Author Search

​أستاذ مساعد في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بمعهد الدوحة للدراسات العليا

Author Search

أستاذ زائر، برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا

Author Search

باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Author Search

أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في معهد الدوحة للدراسات العليا، حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع

عبده موسى
قدم المحاضرون مقاربات متعددة عن الحركات الاجتماعية خلال المراحل الانتقالية
الباحثون والطلبة الحاضرون يناقشون أوراق السيمنار
صباح الناصري
المولدي لحمر وطارق دعنا يتوسطهما عبد الفتاح ماضي

شكّل موضوع القوى الاجتماعية وكيفية تشكلها وطبيعة حركتها مكانةً مهمة ضمن اهتمامات حقل التحول الديمقراطي، والذي كان محورًا لسيمنار مشروع "التحول الديمقراطي ومراحل الانتقال في البلدان العربية"، الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، في إطار برنامج السيمنار الأكاديمي لعام 2017-2018. وقد قُدمت في السيمنار، وعلى مدى جلستين، أطروحات حول ديناميات العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني بتشكلاته العديدة، ومنها الحركات الاجتماعية والنقابات والمنظمات غير الحكومية، وكيف تتعلق حركتها جميعًا بمسارات الديمقراطية، وخصوصًا في ظل الوضع العربي الراهن الذي شهد تراجعًا حادًا للمسارات الديمقراطية.

احتوت الجلسة الأولى التي أدارها عبد الفتاح ماضي؛ منسق مشروع التحول الديمقراطي، على مداخلتين: المداخلة الأولى قدمها مولدي الأحمر؛ أستاذ علم الاجتماع بمعهد الدوحة للدراسات العليا، بعنوان "النشاط النقابي وتحديات الربيع العربي: مثال الاتحاد التونسي للشغل"، تطرق فيها إلى تاريخ الاتحاد التونسي للشغل، وتطور دوره الذي انتهي به إلى صدارة المشهد الثوري في تونس. وقد وقف الأحمر على مرتكزات أساسية ميزت الاتحاد وأدواره، منها استقلاليته التنظيمية عن الدولة، وتمتعه بهياكل وقيادات ارتبطت فاعليتها بهذا الملمح الاستقلالي، ومنحته الفرصة لأن يشكل مرتكزًا حقيقيًا للقوة الاجتماعية، وذلك منذ نشوئه قبل قرن تقريبًا حتى الوقت الراهن. واستعرض الباحث كيف انتقل الدور النضالي للاتحاد من مهمة مناهضة الاستعمار إلى مهمة النهوض في وجه تغول دولة الاستقلال. كما أن نضاله الوطني جعله المتصدر طويلًا لمهمة الدفاع عن العدالة في مواجهة تغول قوى السوق. وظل الاتحاد الفاعل الأبرز في مسار الدفاع عن الحريات والعدالة والكرامة، والتي شكلت توجهات جماهير الثورة التونسية. حتى إن الشعار الموصوفة به الثورة في الدستور، أي "ثورة الحرية والكرامة"، مستقىً من شعارٍ للاتحاد التونسي للشغل.

وأظهر الأحمر عمق انخراط الاتحاد وقواعده في الثورة، مؤكدًا أن دراسة مسحية أثبتت أن 94 في المئة من منتسبي الاتحاد قد شاركوا في التظاهرات في ساحات المدن التونسية المختلفة، والتي انتهت بإقصاء بن علي من المشهد السياسي التونسي. واستعرض كيف اضطلع الاتحاد بدور كبير في نقل تونس إلى الديمقراطية، وتشكيله ضمانةً كبيرةً لجمع النخب التونسية على كلمة الديمقراطية، وعبوره بالتجربة إلى بر أمان. واستمرار هذا الدور حتى وقتنا الراهن، فطرح أمثلة عديدة لذلك، منها: دور الاتحاد في أزمة ما بعد الانتخابات الأولى عقب الثورة، وكيف شكلت مبادرته إلى تشكيل الرباعية ضمانةَ حماية صلبة بوجه الثورة المضادة، وكيف استخدم ثقله وتأثيره في الشارع التونسي لإقناع الأحزاب بالتمسك بالمسارات الديمقراطية؛ الأمر الذي مكن من تشكيل مؤسسات سياسية جديدة، يسرت تجاوز لحظة صعبة. كذلك عندما تقدّم إلى حماية المؤسسات الجديدة من الانهيار، وإسناده الوزارة وتجديد هياكلها. وبالمثل، تدخله لحظة فشلت الحكومة، وعمله على خروج وثيقة قرطاج إلى النور، وهي التي شكلت مرجعية داعمة للتحولات واستدامة مسار تعميق الديمقراطية. حتى إن تدخله مؤخرًا في قانون الميزانية يؤشر إلى استمرار هذا الدور التاريخي.

