Author Search

باحثة ما بعد الدكتوراه في المعهد الجامعي الأوروبي في فلورنسا.


الحضور المشارك في السمينار
ديما السجدية
هاني عواد

​استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 28 كانون الثاني/ يناير 2026، الباحثة ديما السجدية، باحثة ما بعد الدكتوراه في المعهد الجامعي الأوروبي في فلورنسا، والتي قدّمت محاضرة بعنوان "من الوساطة إلى الأمننة: غزة في السياسة الخارجية المصرية في عهد حماس"، تناولت فيها تحوّلات السياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية وقطاع غزة منذ مطلع الألفية الثالثة.

انطلقت السجدية من تأطير نظري يستند إلى مفهوم "الأمننة" لتفسير كيفية تصوير الدولة المصرية للقضية الفلسطينية، ولا سيما ملف غزة، باعتبارها تهديدًا أمنيًا يستوجب اتخاذ تدابير استثنائية، بدلًا من معالجتها ضمن أطر سياسية أو دبلوماسية تقليدية. وأوضحت أن هذه النظرة الأمنية لا تعود إلى الانتفاضة الثانية فحسب، بل تمتد جذورها إلى إدارة مصر لقطاع غزة بعد حرب 1967، وإلى التعامل مع ملف اللاجئين الفلسطينيين قبل ذلك.

أشارت الباحثة إلى أن ما يميّز النهج المصري منذ عام 2000 هو التركيز الكبير للسلطة داخل جهاز المخابرات العامة، مما أدى إلى تقويض المشاركة الدبلوماسية التقليدية في الملف الفلسطيني، والحدّ من احتمالات التوصل إلى حلول سياسية. وأوضحت أن هذا التحول تبلور في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 والانتفاضة الثانية، حيث تقلّص هامش المناورة الاستراتيجية للسياسة المصرية، وباتت القاهرة أكثر انسجامًا مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية في رفض الكفاح المسلح.

توقفت السجدية عند محطات مفصلية في تطور السياسة المصرية، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة عام 2005، وسيطرة حماس على القطاع عام 2007، وما تلا ذلك من إغلاق كامل لمعبر رفح الحدودي وتشديد الإجراءات على الحدود المصرية. وأوضحت أن العلاقة بين حماس والرؤساء المصريين الثلاثة خلال هذه الفترة لعبت دورًا محوريًا في رسم ملامح السياسة المصرية، التي تراوحت بين التوتر الشديد في عهد مبارك، والانفتاح القصير في عهد مرسي، ثم العودة إلى المقاربة الأمنية المتشددة في عهد السيسي.

وفي سياق تحليلها للديناميات الداخلية والخارجية، أوضحت السجدية أن أمننة القضية الفلسطينية انسجمت مع استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على التوازن السياسي الداخلي واحتواء التهديدات الإقليمية المحتملة، لا سيما في ظل تصاعد نفوذ إيران وعلاقاتها مع حماس.

خصّصت الباحثة جزءًا من محاضرتها لتحليل تداعيات حرب الإبادة الجماعية على غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الثاني 2023، مؤكدة أنها تفرض تحديات غير مسبوقة على استراتيجية الاحتواء المصرية. وأشارت إلى أن المخاوف المصرية تصاعدت بعد اقتراحات إسرائيلية بترحيل الفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما رفضته القاهرة بشكل قاطع، معتبرة إياه تهديدًا للأمن القومي المصري وتصفية للقضية الفلسطينية. وأوضحت أن السيطرة الإسرائيلية على محور فيلادلفيا لا تقلّل فقط من الدور الأمني المصري وفق اتفاق 2005، بل تكشف أيضًا عن انهيار كبير في استراتيجية الاحتواء المصرية.

وخلصت السجدية إلى أن استراتيجية الأمننة والاحتواء التي اعتمدتها مصر باتت متناقضة بشكل متزايد مع النظام الإقليمي الجديد الذي تسعى إسرائيل، بدعم أمريكي، إلى ترسيخه، وأن الاستراتيجية المصرية لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها.

وفي تعقيبه على المحاضرة، قدّم الدكتور عمر عاشور، أستاذ الدراسات الأمنية النقدية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، أربع ملاحظات جوهرية. أولًا، أكد أن غزة وفلسطين تُعدّان امتدادًا للأمن القومي المصري بحكم الجغرافيا، بغض النظر عن هوية النظام الحاكم في القاهرة أو أيديولوجيته، مستشهدًا بالحروب العربية-الإسرائيلية منذ عام 1948، حين شكّل المحور الشمالي عبر غزة وسيناء تهديدًا مباشرًا للأمن المصري. ثانيًا، اقترح عاشور ضرورة التمييز بين أربعة متغيرات تحليلية: الأمن القومي المصري بوصفه مصلحة عامة للدولة، وأمن النظام الحاكم في القاهرة، وهوية من يحكم في غزة، وطبيعة القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، معتبرًا أن التحولات في السياسة المصرية تُفسَّر بشكل أفضل من خلال فهم العلاقات المتشابكة بين هذه المتغيرات. ثالثًا، شدّد على أهمية تتبّع ما كان يحدث في سيناء، لا سيما التوترات داخل المؤسسة الأمنية المصرية بين من يرى ضرورة الاستثمار التنموي في المنطقة وتعبئة سكانها، ومن يفضّل إبقاءها فارغة وقطع التواصل مع غزة، موضحًا أن هذا الخلاف انعكس في سياسات أمنية متباينة. رابعًا، أشار إلى أن التهديدات في سيناء بعد عام 2011 اتخذت طابعًا غير مسبوق، بما في ذلك سيطرة جماعات مسلحة على بلدات وإسقاط طائرات عسكرية، وهو ما عزّز المخاوف المصرية من فقدان السيطرة على المنطقة الحدودية مع غزة.

وقد شهد السيمنار نقاشًا ثريًا حول تحولات السياسة الخارجية المصرية تجاه القضية الفلسطينية، ودور أجهزة المخابرات في صنع القرار، وتداعيات حرب غزة على الاستراتيجية المصرية والتوازنات الإقليمية، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، بالإضافة إلى أساتذة وطلبة من معهد الدوحة للدراسات العليا.