العنوان هنا
مراجعات 10 ديسمبر ، 2015

مراجعة كتاب: الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب

حازم نهّار

يعمل الدكتور حازم نهّار باحثًا في وحدة الدراسات السورية المعاصرة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو طبيب، حائز على شهادة اختصاص في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل من جامعة دمشق عام 2001، وله عدد من المؤلفات الطبية، منها المخدرات وأثرها الطبي والنفسي على صحة الفرد والمجتمع (2006).  وهو كاتب في الشؤون السياسية والثقافية، وينشر في العديد من الصحف والمجلات العربية، ورئيس تحرير مجلة المشكاة التي تعنى بدراسات حقوق الإنسان.
من مؤلفاته الفكرية السياسية: مسارات السلطة والمعارضة في سورية (2009)، وله أيضاً أكثر من عشرة كتب مترجمة، منها: سورية: الاقتراع أم الرصاص، سورية: ثورة من فوق، بدايات العالم، الاقتصاد السياسي تحت حكم حافظ الأسد، بناء سنغافورة.

.

عنوان الكتاب: الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب

المؤلف: مجموعة من المؤلفين

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة وبيروت

السنة: 2013

عدد الصفحات: 718 صفحة من القطع الصغير

 

مقدمة

إنّ الأبحاث المنشورة في هذا الكتاب هي حصيلة مؤتمر أكاديمي عنوانه "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: تجارب واتجاهات"، نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مدينة الدوحة خلال الفترة 6 - 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2012. وقد شارك في هذا المؤتمر واحد وثلاثون باحثًا، إضافةً إلى اثنتين وعشرين شخصيةً من قادة بعض حركات الإسلام السياسي.

عُقد المؤتمر في لحظة سياسية مهمة، بعد انطلاق الثورات العربية ووصول بعض القوى السياسية الإسلامية إلى سدة الحكم، الأمر الذي طرح بقوة مسألة العلاقة بين الإسلاميين ونظام الحكم، وأعاد طرح بعض القضايا النظرية في النقاش العامّ، من بينها: العلمانية والإسلام، والديمقراطية والإسلام، ومفهوم الدولة لدى حركات الإسلام السياسي، والإسلاميون والأقليات الدينية في المنطقة العربية. لكنّ ميزة هذه النقاشات هذه المرة أنها تُطرح في ظل وجود تجارب عيانية من حُكم قوًى سياسية إسلامية. وقد وُزعت أبحاث الكتاب في قسمين: القسم الأول "اتجاهات الإصلاح والديمقراطية والسياسة"، والقسم الثاني "تجارب في الحكم".

 

القسم الأول: اتجاهات الإصلاح والديمقراطية والسياسة

 يتألف هذا القسم من سبعة فصول، وقد كتب الفصل الأول الباحث كمال عبد اللطيف، وهو بعنوان "فكر النهضة والثورات العربية"، وركز فيه على بحث العلاقة بين المشروع النهضوي العربي والثورات العربية. ولا يدّعي الباحث "وجود علاقة مباشرة بين شعارات الشباب في الربيع العربي وأدبيات النهضة التي علَّمت المجتمع العربي أبجدية التحرر" (ص 30)، لكنه يشير إلى أنّ هذه العلاقة تضعنا أمام لحظة مركبة يسميها "لحظة التقاء السياقات والأسئلة وتقاطعها" (ص 30). ويقصد بذلك أنّ "حلم النهضة العربية الذي جسَّم فيه النهضويون العرب خلال قرنين من الزمان صور تطلعهم إلى بناء مجتمع جديد وأنظمة سياسية جديدة، احتل مكانةً رمزيةً في شعارات المحتجين في الثورات العربية" (ص 30). ويرى الباحث أيضًا أنّ الثورات العربية تفتح الباب أمام معارك مرتقبة في الفكر العربي، وهي تندرج في "باب المعارك الكبرى التي شكّلت جوانب من ملامح فكرنا النهضوي" (ص 43)، وهذه المعارك تتعلق بالإصلاح الثقافي والإصلاح الديني، ولا تنفصل عن مشروع ترسيخ الحداثة السياسية في فكرنا.

