العنوان هنا
مقالات 20 أبريل ، 2020

جبر الخواطر في زمن المخاطر: الناس والوباء

الكلمات المفتاحية

عزمي بشارة

المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا. مفكر وباحث عربي معروف، نشر الدكتور عزمي بشارة مئات الأوراق والدراسات والبحوث في دوريات علمية بلغات مختلفة في الفكر السياسي والنظرية الاجتماعية والفلسفة، ومن أبرز مؤلفاته: المجتمع المدني: دراسة نقدية (1996)؛ في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (2007)؛  الدين والعلمانية في سياق تاريخي (جزآن في ثلاثة مجلدات 2011-2013)؛ في الثورة والقابلية للثورة (2012)؛ الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (2017)؛ مقالة في الحرية (2016)؛ الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (2017)؛ في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ (2018)؛ تنظيم الدولة المكنى ’داعش‘: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة (2018)؛ في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية؟ (2019)؛ والانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (2020)، ومنها كتبٌ أصبحت مرجعيةً في مجالها.

كما أنجز بشارة عملًا تأريخيًا تحليليًا وتوثيقيًا للثورات العربية التي اندلعت في عام 2011، ونشره في ثلاثة كتب هي: الثورة التونسية المجيدة (2011)؛ سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن (2013)؛ ثورة مصر (في مجلدين 2014). تناولت هذه المؤلفات أسباب الثورة ومراحلها في تلك البلدان، وتعد مادةً مرجعيةً ضمن ما يُعرف بالتاريخ الراهن، لما احتوته من توثيق وسرد للتفاصيل اليومية لهذه الثورات مع بعدٍ تحليلي يربط السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل ثورة في ما بينها.

نشر المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة سلسلة نصوص من 14 حلقة بعنوان "خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى" على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعاد موقع عرب 48 وبعض المواقع الأخرى نشرها. وقد اقترح الزملاء في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من المؤلف أن يحولها إلى مقالة طويلة Essay، أو يبني عليها مقالة كهذه، لتنشر ضمن ما يقوم المركز بنشره حول أزمة وباء كورونا، فغيّر المؤلف النصوص، وأضاف إليها، كما حوّل العنوان إلى "جبر الخواطر في زمن المخاطر"، مُلمّحًا إلى إعادة الصياغة (جبر وتجبير للخواطر السابقة، وفي الوقت ذاته مُحلًّا معنى تهدئة المخاوف)، ومحلًّا في لفظ "الخواطر" دلالة مختلفة عن دلالتها في النصوص المتقطعة.

وفي ما يلي مطلع المقالة، ويمكنكم الوصول إلى نص المقالة كاملا عبر الرابط في صيغة PDF للقراءة والتحميل:

 1. في حياتنا كما نعرفها

بعد أن أيقن الإنسان في عزلته المنزلية أنه لا محالة خاسرٌ ربيع هذا العام، علَّل نفسه بأنّ ذلك أرحم من خسارة ما تبقى من فصول في خريف هذا العمر، والأهم من ذلك أنّ فقدان ربيع النسيم العليل لربيع واحد أهونُ من استجداء الهواء الممتنع عن الرئتين، أو ربما توسّل الموت لينجيه من الاختناق البطيء وحيدًا على سرير في مستشفى ميداني بلا اسم. وتساءل: متى نعود إلى حياتنا الطبيعية؟ ثم مرّت خاطرة بباله: وهل كانت حياتنا التي نتمنى العودة إليها طبيعية؟ ما الطبيعي في "حياتنا الطبيعية"؟

هل نعود إلى "حياتنا الطبيعية" مع عودة الحروب الأهلية في سورية واليمن وليبيا لتصدّر الأخبار بدلًا من "فيروس كورونا"، ومعها تصريحات ملوك الطوائف، وأفاعيل أمراء الحرب، وإسفاف نجوم التفاهة، كلما انقطعت أخبار الانتخابات الأميركية، أو إذا صمت الخليط الترامبي من النرجسية المفاخِرة بذاتها (أي النرجسية المركّبة) والجهل المتشدق بذم العارفين والسخرية منهم (أي الجهل المركّب) الذي أصبح يُعدّ سمة القادة في غير بلد؛ من البرازيل حتى الفلبين، أو حين تنقطع أخبار تحالف البوتينية واليمين الشعبوي في الغرب والشرق، وتحالفه مع الأسد من جهة، ونتنياهو من جهة أخرى، وآخر الممارسات العنصرية في أطراف الأرض، وأخبار العنف السياسي العدمي ضد المدنيين المُكنَّى (وغير المكنّى) إرهابًا؟

