العنوان هنا
تحليل سياسات 13 يناير ، 2011

الموقف من مطلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية

الكلمات المفتاحية

عزمي بشارة

المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا. مفكر وباحث عربي معروف، نشر الدكتور عزمي بشارة مئات الأوراق والدراسات والبحوث في دوريات علمية بلغات مختلفة في الفكر السياسي والنظرية الاجتماعية والفلسفة، ومن أبرز مؤلفاته: المجتمع المدني: دراسة نقدية (1996)؛ في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (2007)؛  الدين والعلمانية في سياق تاريخي (جزآن في ثلاثة مجلدات 2011-2013)؛ في الثورة والقابلية للثورة (2012)؛ الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (2017)؛ مقالة في الحرية (2016)؛ الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (2017)؛ في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ (2018)؛ تنظيم الدولة المكنى ’داعش‘: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة (2018)؛ في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية؟ (2019)؛ والانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (2020)، ومنها كتبٌ أصبحت مرجعيةً في مجالها.

كما أنجز بشارة عملًا تأريخيًا تحليليًا وتوثيقيًا للثورات العربية التي اندلعت في عام 2011، ونشره في ثلاثة كتب هي: الثورة التونسية المجيدة (2011)؛ سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن (2013)؛ ثورة مصر (في مجلدين 2014). تناولت هذه المؤلفات أسباب الثورة ومراحلها في تلك البلدان، وتعد مادةً مرجعيةً ضمن ما يُعرف بالتاريخ الراهن، لما احتوته من توثيق وسرد للتفاصيل اليومية لهذه الثورات مع بعدٍ تحليلي يربط السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل ثورة في ما بينها.

مقدمة

تكرّر مؤخرًا المطلب الإسرائيلي الجديد من السلطة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، أو كدولة الشعب اليهودي. لقد انتقلت اسرائيل من مطلب "الاعتراف بإسرائيل ونبذ الإرهاب" كشرط للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية عشية اتفاقيات أوسلو إلى مطلب الاعتراف بها كدولة يهودية، أي كتعبير عن حق تقرير المصير لشعب تربطه بما يسمى أرض إسرائيل علاقة "حق تاريخي". وهي تطرح هذا المطلب كشرط للحل الدائم منذ فترة. تهدف هذه الورقة إلى تحليل المطلب الإسرائيلي الأخير هذا، كمطلب في العلاقات الدولية، وتمييزه عن مطلب الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية والموجّه للأحزاب الإسرائيلية، وطرح استخلاصات متعلّقة بالسياسات الفلسطينية تجاهه.

كانت حركة "كاديما" التي أسّسها شارون قد طرحت هذا المطلب كشرط للحل الدائم المتأسّس على مبدأ "دولتين لشعبين". وهو مبدأ طالما نادى به اليسار الصهيوني الذي يرى في قيام دولة فلسطينية (بالشروط الاسرائيلية طبعا) نوعًا من الضمان الديمغرافي ليهودية إسرائيل. كما رأى أنه من الضروري أن يعترف الفلسطينيون بهذا "الحق اليهودي في تقرير المصير" وإقامة دولة على أرض فلسطين ( والمقصود هو حق اليهود في أنحاء العالم كافة، وليس حق اليهود الإسرائيليين فحسب).

 لقد أصرّ اليسار الصهيوني أنه من الضروري ألا يتوقف العرب عند الاعتراف باسرائيل كواقع قائم. كانت عبارة "دولتين لشعبين" شعارًا رفعته قوى السلام الصهيونية في إسرائيل، وتلتها قوى غير صهيونية مثل الحزب الشيوعي الإسرائيلي، و"الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات. وما زال في برنامجها طبعاً في حدود عام 1967.

ولا يعني هذا المطلب الذي تحوّل إلى شعار، سوى دولة للشعب الفلسطيني وأخرى للشعب اليهودي. ولا يتحكَّم رافعو شعار "دولتيْن لشعبيْن" لا بتعريف "الشعب اليهودي" (أي بحدوده)، ولا بحدود أرض الدولة الفلسطينية، ولا بحدود سيادتها. فهي قضية لها أصحابها، وقد تركت دولياً لتوازن القوى في المفاوضات.