المداخلة الثانية في هذه الجلسة قدمها طارق دعنا؛ الباحث بمركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بمعهد الدوحة، بعنوان "أربعة أبعاد لتحول المجتمع المدني الفلسطيني". وقد تطرق فيها الباحث إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية والمؤسسية التي اجتاحت الساحة الفلسطينية منذ اتفاقية أوسلو، وأظهر كيف جرى ترسيم علاقات جديدة بين الفلسطينيين والمحتل، تضمنت إدخال المانحين الدوليين إلى ساحة المجتمع الفلسطيني، في ظل تحول كبير أصاب الاقتصاد السياسي للأراضي المحتلة. انعكس هذا الوضع الجديد، في رأي الباحث، سلبيًا على المجتمع المدني الفلسطيني، مخلّفًا تحولاتٍ في ساحات أربع: وهي أجندة عمل المنظمات، ودور القاعدة الشعبية، والعملية السياسة، وإنتاج المعرفة. واستعرضها الباحث تباعًا.

أوضح دعنا بخصوص مسيرة تطور المجتمع المدني، أنه قد بدأ مع حركة التحرر الوطني، ثم جاءت انتقالة ثانية مع بروز المنظمات غير الحكومية في ما بعد أوسلو. وعن الأخيرة، أكد دعنا أن نظام الحوكمة النيوليبرالي الذي أوجدته الوكالات المانحة والمؤسسات المالية الدولية كان سببًا في تحول عمل قطاع من المجتمع المدني الفلسطيني، مثلته المنظمات غير الحكومية بهياكلها الاحترافية وقدرتها على جذب التمويل الأجنبي. حيث نال التغيير توجهاتها، وباتت تتحرك وفق بوصلة متطلبات ما سمي بـ "عملية السلام"، وخدمة برامج بناء الدولة والتنمية الاقتصادية التي شملتها. وقد انخرطت هذه المنظمات في مشاريع لإحداث التغيير الاجتماعي في مجالات التنمية والإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية وتمكين المرأة.

وفي معرض حديثه عن الأجندة الوطنية في مقابل الأجندة المعولَمة، بيّن دعنا كيف تشكلت أجندة عمل الحركات الجماهيرية الفلسطينية وفق مبادئ حركة التحرر الوطني. وكيف تحركت عملية تقديم الخدمات وفق بُعد سياسي لا يتجاهل السبب الجذري وراء المظالم الاجتماعية والاقتصادية؛ وهو الاحتلال. وكيف استثمرت قوى المجتمع في التعبئة السياسية بغية تحويل مظالم الناس إلى عملٍ جماعي ملموس في سياق هذا النضال. لكنه، وبحلول أوسلو، تغير الوضع جذريًا؛ إذ أُخضعت قوى المجتمع الفلسطيني للمساعدات الدولية المشروطة، ما أثَّر بشدة في الأجندة الوطنية، وأُعيدت هيكلة المنظمات المحلية حتى تتوافق وهذا الإطار الجديد. وسار وفق وصفات اعتبرتها المنظمات الدولية  الأكثر ملاءمةً لسياقات ما بعد النزاع. ومن ثم، عمد عديد المنظمات إلى تحديد المشكلات الاجتماعية المحلية ومتطلبات حلها وفق المعايير التي صاغتها "صناعة" التنمية الدولية في فلسطين المحتلة، بميلها إلى منح الأولوية لحلول مستوردة للمشكلات المحلية. ولم يعد مرتكز شرعية المنظمات غير الحكومية هو انخراطها في الحركة الوطنية؛ بل علاقتها بالمانحين الدوليين وحسب.

