صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب خمسون سنة على حرب لبنان 1975: الآثار والمتغيرات، وهو كتاب جماعي شارك في تأليفه عدد من الباحثين المختصين، وحرره خالد زيادة. يقدّم هذا الكتاب قراءة شاملة للحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) بوصفها مسارًا مركّبًا من الحروب المتداخلة، لا حدثًا واحدًا أو سردية أحادية. فهو يعيد تفكيك أسباب الحرب ومساراتها من داخل البنى الطائفية والاجتماعية والاقتصادية، كاشفًا عن تحوّل شعار "الدفاع عن الطائفة" إلى أداة لإعادة تشكيل الطوائف من الداخل، والتداخل بين الداخلي الخارجي لإنتاج العنف وتكريسه. ويرفض التفسيرات الاختزالية التي تحصر الحرب في أنها حرب الآخرين على أرض لبنان، أو صراع طائفي بسيط، أو نتيجة عامل واحد، معتبرًا إياها انفجارًا لأزمة بنيوية عميقة في الكيان اللبناني.
قبل عام 1975، قام الاقتصاد اللبناني على نموذج خدمي – وسيط هشّ، يتضمّن قطاعات منتجة ضعيفة وتفاوتات مناطقية حادة. وقد أدّت الحرب إلى تدمير رأس المال والقوى العاملة، وانهيار الإنتاج والمالية العامة، وتصاعد الهجرة. وبعد اتفاق الطائف (1989)، لم يُستبدل هذا النموذج، بل أُعيد إنتاجه عبر إعمار ممول بالدَّين، وهيمنة المصارف، وسياسات نقدية ومالية ريعية؛ ما قاد إلى نمو هشّ انفجر في أزمة شاملة منذ عام 2019. ويؤكد الكتاب أن الأزمة ليست ظرفية، بل بنيوية؛ فهي نتاج تفاعل الطائفية السياسية مع اقتصاد غير منتِج وارتهان خارجي حالَ دون نشوء قوة اجتماعية تغييرية.
أما على المستوى الاجتماعي – الديموغرافي، فيعالج الكتاب التهجير القسري بوصفه سياسة ممنهجة أعادت رسم الخريطة السكانية والطائفية، وأنتجت كانتونات مغلقة وانقسامات طويلة الأمد. ويتناول التحولات السكانية الناتجة من النزوح الداخلي والهجرة الخارجية، وتراجع النمو، وشيخوخة المجتمع، واستنزاف رأس المال البشري، مع تركيز خاص على الجنوب اللبناني بوصفه منطقة نزوح دائم بفعل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
يفرد الكتاب فصولًا لدراسة أثر الحرب في مدن بعينها، مثل بنت جبيل وطرابلس، مبرزًا كيف أدّى الموقع الحدودي أو الصراعات المسلحة إلى استنزاف ديموغرافي واقتصادي وتهميش مزمن، أفقد هذه المدن أدوارها التاريخية. ويحلل علاقة الحرب بالأحزاب السياسية، مبيّنًا أن الحرب بدأت وهي متراكبة أصلًا مع الطوائف، فتحولت من تنظيمات مدنية إلى أدوات عسكرة، وفقدت برامجها وقيمها الديمقراطية، وانتهت ملحقة بالبنى الطائفية والراعين الإقليميين.
وقد أثرت الحرب في التعليم والثقافة؛ فقد شهد التعليم توسعًا كميًّا على حساب الجودة، وتغلغلًا ميليشيويًّا في المؤسسات، وإنتاج «منهج خفي» يعمّق الانقسام. أما ثقافيًّا، فقد خلّفت إرثًا أخلاقيًّا وسلوكيًّا عميقًا، يتمثل في تمجيد العنف، والعيش في معازل طائفية، وتآكل فكرة الدولة، وتحول الحرب إلى لاوعي اجتماعي مستمر.
ويخلص الكتاب إلى أن الحرب لم تُنهِ أزمتها بتوقف القتال، بل أعادت إنتاجها بأشكال أخرى، وأن الخروج منها يظل مشروطًا ببناء دولة المواطنة والقانون، ومعالجة الذاكرة والتهجير والاقتصاد الريعي، بوصفها شروطًا لازمة لمنع تكرار المأساة.