن أنْ يكون، وليس على اعتبار ما هو كائن. فهذا الجذر ليس مستخرَجًا من مفردات الأُسْرة المعجميّة؛ لأنَّ اللفظَ المنفرد لا جذرَ له، بل هو مستخرَج عن طريق المقايَسة التي تعتمد على علَّة الشبَه. والحُكمُ في هذه العلّة حُكْمٌ ظنّيٌّ، قد يُخطئُ، وقد يُصيب، ولا يوصِلُ إلى يقين.
ويناقشُ الكتابُ خصائص الجذر، وتعريفه، وأنواع الجذور اعتمادًا على زاوية النظر هذه؛ فيرى أنَّ نظام العربيّة مبنيٌّ على جذر ثلاثيّ بصورة أساسيّة وأنَّ الجذر الرباعيّ جذرٌ فرعيٌّ في النظام. أمّا ما يقال عنه في الأدبيّات إنَّه جذرٌ ثنائيٌّ، أو خماسيٌّ، فليس كذلك، وليس جذرًا في اللغة العربيّة التاريخيّة منذ أقدم نصوصها إلى عصرنا الحاضر؛ لأنَّه لا فعلَ منه. ولا يكون الفعل على حرفَين ولا على خمسة أحرف أصول. وما لا يكون منه فعلٌ فلا يمكن أنْ يكون أصلًا في نظام اللغة. ولهذا يعيدُ الكتابُ النظر في مفهوم الجذر وفي تعريفاته وفي أنواعه.
كما يناقشُ الكتاب مسألة التوليد في العربيّة، ويعيد النظرَ في تصنيفاتها على أساس نقطة الانطلاق من الأُسْرة المعجميّة فيميِّزُ الاشتقاقَ الذي ينمّي الأُسْرة المعجميّة بتوليد عناصر جديدة ومفردات جديدة تُضاف إليها وتُغنيها، من سائر وسائل التوليد مثل التركيب والنحت وغيرهما التي يجري التوليد فيها خارجَ الأُسَر، فلا يُنمّي اللفظُ المولَّدُ الأُسرةَ بإضافةِ فردٍ جديدٍ إليها، بل يظلُّ هذا المولَّدُ فرْدًا خارجَ الأُسْرة، وقد يولِّدُ أُسْرةً جديدة بالاشتقاق منه. ويقود هذا النظر إلى الكشف عن تطوُّر نظام التصريف في العربيّة بتوليد لواحق وسوابق تغايرُ نظامَها الأساسيّ القائم على التحوُّل الداخليّ.
ويردُّ الكتاب على النظريّة السائدة بين العرب والمستعربين التي تجعلُ الاشتقاق نتيجةَ لقاء جذر بوزن، ويبيِّنُ أنَّ هذا القول يخلط بين الجذور وتقاليب الصوامت، وأنَّ الجذر لا يُشتقُّ منه، لا بصورة مباشرة، ولا بصورة غير مباشرة. فليس الجذر أصلًا في الاشتقاق، بل هو نتيجةٌ له. وإنَّما يكون اشتقاقُ الكلمة من الكلمة، فيُشتقُّ من الكلمات الأصول التي وضعها الواضع، ومن المشتقّات منها، ومن مشتقّات هذه المشتقّات، في طبقات متدرِّجة، أو من أصول أعجميّة، تُصبح بمنزلة الأصول العربيّة.
وفي الخلاصة، يسدُّ هذا الكتاب فجوة كبيرة في المكتبة العربيّة في مجال الدراسات اللسانيّة والمعجميّة؛ لأنَّه، كما يدلّ عليه العنوان، يُعيد قراءة نظريّة الجذور في العربيّة. وهي النظريَّة السائدة بين العرب والمستعربين، قدامى ومحدَثين، ويضعُ موضعَ المساءلة ما هو شائعٌ في الأدبيّات، فيقيمُ نظريّةً جديدةً على أنقاض النظريّة السائدة عند الباحثين العرب والأجانب.