ليس هذا هو المقصود، بل يقصد الناس التفاصيل الصغيرة في حياتهم التي يعرفونها، ويريدون العودة إليها مرغمين، وبعضهم يتوق إليها، كل بحسب وضعه: تدبّر أمر العيش، والسعي إلى الرزق، وعناق الأحبة، والتذمّر والشكوى مما يلاقونه في العمل وفي الطريق منه وإليه، وتحقيق الأهداف على المسار المهني، والفرح بانتصارات صغيرة في بيئة العمل، ولقاءات الأصدقاء مع الشكوى والتندر الجماعيين، والأحاديث في السياسة والحياة الاجتماعية والغضب على السياسيين فعلًا، أو عادةً لتمرير الوقت، وتدبّر أمر العلاج وأسعار الدواء، والتحرر من هاجس الخطر المحتمل في الناس والأشياء من حولنا، أو التفكير في إمكانية أننا نشكّل تهديدًا على مَن حولنا من دون أن ندري. حسنًا إذًا؛ ربما يفضّل أن نقول العودة إلى حياتنا التي عرفناها.

لا عودة إلى حياة "طبيعية". والذاكرة الإنسانية تعجز عن استرجاع لحظتها "الطبيعية". ولكن لا بأس بتركيب ما نعتبره طبيعيًّا، في مقابل "غير الطبيعي" الذي نعيشه، والنضال من أجله بوصفه كذلك، مع أنه مصنوع مثل أي شيء آخر. وقد يكون فعل شيء من أجل ما نعتقد أنه أفضل مجديًا، لأن الصراع في عالم البشر، لحسن الحظ، ليس بين مصالح فحسب، بل أيضًا بين تصورات أخلاقية مختلفة لكيفية الحياة سويةً، تقوم عليها تصورات مختلفة للمصالح، هكذا نشعر أن فعل شيء هو أمر واجب قبل أن التفكير بالجدوى.

التوق الجماعي الحالي إلى العودة إلى الحياة العادية، الحياة كما عرفناها، هو في الحقيقة توقٌ صحي إلى تجاوز حالة الاستثناء التي تعيشها البشرية جمعاء. وهي باختصار حالة خوف مشتركة. حتى السياسيون لم تعُدْ لديهم رفاهة استخدام عبارتهم الأثيرة في "التعبير عن القلق" من حدث ما كالمعتاد، فهم خائفون مثل غيرهم. وإذا أصرّوا بحكم الإدمان على التعبير، فيمكنهم التعبير عن قلقهم من الخوف.

لقد التقى الوباء مع العولمة، تعولم ببساطة. ولم تعُدْ حالة الطوارئ محلية، مع أن الدول هي التي تعلنها، إذ يسود استنفار عالمي، ويتلازم معه شعور فردي بالخطر ذاته. الناس جميعًا موضوع هذا الخوف وذاته ، ولا يستطيعون أن يتعاملوا معه تعاملهم مع أحداث سياسية خطيرة مثل الحروب والأعاصير والمجاعات في مناطق أخرى من العالم، يتناولونها حينما يرغبون ويغضون الطرف عنها بإرادتهم. إنهم مُعرَّضون لخطر العدوى، وما يجري من إجراءات في مواجهة الوباء ينعكس عليهم. يشعرون بأن "الفيروس" يستهدفهم شخصيًّا، فهم ليسوا متلقين، بل يسهمون مباشرة في تشكيل حالة الخوف والهلع من جهة، والترقب والأمل من جهة أخرى، ؛ ويسهمون في الحيرة بشأن كيفية التعامل معها جميعا. وربما كانت هذه أول مرة تتوحّد فيها الموضوعات التي تتناولها وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام في العالم بأجمعه.

