دراسات 16 إبريل ، 2012

انعكاسات الرّبيع العربيّ على دول مجلس التّعاون الخليجي

الكلمات المفتاحية

عبد الخالق عبد الله

الدكتور عبد الخالق عبد الله يعمل أستاذًا في قسم العلوم السياسيّة في جامعة الإمارات العربيّة المتّحدة. وتدخل ضمن اهتماماته البحثية مواضيع الأمن والتحوّلات السّياسية في الخليج العربي. وتتوسع كتاباته إلى قضايا متنوعة فكريّة وسياسيّة وعربيّة وعالميّة معاصرة. نال شهادة الدّكتوراه من جامعة جورج تاون في واشنطن في السّياسة المقارنة، ودرجة الماجستير من الجامعة الأميركيّة في واشنطن في الفلسفة السياسيّة. وعمل أستاذًا زائرًا في مركز الدّراسات العربيّة المعاصرة في جامعة جورج تاون، كما شارك في عددٍ من المؤتمرات والنّدوات، وألقى محاضرات في جامعات ومراكزَ بحثيّة أوروبيّة وأميركيّة وآسيويّة وعربيّة. وهو عضو مؤسّس وفاعل في عدد من الجمعيّات المهنيّة والثقافيّة والتطوّعية الإماراتيّة والخليجيّة والعربيّة، بما في ذلك "لجنة الإمارات الوطنيّة لمقاومة التّطبيع مع العدوّ الإسرائيلي"، وعمل رئيسَ تحرير مجلّة شؤون اجتماعيّة. ألف مجموعة من الكتب منها: "الحركة الثقافيّة في الإمارات" (2000)، و"العالم المعاصر والصّراعات الدوليّة المعاصرة" (1989). وساهم في تأليف مجموعة أخرى من الكتب وأشرف على تحريرها، مثل كتاب "النّظام الإقليمي الخليجي" (1999)، "قضايا خليجيّة معاصرة" (1998)، وكتاب "الوطن العربي بين قرنين" (2001). وله العديد من الدراسات والبحوث المنشورة باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة في دوريّات عربيّة وعالميّة.

مقدّمة*                                                                                                                       

كان الرّبيع العربي[1] عربيًّا شاملًا، ولم يستثن أحدًا بما في ذلك الخليج العربي؛ الجزء المنتعش والمزدهر اقتصاديًّا في الوطن العربيّ. لقد تمكّن الرّبيع العربيّ، بشعاراته المدوّية "الشّعب يريد إسقاط النّظام" و"ارحل" من إنجاز أربع ثوراتٍ بنجاحٍ، هي ثورة 17 كانون الأوّل / ديسمبر في تونس التي أنهت ثلاثين سنةً من حكم زين العابدين بن علي، وثورة 25  يناير في مصر التي انطلقت من ميدان التّحرير وتمكّنت سريعًا من إنهاء ثلاثين سنةً من حكم حسني مبارك، وثورة 17 شباط / فبراير في ليبيا التي نجحت بعد معركةٍ دامية ذهب ضحيّتها نحو ثلاثين ألف شهيدٍ في القضاء على حكم معمّر القذّافي الّذي استمرّ أكثر من أربعين سنةً، وثورة 13 شباط / فبراير في اليمن التي أدّت إلى تنحّي علي عبد الله صالح بعد جهدٍ جهيدٍ وعبر مبادرةٍ دبلوماسيّةٍ خليجيّةٍ توافقيّةٍ تكلّلت بانتخاب رئيسٍ جديدٍ لليمن[2].

