العنوان هنا
مراجعات 01 أغسطس ، 2021

مراجعة كتاب: "فلنغير السبيل: دروس فيروس كورونا"

عبد الكريم عنيات

​أستاذ محاضر في قسم الفلسفة بجامعة محمد لمين دباغين، سطيف 2، الجزائر.

عنوان الكتاب: فلنُغير السبيل: دروس فيروس كورونا.

عنوان الكتاب في لغته: Changeons de voie: Les leçons du coronavirus.

المؤلفان: إدغار موران وصباح أبو السلام.

الناشر: دنويل Denoël.

مكان النشر: باريس.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 96 صفحة.



مقدمة

ليس من شيم إدغار موران إلغاء التحليلات الفلسفة والعلمية والسوسيولوجية بخصوص المسائل المطروحة للبحث، بقدر ما كان دائم التنبيه إلى خطورة التحليل التخصصي الفاصل والمتخندق؛ فالطبيعة المعقدة للواقع تفرض على المفكر النظر إلى المسائل من المنظور الأكثر شمولية، من خلال استثمار فضيلة الفكر العابر للتخصصات. وبهذه الطريقة التركيبية، يمكن فهم جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، من خلال الكشف عن أسبابها البعيدة المرتبطة بالنموذج الغربي الكبير، الذي تأسس في القرن السابع عشر، أي في فجر الحداثة ذاتها.

وبالفعل، قدّم معظم الفلاسفة وعلماء الاجتماع تفسيراتهم لهذه الجائحة التي ألمّت بكل العالم، وأثّرت في المجريات اليومية لكل البشر من دون استثناء. فقد رأى جورجيو أغامبين Giorgio Agamben أنّ هناك خلفيات سياسية وراء انتشار الوباء، تتمثل في تثبيت سلطة الدولة في التحكم. في حين اعتقد سلافوي جيجك Slavoj Žižek أنّ الدول ذاتها قد ارتبكت في التعامل مع الوضع الصحي والاقتصادي والاجتماعي بعد انتشار الفيروس؛ ما أضعف فرضية الاستغلال السلطوي. وابتعد آلان باديو Alain Badiou عن التهويل، بقراءته للمشهد قراءةً موسعة؛ فالتاريخ البشري عرف عشرات الأوبئة الفتاكة، وهذا ما انتهت إليه مراجعتنا لكتاب موران. أما المفكرة جوديث بتلر Judith Butler، فركزت على التأثيرات الاجتماعية والمادية السلبية في الطبقات الهشة. واستخلص الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas درسًا يؤكد ضعف الإنسان أمام الكون؛ ما يتطلب منه مراجعة يقينياته وطموحاته التي كانت، وما زالت، تستهدف السيطرة على الطبيعة.

في هذا السياق الفكري، يأتي كتاب إدغار موران Edgar Morin (-1921) وزوجته صباح أبو السلام Sabah Abouessalam (-1959)، فلنُغير السبيل: دروس فيروس كورونا، من أجل التغطية التركيبية لهذه الظاهرة الصحية التي توسّعت لتؤثر في كل المجالات الأخرى. وقد جاء كتابهما في ديباجةٍ تستعرض تاريخ التقلبات الصحية والأزمات الاقتصادية والفكرية، بما في ذلك ما أثر في مسار حياة موران الشخصية. ثم تلتها مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. خُصص الفصل الأول لعرض خمسة عشر درسًا مستخلصًا من جائحة فيروس كورونا. ويتناول الفصل الثاني تحديات ما بعد الجائحة. أما الفصل الثالث، فيقترح كيفية ما يدعو إليه بـ "تغيير السبيل".

يمكن الحديث اليوم، بعد مرور أكثر من عام على انتشار فيروس كورونا، عن أدبيات غزيرة وتحليلات مختلفة، لأسباب ظهور الفيروس ونتائجه المرتقبة على المدى القصير والطويل، وأثره المؤكد في الاقتصاد العالمي، وفي الحصيلة في المجالات الأخرى التي لا تنفصل بأيّ حال عنه. وما يهمّنا هو ما كتبه الفلاسفة وعلماء الاجتماع عن هذه الوضعية العالمية التي أصبحت تجسّد عولمة الأزمات والشرور. ورغم وجود العديد من المساهمات حول أزمة فيروس كورونا، فإنّ كتاب موران وأبو السلام يتميز من باقي التحليلات، في كونه ينظر إلى هذه الظاهرة من منظور كلّي ومركّب، وهو استجابة طبيعية لمجمل نظرية المعرفة كما صاغها في موسوعته المنهج، وهي في تقديرنا أكثر نظرية معرفة ثراءً وثوريةً بعد نظرية المعرفة الديكارتية في القرن السابع عشر. إنّ نظرية المعرفة عند موران ليست مستقلة عن علم الاجتماع والبيولوجيا والعلوم الأخرى التي ظهرت بعد الثورات العلمية المتتالية، وفي هذه النقطة يتفوق على أيّ نظرية معرفة فلسفية خالصة.

يحاول هذا الكتاب الإجابة عن سؤالين رئيسين: ماذا يمكن أن تقدّمه جائحة كورونا للوعي الإيكولوجي الإنساني؟ وهل يُمكن أن يستمرّ الإنسان في النهج الحداثي نفسه الذي تراكم طوال الأربعة قرون الماضية؟ إنّ طرحًا بهذه الأهمية يضع السبيل الحداثي، الذي هو طريق الغرب، بالخصوص موضع مراجعة جذرية. ولو أنّنا نعتقد مثل موران أنّ التغيّر الجذري متعذّر، بل هو، في الحقيقة، ضرب من اليوتوبيا المثالية التي لا يمكنها أن تغيّر شيئًا نحو الأفضل.


* هذه المراجعة منشورة في العدد 24 (ربيع 2021) من مجلة "عمران" (الصفحات 141-148)وهي مجلة فصلية محكمة متخصّصة في العلوم الاجتماعيّة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.

** تجدون في موقع دورية "عمران"  خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.