وبين دعنا طبيعة تركز السلطة داخل تلك المنظمات، وكيف عانى كثير منها الشخصنة، والدوران حول شخص قائدها، وطول بقائه في منصبه؛ ما يكشف التناقض بين خطاب تعزيز الديمقراطية والممارسات الداخلية المنافية لها. وتطرق الباحث إلى نزع الطابع السياسي عن عمل المجتمع المدني بعد أوسلو، فذهب بعض المانحين إلى حدّ تجريم المقاومة، وفرض معايير تقييدية جدًا على عمل المنظمات. وأكد دعنا أن مكمن الخطأ في عمل هذه المنظمات هو اختزالها تعقيدات السياق المحلي ليناسب برامج تقنية معدّة سلفًا، في حين أغفلت السبب وراء ظواهر عدم المساواة والظلم، والمتمثل في البنية الاستعمارية الإسرائيلية. كما دان إزالة التسييس عن شريحة كبيرة من المجتمع المدني الفلسطيني؛ ما عطّل القدرة على ضبط الأوضاع السياسية ومساءلة النخب. وأخيرًا استعرض الباحث تناقض ما أسماه "المعارف الأصيلة" في مقابل "معارف الاستعمار الجديد"؛ إذ تحول جسد المعرفة القائم على مبادئ المقاومة ومناهضة الاستعمار، بفعل التغيرات الصادمة التي جلبتها أوسلو، وصار الإنتاج المعرفي يُطوّع لخدمة المعارف التي تروجها المؤسسات الغربية، وقوامها "التحديث الثقافي" الذي يبتغي تغيير الهياكل والعلاقات الاجتماعية لتكريس الهيمنة والسيطرة عليها. واليوم، تضطلع المنظمات غير الحكومية الفلسطينية بدورٍ أساسي في نقل هذه المعرفة وتسويقها واستهلاكها.

الجلسة الثانية التي رأسها حيدر سعيد؛ رئيس تحرير مجلة سياسات عربية، شهدت مداخلتين، كانت أولاهما لعبده موسى؛ الباحث بالمركز العربي، بعنوان "جدل الحركة والتغيير: تساؤلات نقدية حول حجّية منظور الحركات الاجتماعية الجديدة في تفسير أشكال الفعل الجمعي خلال الربيع العربي". قدم موسى مراجعة لمفهوم الحركة الاجتماعية الجديدة في سياق الربيع العربي، ساعيًا لبيان حدود استخدامه. فبدأ بطرحٍ مفاده أن جماهير الربيع قد راوحت بين رفضين: رفض الإفقار، ورفض التهميش. شمل ذلك كسر حالة التفاوت وتحصيل الفرص المتكافئة من جهة، ومنه تخلقت حركات اجتماعية، ومن جهة أخرى قاومت الجماهير الإقصاء، وسعت للاعتراف بفئات هُمِّشت طويلًا؛ ما شكّل أرضيةً لقطاع آخر من هذه الحركات. وظلت مطالب الجماهير تصاغ ضمن بند عريض؛ هو المطالبة بالعدالة، والتي لم تُصغ خلال الربيع العربي صياغةً تُبلورها كأيديولوجيا متكاملة للتغيير؛ بل كان الحال أن تكوينات الفعل الجمعي التي نشأت في سياق الثورات قد تولت مهمة التعبير عن المستقبل، وقدمت "بوليفونية مطلبية"، تعددت معها الإجابات عن سؤال اليوم التالي لسقوط المستبد.