لا ينفصل التفكير في مصير الإنسانية في زمن الوباء عن القلق على الناس الذين تحبهم والتفكير في مصائر من انقطعت الصلة المباشرة بهم. لم تعُدْ مفاهيم مثل "الإنسانية" و"العالم" و"البشرية" مفاهيم مجردة. أنت مهتم فعلًا، وعينيًّا، بأحوال كل بلد، القريب والبعيد، أصبحت أرقامه التي تهمك هي عدد المصابين فيه، وعدد الوفيات، والإجراءات التي يتخذها، وسلوك المجتمعات المختلفة حيال الوباء. وتنهمك في الأرقام وتتابع منحنياتها وتشغل أحاديثك اليومية..

 العدوى غير انتقائية، قد تصيب أي إنسان. وإصابة أي إنسان بها تهمّ عموم الناس، لقد طمست العدوى وإجراءات مواجهتها الفصل بين المجال الخاص والعام. وأدى ذلك إلى تهميش مواضيع أخرى مهمة، كما هُمِّشت ميتات أخرى غارت أمام حضور هذا الموت الذي يبدو مقبلا عليك بين لحظة وأخرى كأنك فريسة ضعيفة أمام زائرك الأخير.

الخوف واللايقين يقيّدان حرية الفعل تمامًا؛ مثل الحتميات والضرورات. ثمة وباء نجهل كيفية التعامل معه، يتحكّم فينا وفي سلوكنا. وربما يحرّرنا البحث في البيولوجيا وعلوم الأوبئة والفيروسات لتسخيرها في اكتشاف علاج أو لقاح ضد الوباء. معرفة الحتميات الطبيعية قاعدة مهمة للحرية الإنسانية، فلا حرية في الطبيعة. ولكن قد يستعبدنا الاعتقاد أننا سيطرنا على الطبيعة من خارجها فنرتكب، بناء على هذا الاعتقاد، حماقات أخرى.

في هذه الأثناء، فإن إجراءً علميًّا مثل فحص التعرض للإصابة لا يفيد من يجري الفحص شخصيًّا، ولكنه يفيد العموم، وتحديدًا مَن حولك. فأنت لا تُجري الفحص من أجلك بل لكي تعرف؛ فتقي الآخرين من الفيروس الذي تحمله.

على كل حال أنت تجري الفحص. إذا كانت نتيجته سالبة، فالأمر لا يعني إلا أنه من الممكن أن تصاب بالعدوى لاحقًا، وإذا كانت النتيجة موجبة تؤكد إصابتك بالفيروس ولكن بلا أعراض مرضية، فعليك أن تجلس في بيتك وتنتظر الشفاء أو ظهور الأعراض، فتتابع منحنياتها في كل ثانية، بل ربما في كل جزء من الثانية؛ في اللحظات والهنيهات، وإذا شفيت فليس يقينًا أنك لن تمرض مرة أخرى، وإذا لم تُشْفَ ونُقلت إلى المستشفى، فليس واضحًا أن بوسعهم علاجك. اللايقين يحاصر الإنسان من كل جانب، ولا يمكن أن يعني سوى القلق والإجهاد، سواء أكان هذا الأمر واعيًا أم لم يكُن كذلك. ومع ذلك، فإنّ الفحص مهم؛ يرغب كل إنسان في القيام به، لكي يسهم في التحكم في انتشار العدوى، وحتى لا يتجول المصاب بين الناس وكأنه يحمل حزامًا ناسفًا.

اعتبر بعض المتفلسفين القلقَ المتواصل من أن تؤذي الآخرين تعبًا أخلاقيًّا Moral fatigue. والحقيقة، ثمة قلق يلازمه؛ أن تتضرر أنت أيضًا من الآخرين، إنه قلق واحد على الذات والآخر، لا يصنع فيه أحدٌ معروفًا لأحد، ولا شك في أنه مُتعِب، ولكنْ من الخطأ تسميته تعبًا أخلاقيًّا. فهذا مصطلح مُفصَّل لغير هذه الحالة، وفرْضه مجرد تمرين سيكولوجي لا طائل من ورائه. ربما يصح أن نسمي هذا الشعور القسري تعب من القلق فقط anxiousness fatigue .