وكتب امحمد جبرون الفصل الثاني "الإسلاميون في طور تحول: من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية (حالة حزب العدالة والتنمية المغربي)"، ويرى فيه أنّ التحول التاريخي الذي يعيشه الوطن العربي بعد الثورات هو تحول في الأفكار والقناعات ومنهجيات الإصلاح، وقد لامس جميع القوى الاجتماعية، بما فيها القوى الإسلامية، إضافةً إلى أنه تحول في البنى والأنظمة السياسية. ولعل أهم التداعيات الفكرية والسياسية للربيع العربي، تتعلق بمفهوم الديمقراطية، وقد حاول البحث رصد التقدم الذي أحرزه الإسلاميون بعد الربيع العربي في اتجاه الديمقراطية. فقد انتقل الإسلاميون، كما يرى الباحث، في أجواء الثورات "من الديمقراطية الأداتية التي تجسدها أدوات الانتخاب والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة (...) إلى الديمقراطية الفلسفية التي تجسدها مفاهيم الحرية والقانون الوضعي والمساواة" (ص 73). ويرى الباحث أنّ "حزب العدالة والتنمية" المغربي من خلال أطاريحه المختلفة نموذج لغيره من القوى السياسية الإسلامية في الأخذ بالديمقراطية من أبعادها التقنية والفلسفية.

وفي الفصل الثالث "صعود إسلامي أم فشل علماني؟ محاولة لفهم نتائج الانتخابات المصرية بعد ثورة 25 يناير" الذي كتبته مروة فكري، يجري تأكيد حقيقة مفادها أنّ تحليل أسباب صعود الإخوان المسلمين يمثّل في الوقت نفسه تحليلًا للعوامل التي أدّت إلى فشل منافسيهم من العلمانيين. وترى الباحثة أنّ هذه الأسباب ترتبط بمستويين أحدهما فكري والآخر تنظيمي. فمن الناحية الفكرية "مثّل فشل الأيديولوجيات العلمانية في الدول الإسلامية في تقديم شكل أفضل للحياة السياسية السبب الأساس وراء صعود الإسلاميين" (ص 120). أمّا من الناحية التنظيمية، فقد "حافظ الإسلاميون على كيان تنظيمي ممتد ومنتشر في أرجاء الجمهورية على الرغم من سنوات القمع التي مروا بها. في المقابل فإنّ المعارضة العلمانية لم تطور رسالةً أو برامج واضحةً، كما لم تقم ببناء أحزاب سياسية فاعلة تقدّم البديل السياسي والأخلاقي والاقتصادي للتيار الإسلامي، وانحسر وجودها في دوائر النخبة والإعلام" (ص 121). وقد اعتمد الباحثة أسلوب المقارنة الذي رأت أنه من أكثر الأساليب ملاءمةً لغرض البحث.

وكتب خليل العناني الفصل الرابع "التيارات السلفية في مصر: تفاعلات الدين والأيديولوجيا والسياسة"، وأشار في نهاية بحثه إلى مجموعة من الخلاصات والنتائج (ص 160)، أولاها أنّ التيار السلفي ليس كتلةً واحدةً، فهناك حالة واضحة من التمايز والاختلاف داخله. وثانيتها أنّ دمج التيار السلفي في العملية السياسية كان سببًا مهمًا لحدوث تحولات ملحوظة في أفكاره وخطابه، وثالثتها أنّ الحضور الكثيف للسلفيين في الفضاء العامّ ليس نتيجةً للانفتاح السياسي بعد ثورة يناير فحسب، بل بسبب ميلهم إلى الدفاع عن مصالحهم ومكاسبهم أيضًا، ورابعتها أنه من المتوقع أن تزداد حالة التنافس والصراع بين السلفيين أنفسهم لأسباب سياسية وليست فكريةً فحسب. وخامستها أنه من الممكن أن تحدث صراعات بين جناحي الدعوة والسياسة داخل الكتلة السلفية.

وتوقف معتز الخطيب في الفصل الخامس "الوسطية الإسلامية وفقه الدولة: قراءة نقدية" عند مصطلح "الوسطية" وضبابيته والوظائف المتعددة التي يؤديها، ودور حركة الإخوان المسلمين في بلورته من خلال تقديم نفسها كصيغة وسط بين تياري المحافظة والتجديد في الإسلام. وبلور هذا البحث كذلك الإشكالات التي تحيط بالتفكير السياسي الوسطي "على مستوى المنظومة وعدم اتساقها أولًا، ثمّ على مستوى عدم دقة أطاريح أصحابها بالاستناد إلى مرجعيتهم الفقهية" (ص 210)، وقدّم تحليلًا نقديًا لأطروحة "الدولة الإسلامية"، موضحًا أنّ مفهوم "الدولة الإسلامية" يلفّه الغموض وتلتبس فيه جملة مفاهيم (الدولة الحديثة، والخلافة، والإمامة، والحكم).