لكنّ الرّبيع العربيّ مستمرٌّ بوجود ثوراتٍ عربيّةٍ لم تنجز مهامّها إنجازًا كاملًا حتّى الآن؛ وتأتي في المقدّمة ثورة 15 آذار/ مارس في سوريا، وثورة 14 شباط / فبراير في البحرين. ولا يقتصر الرّبيع العربي على الثّورات المنجزة، وتلك التي في طور الإنجاز بل يشمل أيضًا مجموعةً من التحوّلات والمطالبات الإصلاحيّة الدّيمقراطية المؤجّلة التي تنتظر شرارة لم تنطلق بعد على الرّغم من وجود ظروفٍ ثوريّةٍ وإصلاحيّةٍ في عموم الوطن العربيّ. ربّما كانت السّنة الثّانية من الرّبيع العربي أهمّ من السّنة الأولى خاصّةً من حيث قدرة الثّورة على تحقيق أبرز أهدافها في جعل الوطن العربيّ أكثر ديمقراطيّةً ممّا كان عليه خلال الخمسين سنة الماضية [3].

مهما كان واقع الثّورات فالمؤكّد أنّ الوطن العربيّ يعيش لحظةً ثوريّةً استثنائيّةً، وعاش سنةً تأسيسيّةً لا تتكرّر كثيرًا في التّاريخ. فمن ناحيةٍ، ستدخل سنة 2011 التّاريخ سنةً عربيّةً استثنائيّةً. تأتي السّنة الاستثنائيّة مرّةً واحدةً فقط في العمر ، ومرّةً وحيدةً في كلّ جيل.

لم تكن سنة 2011 استثنائيّةً فحسب بل هي سنةٌ تأسيسيّةٌ. فقد كانت التحوّلات من العمق والتدفّق بحيث أنّها ألغت كلّ ما قبلها، من مسلّماتٍ ومؤسّساتٍ وشخصيّاتٍ وعقليّاتٍ وسلوكيّاتٍ وأسّست لكلّ ما بعدها. كان الانقطاع شاملًا وكاملًا وربّما نهائيًّا. ستدخل أحداث 2011 التاريخ بوصفها تأسيسيّةً، ليس في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين فقط، بل تشمل المنطقة العربيّة بأسرها. فالمؤكّد أنّ مرحلة الرّكود والاستسلام والإحباط والبؤس العربي التي استمرّت طويلًا وامتدّت لأكثر من أربعة عقودٍ أوشكت على الانتهاء. لقد أفرزت التحوّلات الاستثنائيّة والتّأسيسيّة خلال سنة 2011 حالةً نفسيّةً وسياسيّةً وفكريّةً عربيّةً مختلفةً عمّا كان سائدًا قبل بداية الرّبيع العربي. حدثت ثورةٌ في الواقع السّياسي العربيّ وثورةٌ أهمّ، وهي الثّورة الحقيقيّة في القلوب والعقول حيث تحوّلت الحالة النفسيّة العربيّة من اليأس إلى الأمل ومن الإفراط في التّشاؤم والسوداويّة إلى التّفاؤل وإن بحذرٍ. إنّ هذه الحالة النّفسية الرّبيعية التأمّلية حالةٌ تأسيسيّةٌ وتشكّل أهمّ مكسب لتحوّلات سنة 2011 التي كانت من السّنوات الجيّدة في التّاريخ العربيّ المعاصر الحافل بالسّنوات العجاف. ومن البديهي القول إنّ السّنة التّأسيسيّة عادةً ما تكون صعبةً وممتدّةً، وأصعب ما فيها ليس نهاية النّظام القديم بل ولادة النّظام الجديد والبدء بفجرٍ منعشٍ والتّأسيس لعهدٍ مختلفٍ قابلٍ لكلّ الاحتمالات الإيجابيّة منها والسّلبية. فلا تحدث الولادة عادةً من دون ألمٍ وتمزّقٍ ودمٍ، وبعض الولادات تكون عصيّةً وقيصريّةً وتتطلّب تدخّلاتٍ جراحيّةً مصيريّةً ونتائجها ونهاياتها غير معروفةٍ.