نسب الباحث إلى نشوء الدولة العربية الحديثة المأزوم وطابعها الاستبدادي، فرض ما أسماه "مشروطية الاستبداد". تلك التي أطرت عمل الحركات الاجتماعية، ورسمت بيئة تسلطية تحاصر عملها. نشطت السلطة في تكبيل صور الفعل الجمعي، سواء بالقمع المباشر أو بالقوانين والإجراءات البيروقراطية. كذلك اعتُبرت حالة الجمود والعجز التي أصابت المؤسسات والقنوات، والمفترض فيها القيام بمهمة تمثيل الجماهير وخصوصًا الأحزاب والروابط والنقابات، حافزًا للحركات الاجتماعية كي تستعير أدوار هذه القنوات. ومن هنا تشكلت صيغتها الهجينة، ونشأت حالة تتوسط،  بحسب الباحث، النمطين المعروفين من الحركات الاجتماعية الجديدة والقديمة. ملامح الجدة في الحركات الاجتماعية، صنفها الباحث إلى محكات الحوكمة، والخطاب، والغايات، والأدوار الناشطية. وحدد أسبابًا أربعةً للانضواء إلى ناشطية الحركات الاجتماعية الجديدة، وهي: شعور الجماهير بالعجز عن التأثير في عملية توزيع القيم في المجتمع؛ وانعدام القدرة على التمييز بين الخيارات السياسية؛ واللامعيارية الأخلاقية والسياسية في إدارة العمليات السياسية؛ ووجود صور للعمل السياسي غير منصفة وغير شريفة، دفعت الجماهير إلى الانعزال والعزوف عن المشاركة السياسية.

كما تطرق موسى إلى تشكيك الحركات الجديدة في معنى السياسي، ودفعها إلى جهة إعادة تعريفه، وتوسيع رقعة مجاله، وأن الأفراد لم يعودوا محددين في وعيهم الطبقي فقط، فقد وضعت عولمة المجتمع ما بعد الصناعي الفرد إزاء أسئلة تتعلق بنوعية الحياة ومعناها. وطرح من وجهة تنظيم الحركات الجديدة أن ملامح السيولة، وغياب التصورات الأيديولوجية المركبة والشاملة، والتجزؤ المطلبي، كانت، وعلى عكس الشائع، حافزًا لانضواء قطاعات عريضة إلى هذه الحركات، وخصوصًا من أوساط المهمشين ومَن عانوا التمييز. وقال: إن ما ميز تلك الحركات هو حقيقتها الشبكية، وأنها انتظام لم تتوحد في داخله السلطة؛ بل تعددت، إذ أسهمت هذه الحالة في تيسير الاندماج التنظيمي بين الحركات وتعاضد جهودها.

تطرقت المداخلة الثانية من الجلسة الثانية، والتي قدمها صباح الناصري؛ الأستاذ الزائر بقسم العلوم السياسية بمعهد الدوحة، بعنوان "ما المجتمع المدني في غياب مشروع دولة؟ الإمبراطور الجديد بثياب قديمة: هشاشة مشروع المجتمع المدني الليبرالي" إلى سردية المجتمع المدني الليبرالي وتطورها عبر العقود الخمسة الأخيرة. وأشار إلى أن مكمن الخطأ فيها تمثل في الفهم الأحادي الجانب، والمبني على نظرية المراحل. وقال: إن حاملي راية هذا المشروع الذي عُوّل عليه كثيرًا، سواء أكانوا من المنظمات غير الحكومية أم من منظمات المجتمع المدني أو الجمعيات الرسمية، بما في ذلك الحركات والأحزاب الإسلامية وغيرها، كانوا مجرد نمور من ورق!

وتساءل الناصري عن إمكان تجاوز التحرّر المُضلّل هذا، طارحًا الاحتياج إلى نظريات ومفاهيم ومناهج بديلة لفهم الواقع وتفسيره، ولإبعاد التدخّلات الخارجية المستمرّة في شؤوننا، واستدامة النضال من أجل تلبية احتياجات الناس الأساسية. ودعا إلى الجمع بين الحركات الاجتماعية القديمة،  القائمة على الطبقة والحركات الاجتماعية الجديدة بصورها المختلفة، من دون تضحية بالتنوّع في المجال الاجتماعي.

