Author Search

​محاضر في كلية الفلسفة في جامعة کولونیا الألمانية.​

الدولة المدنية في الفكر العربي موضوعًا لسيمنار المركز العربي
الدولة المدنية في الفكر العربي موضوعًا لسيمنار المركز العربي
حسام الدين درويش
حسام الدين درويش
حيدر سعيد
حيدر سعيد
عائشة البصري
عائشة البصري

​استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، يوم الأربعاء 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الدكتور حسام الدين درويش، المحاضر في كلية الفلسفة في جامعة كولونيا في ألمانيا، والذي قدّم محاضرة بعنوان "الدولة المدنية في الفكر العربي: مقاربة مفاهيمية وتاريخية". وسعى لتفكيك مفهوم "الدولة المدنية" كما استُخدم في الفكر العربي الحديث والمعاصر. وفحص شرعيته المعرفية والسياسية، من خلال تحليل مفاهيمي. وعقّب على المحاضرة الدكتور حيدر سعيد، الباحث في المركز العربي، مقدّمًا مداخلة نقدية ركّزت على الاستعمال السياسي للمفهوم وتاريخه التداولي في الخطاب العربي المعاصر.

استهل درويش محاضرته انطلاقًا من أسئلة مركزية، هي: ماذا نعني عندما نقول "دولة مدنية"؟ ألهذا التعبير مشروعية مفهومية وفلسفية، أم أنه "تلفيق" كما يذهب بعض منتقديه؟ كيف ظهر في الفكر الغربي واستُخدم؟ كيف انتقل إلى الفكر العربي وتحوّر فيه؟ كيف وُظّف في السجالات بين الإسلاميين والعلمانيين؟ على أيّ نحو تغيّر مع تحوّل السياقات، خصوصًا بعد ثورات الربيع العربي؟

أشار المحاضر إلى أن الاعتراض الأشهر على المفهوم يتمثل في غموضه الشديد وتعدّد دلالاته حدّ التناقض، حتى داخل المعسكر الواحد؛ فليست هناك دلالة واحدة مستقرة له لدى الإسلاميين أو العلمانيين. ويرتبط هذا الغموض، في رأيه، باضطراب مفهومَي "الدولة" و"المدنية" في الثقافة العربية، لكنه يرتبط أساسًا بتركيبهما معًا في صيغة واحدة، وبمحاولة تعريفه عبر نفيه عن "الدولة الدينية" و"الدولة الأمنية/ العسكرية" و"الدولة العلمانية"، من دون ضبط خصائصه الذاتية.

واستعرض درويش نقدًا واسعًا لتعبير "الدولة المدنية" عند كتّاب مثل جاد الكريم الجباعي، وعزيز العظمة، وسربست نبي، ممن وصفوه بأنه "تدليس" أو "مفهوم أيديولوجي مخادع" يتهرّب من تسمية العلمانية باسمها. لكنه دعا إلى تجاوز الشخصنة في هذا النقد، والتركيز على المضامين المعرفية، من قبيل السؤالين التاليين: هل ابتكر الإسلاميون فعلًا هذا المفهوم؟ وهل هو غائب كلّيةً عن الفلسفة السياسية الغربية؟ وأظهر، استنادًا إلى النصوص، أن بذور المفهوم حاضرة في الفكر الغربي (جون لوك، وتقاليد الجمهورية المدنية ... إلخ) وإن لم تُصَغْ باللفظ نفسه، وأن التعبير ذاته استُخدم جزئيًا في سياقات غربية لوصف دولة تستند إلى المواطنة والصالح العام، لا إلى الانتماءات الدينية أو العرقية.

وانتقل إلى مسار المفهوم في الفكر العربي، مميّزًا بين "المعنى" و"اللفظ". فالنواة الدلالية لـ "الدولة المدنية"؛ أي القائمة على التعاقد والمواطنة والتمييز بين الديني والدنيوي، حاضرة منذ القرن التاسع عشر في أعمال أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وفرح أنطون ومحمد عبده، من خلال الحديث عن "السلطة المدنية" و"الفصل بين السلطتين الدينية والمدنية"، قبل أن يتبلور التعبير الحرفي لهذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين عند محمد سعيد العشماوي. وأوضح درويش أن الأخير، وهو ليبرالي ناقد للإسلام السياسي، على الأرجح، أول من صاغ المصطلح بوضوح، وأن الإسلاميين تبنّوه لاحقًا وأعادوا تأويله ضمن مشروعهم.