 وينتج توازن القوى في المفاوضات ومن دون مرجعيات واضحة، إملاءات إسرائيلية. وقد أسقطت تلك المفاوضات مرجعية قراريْ 242 و338، كما أسقطت العديد من القرارات الدولية الأخرى. وبقي من شعار "دولتين لشعبين" مطلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، ومطلب دولة فلسطينية في أقل من حدود عام 1967 تشترطها إسرائيل معدومة السيادة ومرفقة بالتخلي عن القدس وعن حق العودة.

وقد تابعت بلورته كشرط للحل الدائم من هذا النوع، وزيرة خارجية إسرائيل السابقة تسيبي لفني في جميع تحركاتها في مرحلة حكومة أولمرت السابقة. وعبّر عنه أولمرت في خطابه أمام الوفود العربية في أنابوليس يوم 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2007. وكان ذلك في إطار مشروع شارون المعلن بالموافقة على إقامة دولة فلسطينية بالشروط الإسرائيلية. وكمن أحد هذه الشروط في أن تكون الموافقة الإسرائيلية على إقامة الدولة الفلسطينية جزءاً من رزمة تشمل إنهاء المطالب الفلسطينية كافة، بما في ذلك التخلي عن حق العودة والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية.

وقد حوَّل رئيس الحكومة نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان هذا المطلب إلى لازمة تغنّى ( أو للدقة تدندن) بسهولة، وتطرح كشرط لأي تجاوب مع مطالب فلسطينية خلال المفاوضات، حتى لو كان متعلقًا بتجميد آني للاستيطان. وساعدهما في ذلك ان رئيس الولايات المتحدة في مرحلتهما، باراك أوباما، يكرّر التزام الولايات المتحدة لإسرائيل كـ"دولة يهودية" منذ خطابه أمام مؤتمر منظمة الـ"إيباك" (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية) عام 2008 قبل الانتخابات الرئاسية، ومؤخرًا في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2010.

يصعب فصل هذا المطلب عن الحمى الاسرائيلية لسن قوانين في الكنيست ذات طابع يهودي تمييزي ضد المواطنين العرب في الدورات البرلمانية الثلاث الأخيرة. ولكن لا بد من الفصل لغرض التحليل لأن هنالك فرقاً بين الصراع القائم نتيجة تناقض الدولة اليهودية والديمقراطية والمواطنة، وهو موضوع نضال وتحليل مستمرّ ناجم عن تعريف هذه الدولة لذاتها ووظائفها وممارستها، وهي في ذلك صهيونية ويهودية منذ أن قامت[1]، وبين المطلب اإسرائيلي المستجدّ أن يعترف بها العرب على هذا الأساس.

أما من يعتقد أن إسرائيل لم تعلن عن نفسها دولة يهودية إلا الآن بواسطة هذا المطلب، وإن هذا الإعلان من شأنه أن يؤدي إلى طرد العرب المقيمين في إسرائيل، فلا ندري أين كان يعيش حتى الآن. إذ أعلنت إسرائيل عن نفسها دولة يهودية في وثيقة الاستقلال، وخطّطت الحركة الصهوينية لذلك قبلها بنصف قرن، وقد أدى الإصرار على أن تكون الدولة يهودية فعلاً (وليس من حيث المفهوم فقط)، أي بأغلبية يهودية، إلى طرد الأغلبية العربية من فلسطين خارج حدود الهدنة من العام 1949 المسمّاة الخط الأخضر.

لقد تمّ طرد الأغلبية العربية فعلاً عام 1948. ومنذ ذلك التاريخ تبني إسرائيل ذاتها ومؤسساتها كدولة يهودية، وتصادر الأرض على هذا الأساس، وتستوعب الهجرة اليهودية، ويتنازع علمانيّوها ومتديّنوها على التعريف الأدق لمعنى يهودية الدولة. ومنذ ذلك الوقت، يعيش عرب فلسطينيون كمواطنين فيها وقد أصبحوا أقلية في وطنهم. وتطوّر لديهم مؤخرًا (منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي) الوعي بالتناقض بين المواطنة المتساوية ويهودية الدولة[2]، كما جرت عملية صوغ هذا الوعي من قبل نخب وطنية جديدة.