ومن ناحية أخرى، أيقظ هذا التلازم بين العالمي والفردي العلاقة المباشرة بين الإنسان وإنسانيته. وربما كان هذا الأمر الأكثر طبيعيةً من بين الأمور التي حصلت لنا منذ زمن بعيد. إنه شعور الفرد بإنسانيته في حدّ ذاتها ولذاتها، وعجزه أمام الطبيعة في الوقت ذاته، وحالة اللايقين بما فيها من استبصارات وتهيُّؤَات ورجاءات ومخاوف، وأولها الخوف من المجهول، والقلق على الأحبة، والاستبشار بسلامة بَشَرٍ آخرين، وانتظار نتائج جهود بَشَرٍ غيرهم، والرغبة في فعل شيء للمساعدة. هل يوجد ما هو أكثر طبيعيةً من هذا كله؟

ومن باب التداعيات، تخطر بالبال "الحالة الطبيعية" الفلسفية التي يتصورها البعض "جنةً مفقودةً"، والبعض الآخر يصوّرها جحيمًا من الفوضى و"حرب الكل ضد الكل". ويبني كلٌّ رؤيته لما يجب أن يكون عليه المجتمع بناءً على هذا التصور أو ذاك. بيد أن الحالة الطبيعية محض خيالٍ؛ فمنذ أنْ وُجدت البشرية، وُجدت في حالة اجتماعية من أجل توفير الغذاء والأمن والمأوى. ومن المجدي النظر في طبيعتنا الإنسانية أكثر من النظر في "الحالة الطبيعية". فهذه الحالة ليست أكثر من فرضية ذهنية تسمح لنا بالنظر في معنى المجتمع المنظَّم ووظيفة الدولة.

وتتضمن طبيعتنا الإنسانية الخوف من المجهول والتعلق برجاءات وبشارات مثلما تتضمن العقل والتفكير والقدرة على الكلام، وتجمع الأثرة وحب البقاء مع الإيثار والبحث عن تقدير الآخرين. ويقود الصراع من أجل البقاء إلى محاولة التغلب على العجز أمام الطبيعة واللايقين، بالعقل والمعرفة، وبالخيال وبالغيبيات. ومثلما يعتمل في الطبيعة البشرية التباغض والحسد والشك واشتهاء ما للآخر والرغبة في تملكه، فإنها أيضًا تولّد الحب والتضامن والتعلق بالآخرين، والرغبة في تلقي الاعتراف منهم، ورغبة الإنسان في أن يكون محبوبًا.

في العزل ننفرد بإنسانيتنا ومخاوفنا وتضامننا مع الآخرين. وننصت إلى أنفسنا التي نكتشف أنها نفوس وأصوات متعددة في نفس واحدة. وقد نكتشف في عزلتنا، وربما وحشتنا، عالمًا مزدحمًا فينا؛ من أمكنة، وبشرٍ، وحكايات، وأزمنة إهليلجية، تتدفق وتتناثر كما في الأحلام، ولحظات المماثلة في بناء علاقات جديدة مع العالم، ولحظات المحايثة بين الذات والموت، لكنْ عند كل تفاعل مع المؤثرات الخارجية نكتشف أيضًا أن العصبيات والآراء المسبقة وسموم الغيرة والحسد والغرور والأنانية ومشاعر الانتقام تطل برأسها وتتصارع مع المحبة والتعاطف، وتفهم الآخر القائم على ملكة تقمصه؛ أي القدرة على تخيل أنفسنا في مكانه في مواجهة مشكلاته ومعضلاته وخياراته ودواماته الأخلاقية.

لا يرتبط الخوف من الموت بغريزة حب الحياة فحسب، بل بمحبة الناس من حولنا والخوف من فقدانهم ومن الفقد عمومًا أيضًا. الحب هو أرقى المشاعر الإنسانية وهو أساس الحياة التي تستحق أن تُعاش.