ثم تطرق الباحث إلى نقد التصورات النيوليبرالية وإسهامها في تحميل آثار الوضع غير المستدام الذي دفعت به سياساتها، على كاهل الجماهير. وبيّن أن مشروع المجتمع المدني النيوليبرالي في مسعاه لنزع الطابع السياسي عن التنمية الاقتصادية المنصفة أو استبعادها، وأن تركه الاقتصاد تحت رحمة فوضى السوق، لا يحميان الفساد النظامي فحسب، وإنما يقوّضان أي محاولة لاجتراح تغيير حقيقي للمجتمع يتجاوز التشظّي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. النيوليبرالية المتغلغلة في قلب مجتمعاتنا المفككة تتناقض وتصورات الديمقراطية الشعبية؛ إذ تعمل بوصفها طبقةً عازلة تحول دون التنشئة الاجتماعية السياسية للأغلبية المحرومة من حقوقها، ما يقوّض أي مشروع لتعميم الوعي الوطني الشعبي. وانتقل الباحث إلى بيان التقاطعات بين مفهومي المجتمع المدني والدولة، طارحًا أنه لا يوجد مجتمع مدني خارج نطاق الدولة، وأن كل مشروع للمجتمع المدني مشروع دولة بالضرورة؛ إذ يمثل الحقل الاجتماعي الذي تنشب فيه الصراعات الشعبية، حتى من دون طبقية منظَّمة. وهو خاضع للمراقبة والاحتواء والقمع الدائمة من النواحي القانونية والمؤسسية والأمنية والأيديولوجية. ومع ذلك، وفي ظلّ أوضاع معيّنة، يشكّل هذا الحقل نقطة محورية للنضالات الاجتماعية. وبهذا المعنى، فهو يمثّل جهاز هيمنة.

وفيما يتعلق بمشاريع الهيمنة السياسية، لا بدّ من تعميم التجارب المحلية، وأساليب الحياة البديلة على المجتمع كله؛ إذ لن يشهد المجتمع تحولات بنيويّة من دونها. ولا يمكن تصوّر الديمقراطية عمليًا إلا في إطار عمل جمعي عصاميّ وخبرة ذاتية. لذلك، من الضروري التركيز على المقاربات الجَمعية والفردية وتعميمها، بعيدًا عن التسطيح وعن الأثر الموازن لآلة التفتيت النيوليبرالية، وهو ما يحتاج إلى إرادة سياسية تعطي تلك المشاريع الأولوية. كما لا بد من الاهتمام بإعادة تسييس الأنشطة الاجتماعية والثقافية والإنسانية، من خلال مشاركة الأفراد والجماعات التي تساعد في تشكيل ذاتيات سياسية تحمل مشروعًا وطنيًا شعبيًا. إن التعبئة العامة ومشاركة الجميع هما الشرطان الأساسيان لهذا، وفي الوقت نفسه، هما هدفا قيام مجتمع مدني يتحقّق ذاتيًا. وانتهى الباحث إلى القول إن المطلوب الآن لهذه المواجهة هو نوع من المثقفين العضويين وأشكال من اللغات بالمعنى الغرامشي تمكّن الروابط العاطفية والسياسية من تشكيل كتلة تاريخية تحمل وجهات تحريرية وأخلاقية.

وقد دارت نقاشات عدة بين الباحثين والحضور تطرقت إلى جوانب من الأطروحات المقدمة. وكان من أبرز المداخلات ما أشار إليه عزمي بشارة من انخراطٍ عربي مبكر في الجدل حول ظاهرة المجتمع المدني منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وأن هذا الجدل جعلنا نتجاوز إشكالية ماهية المفهوم، ونتطرق إلى مدى واسع من الأطروحات النقدية التي اشتُقت من التجارب العربية العديدة، ومنها التجربة الفلسطينية. ونبّه الباحثين إلى أن مفهوم المجتمع المدني ليس مجرد لفظة يمكن استبدالها بأخرى؛ بل بنية مركبة، شهدت تطورات وتبدلات. وأنه من الخطأ، سواء كان مقصودًا ممن تورطوا في ذلك، أو جاء على نحو عفوي، اختزال مفهوم المجتمع المدني في مجرد المنظمات غير الحكومية.

ختامًا، لا بد من التنبّه إلى التطور الفكري للمفهوم الذي طابق عند مفكر مثل جون لوك مفهوم الدولة، في ما شكل النقيض عند آخرين. المهم في المفهوم في وضعيته الراهنة أنه يشير إلى حالة تمايز تمفصل بين وظائف المجتمع ووظائف الدولة؛ ما يحقق وجودًا لعمليات توازن ومراجعة متبادلة بينهما، أو بمعنى آخر يدفع صوب التطور الديمقراطي.