صدور كتاب: منطق الغزالي وحضوره لدى مفكري الغرب الإسلامي خلال القرن الثالث عشر

19 يناير،2026
المؤلفون

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب منطق الغزالي وحضوره لدى مفكري الغرب الإسلامي خلال القرن الثالث عشر، للمؤلف محمد بن يعيش. وهو مقاربة جديدة لدراسة الامتزاج الذي حصل بين المنطق الأرسطي كما صاغه الغزالي وعلوم أصول الفقه في الثقافة العربية الإسلامية، لا سيما في الغرب الإسلامي. يهدف الكتاب إلى إبراز مساهمة الغزالي في ترسيخ فهم جديد للعلاقة بين المنطق والفقه والكلام، وبيان دور مفكري الغرب الإسلامي في تطوير هذا الإرث ضمن سياقاتهم الفلسفية والأصولية الخاصة. ويركّز على طبيعة الحضور الفكري للغزالي والتأثير الذي أحدثه في كتابات مناطقة الغرب الإسلامي وفلاسفته ومتكلّميه. فمكانته هنا تُقاس بقدر ما شغله من حيّز في الخطاب المنطقي/ الأصولي لدى هؤلاء، وبمدى تفاعلهم مع مشروعه الرامي إلى تبيئة المنطق داخل الثقافة الإسلامية، وإلى تأسيس صلة متوازنة بين الحكمة والشريعة، وبين البرهان العقلي وأصول الفقه.

ويبحث الكتاب في نوعية هذا التأثير وحدوده، وفي كيفية انخراط مفكري الغرب الإسلامي في تطوير المعالم الكبرى التي أرساها الغزالي في ربط المنطق الأرسطي بالفقهيات. ويقترح مقاربة تقوم على قراءة جديدة لإشكالية دمج المنطق في الأصول، عبر تتبّع مسارَين متوازيَين في الغرب الإسلامي: الأول رافض لهذا الدمج، والثاني مؤيّد له.

يمثّل الموقفَ الرافض ابنُ رشد الذي عدّ المنطق علمًا مختلفًا في منطلقاته عن أصول الفقه، ورأى أنّ الجمع بينهما يوقع في الخلط المنهجي. وقد عبّر بوضوح عن هذا الموقف في مختصراته، مؤكّدًا ضرورة إبقاء المنطق في مجاله البرهاني الخالص.

في المقابل، ظهر تيّار واسع من معاصري ابن رشد وتلامذته، مثل ابن ميمون والمكلاتي وابن طملوس، دافع عن مشروع الغزالي، ورأى في المنطق أداةً أساسية للدفاع عن العقيدة وصوْن التفكير الأصولي. وقد تبنّى هؤلاء رؤية تقرّ بأن منطق أرسطو بصيغته الغزالية قادر على خدمة البحث الفقهي والكلامي، وأنّ إدماجه في أصول الفقه يعزّز بنية الخطاب الديني.

هذا التباين بين المدرستين هو محور إشكالية الكتاب؛ إذ يبرز المؤلف كيف ساهم الفريق المؤيّد للغزالي في امتداد حضور المنطق الأرسطي بصيغته "الدينية/ الأصولية" في الغرب الإسلامي، مقابل تجاهلٍ شبه تامّ لهذا المنطق لدى ابن رشد. ومن خلال ذلك، يعيد الكتاب رسم خريطة التفاعل الفكري بين المشرق في شخص الغزالي والغرب الإسلامي في شخص مناطقته وفلاسفته، ضمن علاقة معقّدة يتداخل فيها المنطقي بالأصولي، والفلسفي بالكلامي.

بهذا، يغدو كتاب منطق الغزالي محاولةً لإعادة قراءة أحد أوجه التواصل العميق بين الشرق والغرب الإسلاميَين، عبر فهم كيفية تداول مشروع الغزالي وتأثيره في بناء خطاب منطقي/ أصولي مميّز لدى نخبة من مفكري الغرب الإسلامي، في مقابل موقف نقدي صارم يمثّله ابن رشد. ويخلص إلى أنّ دراسة هذا التفاعل تكشف عن دينامية فكرية ذات أهمية بالغة؛ إذ لم يكن حضور الغزالي محضَ انتقال لآرائه من المشرق إلى الغرب، بل كان مثار جدل وإعادة بناء داخل بيئات معرفية مختلفة. ومن خلال تحليل المواقف المتعارضة، يبيّن المؤلف أنّ مشروع دمج المنطق في الأصول شكّل لحظة حقيقية في التاريخ الفكري الإسلامي، أثمرت خطابًا مركّبًا حافظ على جوهر المنطق الأرسطي، لكنه أعاد توجيهه إلى خدمة المقاصد الدينية؛ ما جعل الغرب الإسلامي ساحة خصبة لنضج هذا التفاعل وتحوّله إلى تقليد علمي مؤثّر، وفق رؤية منهجية واضحة.


​​​

اقــرأ أيضًــا

فعاليات