لقد أدى مفهوم الدولة اليهودية وواقعها بعد قيامها إلى نوعين من الصراعات: أولاً، صراع بين المتديّنين والعلمانيّين على تعريف يهوديتها، بدءاً بمن هو اليهودي، ونهايةً بالفصل بين الدين والدولة، ورفض الإملاءات الدينية في ما يتعلق بالحياة اليومية وقوانين الأحوال الشخصية، وإمكانية تبني نمط الحياة العلماني المتطوّر فيها. وتولد ثانياً صراع بين يهودية الدولة وفكرة المواطنة، بما فيها مواطنة العرب الفلسطينيين الذين بقوا كمواطنين فيها.

 ويتخذ هذا الصراع أشكالاً مختلفة مثل حق العودة لليهود ورفض حق العودة للفلسطينيين، واعتبار مصادرة الأرض من العرب لتوطين اليهود مصادرة لأجل الصالح العام في دولة ترى أن مهمتها الرئيسية هي استيعاب الهجرة اليهودية، والتمييز الحكومي الممارس ضد المواطنين العرب في نواحي الحياة المختلفة.

 لقد تعايش تعريف إسرائيل كدولة يهودية مع وجود أقلية عربية تتعايش مع يهودية الدولة، ومع مواطنة من الدرجة الثانية. وتجد إسرائيل الرسمية والشعبية صعوبة متزايدة في هضم صوغ قوى سياسية عربية منذ منتصف التسعينيات للفكرة القائلة بأن الدولة يجب أن تكون لجميع مواطنيها، وأنه من حق العرب المحافظة على هويتهم كعرب فلسطينيين يتواصلون مع الأمة العربية بهذه الصفة. وقد ارتبط هذا الصراع الأخير بمدى استعداد العرب لصوغ هذا التناقض بشكلٍ واعٍ وتحويله إلى برنامج، وبمدى الإصرار على أن المساواة لا تتوافق مع الصهيونية.

لم تعلن إسرائيل عن نفسها كيهودية في السنوات الاخيرة، بل هكذا أعلنت منذ قيامها، وخطّطت الحركة الصهيونية لذلك ما قبل قيامها. ولم يتناقض هذا الواقع مع وجود عرب فيها طالما كانوا أقلية تُعَرَّف كمجموعة أقليات، وطالما جرى التعامل معهم كمواطني درجة ثانية يقبلون بهذا الواقع. وليس التناقض بين وجود "أقلية عربية في إسرائيل" وبين يهودية الدولة، بل بين المساواة للعرب كمواطنين وبين يهودية الدولة.

وبعد أن ميّزنا لغرض البحث بين يهودية إسرائيل القائمة في النظرية والواقع، وفي الإيديولوجية والممارسة، والصراعات المترتبة عنها طيلة العقود الماضية من جهة، وبين المطلب الحالي الموجّه للسلطة الفلسطينية للاعتراف بها كدولة يهودية من جهة أخرى، نعود إلى معنى هذا المطلب ومعنى تلبيته. 


 

[1] قمنا بتحليل مفهوم "دولة يهودية وديمقراطية" في دراسة في كتاب "من يهودية الدولة حتى شارون" الصادر عن دار الشروق في مصر ومؤسسة مواطن في فلسطين عام 2004، كما طوّرناه في دراسة أخرى نشرت على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

[2] حول هذا الموضوع أنظر كتاب المؤلف عزمي بشارة، العرب في إسرائيل رؤية من الداخل، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010). طبعة ثالثة منقّحة ومزيدة، صدرت الطبعة الاولى تحت عنوان الخطاب السياسي المبتور في رام الله عام 1997 وكذلك في بيروت في نفس العام تحت عنوان العرب في إسرائيل رؤية من الداخل.