وكتب رشيد مقتدر الفصل السادس، وهو بعنوان "القوى الإسلامية والتحالفات المبرمة خلال مرحلة ما قبل الربيع العربي وبعده: محاولة للفهم"، ويتناول فيه موضوع القوى الإسلامية والتحالفات المبرمة مع القوى السياسية اليسارية أو الليبرالية أو غيرها، وقد ركز في إشكالية كبرى هي إدماج القوى الإسلامية داخل أنظمة الحكم، ورأى أنه يتفرع منها إشكالان مركزيان (ص 217). فالإشكال الأول هو علاقة الإسلاميين بالأنظمة الحاكمة وطبيعة الإستراتيجيات المنتهجة من كلا الطرفين ونوعية التكتيكات المتبعة. أمّا الإشكال الثاني، فهو علاقة الإسلاميين بخصومهم السياسيين ومنافسيهم الأيديولوجيين، ونوعية التحالفات السياسية المبرمة وسياقاتها وأهدافها ومنطقها المتحرك بعيدًا من المسوغات الأخلاقية والتبريرات الأيديولوجية.

وفي الفصل السابع "محمد مهدي شمس الدين ونقد ولاية الفقيه" تتناول الباحثة فرح كوثراني جانبًا من الفكر السياسي للشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي كان من المجتهدين الشيعة البارزين، والذي انهمك في "البحث عن صيغ للحكومة الإسلامية تكون بديلةً من صيغة ولاية الفقيه من أجل إنقاذ استقلالية المجتهدين عن سلطة الدولة، ولا سيما عندما يكون على رأسها وليّ فقيه، له ولاية مطلقة الصلاحيات على العباد وبقية الفقهاء" (ص 295). ولذلك دافع شمس الدين عن الحكومة الإسلامية واعتمد ولاية الأمة على نفسها، ورأى أنّ الجمع بين الدولة الإيرانية وولاية الفقيه "سوف يؤدي ليس إلى القضاء على دور العلماء والفقهاء في الاجتهاد فحسب، لكن إلى خضوع الإسلام لمصالح السلطة السياسية أيضًا" (ص 295).


القسم الثاني: تجارب في الحكم

يتألف هذا القسم من ثمانية فصول تركّز تركيزًا رئيسًا في تجربة القوى الإسلامية من حيث الممارسة والحكم. وقد كتب عبد الوهاب الأفندي الفصل الثامن "الحكم الإسلامي من دون إسلاميين: جدلية الدولة والحركة في التجربة السودانية"، وأكد فيه فكرةً رئيسةً مجملها أنّ القوى الإسلامية اليوم تستبطن لاشعوريًا الانتماء الوطني للدولة، حتى وإن كست ذلك بلبوس الدعوة الإسلامية العالمية. فهذه الحركات الإسلامية "تميزت عن سوابقها من حركات الإصلاح الديني في الإسلام بأنها خرجت إلى الوجود وهي مطبوعة بطابع (الدنيوية)، بل جسّدت في فكرها واهتماماتها حقيقة اغتراب الإنسان المعاصر عن السماء" (ص 331). ويؤكد الباحث هذه الفكرة من خلال دراسته للحركة الإسلامية السودانية التي أخذ التوجه "القومي" في فكرها وممارساتها يتكون مبكرًا، وامتزج بإحساسٍ بالتفوق والتقدم الفكري على الحركة الأم في مصر (ص 304).