لكن، إضافةً إلى سمة الاستثنائيّة والتّأسيسيّة، كانت تحوّلات سنة 2011 في مجملها تحوّلاتٍ فجائيّةً. جاءت هذه التحوّلات مفاجئةً للدّاخل والخارج. انبهر الجميع، القريب والبعيد، بالثّورات العربيّة في عام 2011. وكانت قد سبقت هذه الثّورة حركاتٌ شعبيّةٌ احتجاجيّةٌ في أكثر من دولةٍ وعاصمةٍ ومدينةٍ عربيّة. وكانت ظروف القمع والظّلم والاستبداد والفساد تنبئ منذ فترةٍ طويلةٍ بقرب ثورةٍ ما في مصرَ وفي دولٍ عربيّةٍ أخرى. لكن توقيت ثورة 2011 ونضجها وعفويّتها وتدفّقها وسرعتها، وكونها في المقام الأوّل عربيّة، كلّ ذلك جاء مبهرًا ومفاجئًا، وفاق كلّ التوقّعات. ففاجأ الجميعَ حضور فئة الشّباب، وخروج الملايين، وانهيار الأنظمة، ثمّ الهروب والتنحّي السّريع، وحتّى الشّعارات غير التقليديّة، وغياب القيادات والمرجعيّات الفكريّة الجاهزة، لكن المفاجأة الكبرى كانت "ضرب الأنظمة في مأمن" وهي غافلةٌ ومطمئنّةٌ كلّ الاطمئنان على بقائها ومستقبلها. لقد ضربت الثّورة الأنظمة المستبدّة في مأمنٍ، وجاءتها الضّربة مفاجئةً، وعلى حين غفلةٍ، ومن الزّاوية الخفيّة، لذلك كانت مميتةً.

وتبقى السّمة البارزة لتحوّلات 2011 هي أنّها كانت تحوّلاتٍ شبابيّة في المقام الأوّل. لقد كانت تحوّلات سنة 2011 فجائيّةً واستثنائيّةً وتأسيسيّةً، وهي تحوّلات شبابيّة كذلك. إنّ سمة الشّبابيّة تستحقّ وقفةً متأنّيةً ومعمّقةً. من دون مشاركة فئة الشّباب، لم يكن لهذا الزّخم الثّوري الذي دبّ في الجسم العربيّ أن يبدأ ويستمرّ. أراد الشّبّان واستجاب القدر، وجاءت لحظة الحرّية إلى المنطقة العربيّة. كنّا نعتقد أنّ الشّباب العربيّ مدلّلٌ، غير مبالٍ وكسولٌ فكريًّا ويكره السّياسة، وأنّ القضايا الكبرى خارج اهتمامات هذا الجيل المنغمس في عالمه الافتراضيّ. فيخرج هذا الشّابّ فجأةً ، ويتحوّل إلى ماردٍ سياسيٍّ يملك وعيًا سياسيًّا من الطّراز الأوّل، وينادي بمطالبَ سياسيّةٍ، ويرفع شعاراتٍ سياسيّةً.



* هذه الدّراسة هي نسخة موسّعة ومتابعة لآخر التطوّرات لبحث نُشر في مجلّة المستقبل العربي العدد 391، أيلول / سبتمبر 2011.

