المحاضرة
المحاضرة
العنود الشيخ
العنود الشيخ

​​​استضافت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الثلاثاء 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، الباحثة والمستشارة المتخصصة في تحولات التراث الثقافي العنود الشيخ، التي تشغل منصب باحثة ما بعد الدكتوراه في قسم الفنون والعلوم الإنسانية بجامعة نيويورك أبوظبي. وكان عنوان محاضرتها "تأطير التراث في الخليج العربي: من يملك حق تشكيل الهوية؟"، وذلك ضمن برنامج محاضرات الوحدة الشهرية للموسم الأكاديمي 2026-2027. وقد أدارت المحاضرة الباحثة في الوحدة العنود آل خليفة. 

انطلقت الباحثة من مساءلة مفهوم "التراث" والجهات التي تمتلك حق تعريفه وتحديد ما يستحق الحفظَ منه والاعترافَ به، متسائلةً عمّا إذا كانت هذه السلطة تعود إلى ممارسي التراث والقائمين على نقله بين الأجيال، أم إلى الباحثين والخبراء والمؤسسات المعنية بتوثيقه وتصنيفه. وبيّنت أنّ هذه التساؤلات تكتسب أهميةً خاصة في سياق الخليج العربي، في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، والتوسّع في المؤسسات والمشاريع المعنية بالتراث، وما يصاحبها من إعادة تقديم الممارسات الثقافية المحلية، على نحو مدمجٍ، بتصورات معاصرة للهوية الوطنية. 

ميّزت الباحثة بين "التراث" بوصفه ديمومة متصلة بالممارسات الحياتية والاجتماعية من جهة، وخطاب التراث بوصفه فهمًا بشريًّا لهذه الممارسات، يتشكل ويتغير بتأثير السياقات التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية من جهة أخرى، وأوضحت أنّ التراث ليس معطًى ثابتًا أو منفصلًا عن الحياة الاجتماعية، بل هو نتاج ثقافي يُعاد تشكيل معانيه في الحاضر. واستحضرت في هذا السياق المقاربات النقدية في دراسات التراث، ولا سيما أطروحات الباحثة لورا جين سميث، التي تُسائل التصورات التقليدية لـ "التراث"، التي تتعامل معه بوصفه شيئًا قائمًا بذاته، والتي تلفت الانتباه إلى دور البشر في إنتاج معانيه وقيمته. 

وتوقفت الباحثة عند مفهومَي "الأصالة" و"النقاء الثقافي"، مشكّكةً في إمكانية التعامل معهما بوصفهما معيارَين ثابتَين للحكم على الممارسات التراثية. وأشارت إلى أنّ التقاليد والحرف والممارسات الاجتماعية تشكلت تاريخيًّا في سياقات متغيرة، ومن خلال التفاعل بين الأفراد والجماعات، وأنّه لا يمكن بالضرورة حصرها في صورة أصلية واحدة، أو نطاق جغرافي واجتماعي مغلق. واستدلّت على ذلك ببعض الحرف التقليدية، متسائلةً عن الأسس التي يجري وفقًا لها تحديد أصالة الممارسة، ومدى ارتباط هذه الأسس بتصورات معاصرة قد لا تعكس تاريخها الفعلي وتحولاتها. 

وفي هذا الإطار، دعت الباحثة إلى إعادة النظر في المفاهيم المستعملة في دراسة التراث الخليجي، وعدم التعامل مع المصطلحات المتداولة، مثل "التراث"، و"الإرث"، و"الأصالة"، و"التقاليد"، بوصفها مفاهيم بديهية أو مستقرة الدلالة. وشدّدت على أهمية التنبُّه للأصول اللغوية المتعلقة بالممارسات والمصطلحات المحلية، وما تتضمّنه من معانٍ مرتبطة بالسياقات التي نشأت فيها، بدلًا من إسقاط تعريفات ومعايير لا تنتمي إليها.

وتناولت الباحثة التحوّل الذي طرأ على التراث، وأشارت إلى توسُّع المؤسسات والسياسات المعنية بصونه، موضحةً أنّ الممارسة الثقافية التي كانت تُمارس في سياقها الاجتماعي بطريقة طبيعية أصبحت - في حالات عديدة - موضوعًا للتوثيق والتصنيف والتنظيم بحسب لوائح ومعايير محددة. وبيّنت أنّ هذا الانتقال من الممارسة الاجتماعية إلى التأطير المؤسسي لا يقتصر على توفير آليات لحفظ التراث، بل يمتد إلى إعادة تحديد معانيه ووظائفه واختيار من بين مكوناته ما يستحق الاحتفاء والاعتراف به. وبيّنت كذلك أنّ المؤسسات الرسمية تؤدي اليوم دورًا متزايدًا في تحديد الممارسات التراثية وتمثيلها، في ظل اعتماد الدول على التراث بوصفه أحدَ مكونات الهوية الوطنية وأداةً من أدوات القوة الناعمة. ويثير ذلك، بحسب الباحثة، إشكالية العلاقة بين أصحاب الممارسات التراثية، الذين يحملون المعرفة وينقلونها، والجهات التي تمتلك السلطة المؤسسية المعنيّة بالاعتراف بهذه الممارسات وتصنيفها وتقديمها إلى الجمهور. 