أمّا الفصل التاسع "تجربة الإسلاميين السودانيين في الحكم: تطبيق الشريعة في فضاء متعدد ثقافيًا ودينيًا وإثنيًا"، فقد كتبه شمس الدين الأمين ضو البيت، وفيه يعرض نشأة الحركة الإسلامية السودانية وتجسيدها في حركات سياسية، ويرى أنّ الفضاء المتنوع والتعددي في السودان ومشكلة الجنوب لم يكونَا جزءًا من وعي الحركة الإسلامية، بل إنّ هذه الحركة لم تتورع عن الدعوة إلى دستور إسلامي. ويرى الباحث أنه على الرغم من أنّ الحركة الإسلامية السودانية قدمت نفسها بوصفها حركةً تجديديةً حديثةً، فإنّ عملية التجديد قد "أسفرت عن تكريس للانتقائية السلفية التقليدية لفكر الإخوان المسلمين، بصورة عامة، مع توسيع مداها" (ص 390).

في الفصل العاشر "الأداء السياسي للتيارات الإسلامية في مصر منذ ثورة 25 يناير 2011"، يتناول الباحث محمد السيد سليم تقويم الأداء السياسي لحركة الإخوان المسلمين في مصر، ويدرس علاقاتها وتعاملها مع التيارات السياسية الأخرى، وتفاهماتها مع العسكر، واحتمالات احتكارها للسلطة السياسية ومستقبل الديمقراطية في ظل وصول محمد مرسي إلى الحكم. ويرى الباحث، في هذا السياق، أنّ "رفع الشعارات الأيديولوجية أمرٌ يختلف عن العمل من داخل الجهاز التشريعي والتنفيذي للدولة. ومن ثمّ، فإنّ مستقبل تلك التيارات مرهون بمدى قدرتها على تقديم خطاب توافقي عامّ يضعها في قلب العملية السياسية الديمقراطية من خلال التخلي عن ادعاء امتلاك الدين والتعبير عنه" (ص 459-460). لكنه يؤكد أنّ التيارات الإسلامية "لا تتحمل وحدها مسؤولية الإخفاق الذي انتهت إليه ثورة 25 يناير، حتى الوقت الراهن على الأقل. فكل التيارات تتحمل نصيبها من المسؤولية" (ص 460).

في الفصل الحادي عشر "الإسلاميون في تونس وتحديات البناء السياسي والاقتصادي للدولة الجديدة: قراءة في تجربة حركة النهضة" يناقش أنور الجمعاوي عدّة إشكالات بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم، خصوصًا التحديات التي تواجه بناء الدولة الجديدة، وانخراطهم في مسار الخيار الديمقراطي وموقفهم من التيارات الأخرى، وقدرتهم على تحقيق طموحات ناخبيهم. ويرى الباحث أنّ حركة النهضة "لم توظف الديمقراطية للانقلاب على الديمقراطية أو للعمل على أسلمة المجتمع وعسكرة الدولة" (ص 518)، لتجسّد نتيجةً لذلك "أول تجربة إسلامية ديمقراطية للإسلام السياسي في البلاد العربية" (ص 518)، وتؤسِّس "تجربة توافق علماني/ إسلامي في إدارة دفة الحكم" (ص 518)، لكنها في المقابل لم تنجح في "تحويل نجاحها الانتخابي إلى نجاح تنموي" (ص 518)، وبدا أداؤها السياسي في الحكم "باهتًا مقارنةً بأدائها في المعارضة" (ص 519).

وفي الفصل الثاني عشر "الإسلاميون في تونس وقضايا المرأة بين مطرقة النص وسندان الواقع"، يتناول الباحث حمادي ذويب قضية حرية المرأة وحقوقها وارتباطها بنظام الحكم الديمقراطي، وينطلق في مقاربته من قاعدة عامة تتمثل بأنه "كلما كان المفكر يتبنى الديمقراطية تصورًا وممارسة، كان موقفه من المرأة منفتحًا ومؤيدًا لحقوق المرأة" (ص 523). وتصل الدراسة إلى نتائج متنوعة، لعل أهمها غياب موقف ثابت من قضايا المرأة لدى حركة النهضة في تونس، وبحث قادتها عن حلول توافقية لا تصدم المجتمع التونسي من جهة، ولا تتعارض مع النص القرآني من جهة أخرى. كما يشير الباحث، في ما يتعلق بقضية المرأة، إلى عدم انسجام مواقف الحركة وممارساتها أحيانًا، وإلى شكلية مواقفها النظرية أحيانًا أخرى (ص 550).