[1] وصف الأحداث التّاريخية التي تشهدها المنطقة العربية بالربيع العربي The Arab Spring فيه الكثير من التبسيط الذي ربّما يخلّ بقيمة هذه التحولات التأسيسية. كما أنّ مصطلح "الربيع" تم نقله من تجارب ثورية وإصلاحية عالمية مختلفة في مساراتها وحيثياتها  عمّا يحدث حاليًّا في عموم الوطن العربي. فقاموس أكسفورد يذكر كلًّا من الرّبيع البولندي عام 1956 و1982، وربيع سيول الكوري عام 1979 وربيع براغ 1968، لكن مصطلح "الربيع العربي" يوحي بأمور إيجابية أبرزها انتهاء مرحلة البيات والرّكود والسّكون وعودة الحياة والنهضة واليقظة والازدهار. وهناك كتاب مهمّ للدكتور عبد الرحمن بدوي بعنوان "ربيع الفكر اليوناني" كناية عن ازدهاره وتفتّحه وانتشاره، وكتاب آخر بعنوان "خريف الفكر اليوناني" كناية عن ذبول الحضارة اليونانية وتراجعها واضمحلالها. ومهما كان الأمر بالنسبة إلى دلالات مصطلح الربيع العربي فإن أوّل ذكر له جاء في مقالة لمارك لينش نُشرت في مجلّة "فورن بولسي" في 6 كانون الثاني / يناير 2011، انتشر تداولته سريعًا في وسائل الإعلام عربيًّا وعالميًّا، وأصبح من العصيّ تجاوزه. واستحسن البعض مفهوم الرّبيع العربي لاحتوائه على دلالات إيجابيّة، وإلى أن يتمّ الاتفاق على وصف آخر أكثر دقّة للتحوّلات العربية في سنة 2011، فقد تمّ استخدام هذا المصطلح في هذه الورقة والقبول به بتحفّظ. ولكن من المدهش أن تعيش الأرض العربية تحوّلات تاريخية وتستورد توصيفها من الخارج. والأوصاف الأخرى الأقلّ تداولًا هي: الانتفاضة العربيّة The Arab Uprising، اليقظة العربية The Arab Awakening، والثورة العربية The Arab Revolution، والتمرّد العربي The Arab Revolt، والاحتجاجات العربيّة The Arab Unrest، وتحوّلات 2011 The Arab Transformation of 2011. لكن أحداث عام 2011 وصفت أيضًا بصفات أكثر دقّة كثورة "ارحل" نسبةً إلى أهمّ شعار من شعارات الشّارع العربي المطالبة برحيل الرّئيس ونظامه وأنّ الشّعب قد ملّ من بقائهما. واستخدمت كلمة "هبّة" و"هبّة عربية" التي هي اشتقاق لكلمة هبّ ويهبّ. بيد أنّ هذه الكلمة لم تجد أصداء إيجابية. هناك تحفّظات على جميع هذه المسمّيات، وهي تحفظات محقّة. المؤكّد أنّ هناك وضعًا جديدًا قيد التشكّل، لكن لا يوجد اتّفاق عربي حتّى الآن على تسميته. وبعيدًا عن الوصف الدّارج، فالمؤكّد أنّ الشّعوب اختارت مصطلح "الثورة" وانحازت له لوصف ما تقوم به في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن وحتّى البحرين، إلخ.

أوّل كتاب عن الربيع العربي باللغة العربيّة قام بتحريره عبد الإله بالقزيز وصدر عن مركز دراسات الوحدة العربيّة في أيلول / سبتمبر 2011 بعنوان "الربيع العربي... إلى أين؟". ويضمّ مجموعة من الدراسات التي نُشرت في مجلّة المستقبل العربي. وأوّل كتاب باللغة الإنجليزيّة صدر في تموز / يوليو 2011 بعنوان الثورة العربيّة: عشر دروس من وحي الانتفاضة الدّيمقراطية.

Jean-Pierre Filliu, The Arab Revolution: Ten Lessons from the Democratic Uprising, (London:Hurst and CO. Publishers, 2011).

وكذلك راجع:

Michael Hudson, "Awakening, Cataclysm or Just a Series of Events?: Reflections on Current Waves of Protest in the Arab World", Jadaliyya, May 6th, (2011).

Rami Khouri, "Drop the Orientalist term 'Arab Spring'", Daily Star, 17/08/2011.

[2] "صالح يشرف بنفسه على مراسم تنصيب هادي رئيسا"، جريدة الخليج، 27/ 02/ 2012، ص 21.

[3] Abdulkhaleq Abdulla, "Arab Spring Could Deliver More Good News", Gulf News, 1/1/2012.