وفي سياق تناولها المنظومة العالمية لصون التراث، توقفت الباحثة عند اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972، واتفاقية صَون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، مشيرةً إلى أهمية التحول من التركيز على المباني والمواقع المادية إلى الاهتمام بالممارسات والمعارف والمهارات التي يحملها البشر وينقلونها بين الأجيال، وأوضحت أنّ صَون التراث غير المادي يختلف عن حماية المواقع الأثرية والمباني؛ إذ يرتبط باستمرار الممارسة داخل المجتمع، وما تتطلبه من نقلٍ للمعرفة والخبرة، فضلًا عن أنه لا يتحقّق من خلال المحافظة على شكلٍ مادي محدّد فحسب. 

وقد نبّهت الباحثة إلى ما يثيره الاعتراف العالمي بالتراث من إشكاليات تتعلق بمعايير الاختيار والاستبعاد، متسائلةً عمّا إذا كانت جميع الممارسات الموروثة تستحق الصون استنادًا إلى فكرة مبنيَّة على الاكتفاء بتوارثها تاريخيًّا، واستعرضت أمثلةً من ممارسات واحتفالات تراثية أثارت مضامينها وتأثيراتها الاجتماعية والأخلاقية كثيرًا من الجدال، ومن ذلك ممارسات ارتبطت بالتمييز أو إلحاق الأذى، لتبيّن أنّ الاعتراف الدولي لا يحسمُ بالضرورة الأسئلة المتعلقة بقيمة الممارسة أو مدى ملاءمة استمرارها. ومن هنا، أكدت أهمية التمييز بين توارث الممارسة وضرورة الحفاظ عليها، وما يستدعيه ذلك من مراجعة نقدية لمعايير الاعتراف والتنقيح والاستبعاد. 

إضافةً إلى ذلك، ناقشت الباحثة مدى ملاءمة الأُطر والمقاربات الدولية المعتمدة في صَون التراث للسياق الخليجي، موضحةً أنّ هذه الأُطر تشكّلت ضمن مسارات تاريخية وفكرية معيَّنة، ثم أصبحت مرجعيات عالمية تستند إليها السياسات والمؤسسات الوطنية، وأشارت إلى أنّ الاستفادة منها لا تعني بالضرورة إمكان نقلها وتطبيقها من دون مراعاة الخصوصيات المحلية، بما في ذلك اللغة والدين والجغرافيا والتكوينات الاجتماعية. 

وشدّدت الباحثة على مركزية اللغة في استمرار التراث ونَقْل المعارف والممارسات بين الأجيال، محذرةً من أنّ تراجعها قد يؤدي إلى فقدان جانب من المعاني والخبرات المرتبطة بالموروث الثقافي، ولفتت الانتباه إلى أهمية الأبعاد الحسية والذاكرة المرتبطة بالممارسات اليومية، التي لا يمكن اختزالها في المنتجات المادية أو العروض المؤسسية؛ إذ تتداخل فيها الروائح، والمذاقات، والأصوات، والخبرات المتوارثة، وهو ما يجعل التراث تجربةً معيشةً تتجاوز ما يمكن توثيقه أو عرضه في المؤسسات والمتاحف. 

وقد خلصت الباحثة إلى ضرورة إعادة ضبط التصوّر السائد للتراث في الخليج، انطلاقًا من الممارسات والمعارف المحلية، مع الاستفادة النقدية من الأطر الدولية، بدلًا من الاكتفاء بتبَنِّيها. وأكدت أهمية التدوين والتوثيق من داخل المجتمعات الخليجية، ولا سيّما في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، معتبرةً أنّ تَرْك مهمة توثيق الموروث الثقافي وتفسيره للآخرين قد يُؤدي إلى إعادة كتابة تاريخه ومعانيه وفقًا لتصورات لا تعكس بالضرورة تجارب المجتمعات التي أنتجته ومارسته. 

في إثر المحاضرة، جرى نقاشٌ تناول عددًا من الإشكاليات التي عرضتها الباحثة. ومن أبرز هذه الإشكاليات التمييز بين "الحق الأخلاقي" في تعريف التراث و"القدرة الفعلية" على تشكيله وفرض تعريفاته، والعلاقة بين الممارسات الاجتماعية الحيّة والتصورات الهوية الوطنية من خلال منظورٍ رسميٍّ، ودور الدولة والمؤسسات في تحديد ما يستحق الاعتراف والصون. وتناولت المداخلات، أيضًا، إشكالية الأصالة في السياقات الخليجية والغربية، والعلاقة بين التراث والماضي والحاضر، ومدى قدرة السياسات التراثية على استيعاب التنوع الاجتماعي والثقافي، بما في ذلك دور التراث في تعزيز الشعور بالانتماء لدى مختلف فئات السكان.