وفي الفصل الثالث عشر "تجربة مشاركة حزب الله في لبنان بين ’ولاية الفقيه‘ و’ولاية الأمة على نفسها‘"، يحاول الباحث طلال عتريسي الكشف عن مدى تأثير ولاية الفقيه في تجربة "حزب الله" في لبنان التي مرت بتحولات سياسية وفكرية مهمة، بدايةً من عام 1980 إلى عام 2012. كما يعرض الباحث أبرز ما جاء في أطروحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين "ولاية الأمة على نفسها" بوصفها نظريةً للحكم، مقابل نظرية ولاية الفقيه، ثم يقارن هذه الأطروحة النظرية بالنظرية التي طبقت "ولاية الفقيه" على مستوى الحكم في إيران، وعلى مستوى تجربة حزب الله في لبنان، ليصل إلى نتيجة متمثّلة بأنّ حزب الله قد "قام مبكرًا من خلال تجربة مشاركته السياسية في لبنان بتغليب الخصوصية اللبنانية على منطلقاته الأيديولوجية الإسلامية ذات الصلة بالثورة الإسلامية وبولاية الفقيه" (ص 582).

وفي الفصل الرابع عشر "حزب الله: مشروع قراءة سوسيو – تاريخية"، يدرس الباحث سعود المولى تجربة حزب الله في لبنان، منطلقًا من أنّ هذا الحزب هو الابن الشرعي لحالتين تأسيسيتين مهمتين وحاسمتين، ساهمتَا في رسم مسار الحزب. فالحالة الأولى هي النظام السياسي الطائفي اللبناني وما ولّده من تهميش للمسلمين عمومًا، وللمسلمين الشيعة تحديدًا. أمّا الحالة الثانية، فهي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والعدوان الإسرائيلي على أرض لبنان وشعبه. ويصل الباحث في دراسته وتحليله لمسيرة الحزب إلى أنه "لم يطور (ولا يستطيع) مشاركته السياسية في الحكم إلى مشروع لَبْنَنة حقيقي من جهة، كما لم يطور (ولا يستطيع) وضعه التنظيمي الداخلي بشكل ديمقراطي من جهة أخرى" (ص 627-628). ويرى أيضًا أنّ حزب الله "ليس مقاومةً بالمعنى المعروف للمقاومة الوطنية التحريرية، إذ هو صار أشبه بالجيش النظامي الكامل العدة والتسليح والخاضع لقيادة عمليات مركزية" (ص 628).

وفي الفصل الخامس عشر "تاريخ الإسلاميين وتجربة حكمهم في العراق"، يدرس الباحث رشيد الخيون تجربة الإسلام السياسي في العراق، ويرى أنها مختلفة عن تجارب البلدان الأخرى، بحكم طبيعة المجتمع العراقي المتعدد قوميًا ودينيًا ومذهبيًا، بمعنى أنّ "الإسلام السياسي العراقي يتبع المؤثّر القومي والمذهبي" (ص 634)؛ أي إنه نشأ ونمَا في حاضنة الطائفة أو المذهب. فالأحزاب الشيعية مثلًا، رفعت شعار الدفاع عن الشيعة خلال الحرب العراقية الإيرانية، في حين لم يتجاوب الإخوان المسلمون آنذاك مع المعارضة العراقية. ويختم الباحث بنتيجة ملخّصها أنّ الإسلام السياسي العراقي، بشكله الحزبي الحركي، قد جاء متأثرًا بالخارج. فالإخوان المسلمون، وكذلك الإسلام الشيعي، تأثروا بالإخوان المصريين، ولولا الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية ما تحقق للأحزاب الشيعية هذا الوجود والتأثير في المعارضة العراقية، ومن ثمّ بعد سقوط النظام العراقي (ص 686-687).

في ختام هذه المراجعة السريعة للكتاب، نُذكّر بما جاء في مقدمته من حيث حرص المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ذلك المؤتمر المهم على تجسير الحوار وطرح الأسئلة والقضايا والإشكاليات بين الباحثين والممارسين السياسيين؛ لتبادل الخبرات وفتح حوار بين النظري والسياسي العملي، وإرساء بيئة تفاعلية اتصالية في ما بينهم تخدم، في هدفها النهائي، قضية الحرية التي هي غاية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهو ما دفع المركز العربي إلى تكريس مؤتمر سنوي لبحث التغيرات على مستوى خطاب الحركات الإسلامية وممارساتها.