خلص المحاضر إلى أن "الدولة المدنية" يجب فهمها بوصفها "مفهومًا معياريًا كثيفًا" و"مفهومًا متنازعًا عليه بشدة"، بالمعنى الذي تحدّث عنه وليام غالي، وبوصفها "دالًا فارغًا/ عائمًا" بالمعنى الذي استعمله أرنستو لاكلاو وشانتال موف؛ أي إن مدلولها ليس ثابتًا، إضافة إلى أنها ساحة صراع رمزي بين قوى متنازعة تسعى لملء هذا الدال بمعناها الخاص. وبدل البحث عن تعريف جامع مانع، دعا إلى بناء "نمط مثالي" للدولة المدنية يحدد عناصرها الرئيسة (المواطنة، وسيادة الشعب، والتعاقد، والتعددية، وفصل السلطات، وعدم قيام الدولة على انتماء ديني أو أهلي ... إلخ) مع الإقرار بأن أيّ دولة واقعية ستكون مدنيةً جزئيًا وغير مدنية جزئيًا.

اعتبر الدكتور سعيد، في تعقيبه، أنه يقف "في الموقع الذي ينتقده" درويش؛ أي في صفّ من رأوا أن تعبير "الدولة المدنية" صناعة خطابية للحركات الإسلامية، لكنه أقرّ بأن قراءة ورقته زادت قناعته بأن الإسلاميين لم يبتكروا المفهوم من العدم، بل التقطوا تعبيرًا كان متداولًا في حقول أخرى. غير أنه شدّد على بُعدٍ رأى أن درويش لم يتوقف عنده بما يكفي مفاده أن مفهوم "الدولة المدنية" لم ينشأ في المقام الأول في المختبرات الأكاديمية، بل تبلور داخل الخطاب السياسي؛ فهو من ثم مشروع سياسي وشعار نضالي قبل أن يكون مفهومًا نظريًا، ولا يمكن فهمه من دون فهم السياقات التي نشأ فيها ومت تحفل به من تقابلات وثنائيات. واقترح مقاربة "حفرية" للمفهوم، تبدأ من الإشارات المبكّرة إليه في عشرينيات القرن العشرين، على نحو ما تؤصل بعض الدراسات الأكاديمية، التي أشارت إلى ارتفاع النقاش في المفهوم عقب إلغاء الخلافة العثمانية، ما يعني أنه استُعمل نقيضًا، أو بديلًا، أو مقابلًا لمفهوم "دولة الخلافة"، مرورًا بتحولات اللغة العربية ذاتها حول ثنائيتَي "مدني - ديني" و"مدني - علماني"، ووصولًا إلى لحظة شيوعه بعد ثورات العام 2011.

ورأى سعيد أن "الدولة المدنية" غالبًا ما استُخدمت بوصفها بديلًا ملطّفًا من "الدولة العلمانية"، وأن البحث في معناها لا يكتمل من دون سؤال بسيط، لكنه حاسم، هو: ما الذي تضيفه هذه التسمية مما لا يقدّمه مفهوم الدولة العلمانية أو الدولة الديمقراطية؟ ودعا إلى دراسة ممنهجة لاستعمالات المصطلح في الأدبيات الإسلامية والعلمانية على حد سواء، مع التنبّه إلى التباينات الداخلية في المعسكر الإسلامي نفسه​.

شهد السيمنار نقاشًا ثريًا شارك فيه باحثو المركز العربي وأساتذة معهد الدوحة للدراسات العليا. وتطرّق الحاضرون إلى مسائل الاشتقاق اللغوي للمفهوم والفروق الدلالية بين الدولة المدنية والدولة العلمانية، وتناولوا تحولات الاستخدام السياسي للمصطلح بعد الربيع العربي، ومدى ارتباطه بالجدل الفكري السياسي الدائر حاليًا في المنطقة العربية.