العنوان هنا
تقييم حالة 27 مايو ، 2018

الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران: الخلفيات، والذرائع، والتداعيات

أسامة أبو ارشيد

يعمل أسامة أبو ارشيد باحثًا غير مقيم مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسيّة والفلسفة من جامعة لفبرة / بريطانيا، ويقيم حاليا في واشنطن في الولايات المتحدة. نشر العشرات من المقالات والدارسات باللغتين العربية والإنكليزية، كما شارك في تأليف كتابين باللغة العربية عن حركة حماس والمعاهدة الأردنية الإسرائيلية. شارك في العديد من المؤتمرات الأكاديمية، وله كتاب باللغة الإنجليزية في مرحلة الإعداد للطباعة عنوانه: "جدلية الديني والسياسي في فكر وممارسة حركة حماس" وسيصدر عن Cambridge Scholars Publishing.

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 8 أيار/ مايو 2018، انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي مع إيران، المبرم عام 2015، وإعادة فرض عقوبات عليها؛ بذريعة أن "الاتفاق معيب في جوهره" وأنه لا يمكن منع تصنيع قنبلة نووية إيرانية بموجب الاتفاق الحالي[1]. وأعرب ترامب عن استعداده لإعادة التفاوض على اتفاق نووي جديد، وهو ما رفضته طهران. كما أنه هدد طهران بـ "عواقب وخيمة"، إذا ما استأنفت برنامجها النووي، ونصحها بالتفاوض من جديد، متوقعًا أن تقبل ذلك في النهاية[2]. وقد أثار قرار ترامب استياء حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين في مفاوضات الاتفاق النووي، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، الذين أعلنوا تمسكهم بالاتفاق ما دامت إيران تلتزمه. كما أثار القرار غضب روسيا والصين اللتين شاركتا كذلك في المفاوضات النووية مع إيران، في حين أيدته إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والبحرين. وقد أعرب الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عن خيبة أمله في قرار ترامب واعتبره "خطأً جسيمًا". وقال أوباما إن انسحاب ترامب من الاتفاق سيجعل العالم أقل أمانًا وسيضع الجميع أمام "خيار خاسر، إمّا إيران مسلحة نوويًا، وإمّا حرب أخرى في الشرق الأوسط"[3]. ويعدّ أوباما الاتفاق النووي مع إيران أهم إنجازاته في السياسة الخارجية.

خلفيات القرار

لم يخفِ ترامب، منذ أن كان مرشحًا، معارضته الاتفاق النووي مع إيران، كما أنه لم يخف امتعاضه في كل مرة أجبر فيها على تأجيل انسحاب الولايات المتحدة منه وإعادة فرض العقوبات النووية على طهران. وكان ترامب قد أجّل الانسحاب من الاتفاق النووي المرة الثالثة في كانون الثاني/ يناير 2018، ولكنه أكد أن ذلك سيكون آخر تأجيل يقوم به، ووضع، حينها، الكونغرس الأميركي، وحلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين أمام "فرصة أخيرة" لـ "إصلاح" ما وصفه بـ "عيوب مروعة" في الاتفاق النووي، أو أنه سينسحب منه[4]. وقد حدد البيت الأبيض، حينئذ، جملة من الشروط التي يجب أن يتضمنها أي مشروع قانون يعمل عليه الكونغرس لتجاوز "العيوب" التي احتواها الاتفاق النووي لعام 2015. كما أنه طالب الحلفاء الأوروبيين بقبول "اتفاق تكميلي" منفصل مع إيران، يعالج مسائل لم يعالجها الاتفاق النووي، كبرنامج إيران للصواريخ الباليستية، ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، واضعًا إياهم أمام خيارين: الوقوف مع الولايات المتحدة، أو مع النظام الإيراني[5].

وفي المرات الثلاث الماضية التي اضطر فيها ترامب إلى عدم الانسحاب من القرار، رفض في المقابل التصديق على التزام إيران الاتفاق النووي. وينص "قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني" الذي أصدره الكونغرس في شهر أيار/ مايو 2015، أي قبل شهرين من توقيع الاتفاق النهائي بين مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، إضافة إلى ألمانيا)، على أن الرئيس الأميركي ملزم بالتصديق على التزام إيران بنود الاتفاق أمام الكونغرس كل 90 يومًا[6]. كما أن الرئيس ملزم بأن يقرر كل 120 يومًا ما إذا كان سيمدد تعليق العقوبات على إيران أو سيعيد فرضها. وبما أن الكونغرس والحلفاء الأوروبيين لم يتمكنوا من تنفيذ مطالب ترامب، فإنه مضى هذه المرة فعليًا في تنفيذ وعيده، وأعلن الانسحاب رسميًا من الاتفاق، ولم يعد الحديث الآن عن "اتفاق تكميلي"، وإنما عن إعادة التفاوض على اتفاق جديد. ولعل ما سهل على ترامب اتخاذ القرار هو خروج اثنين من أعمدة الداعين للحفاظ على الاتفاق، مع تعديله وتقويته، من إدارته، هما وزير الخارجية المقال، ريكس تيلرسون، ومستشار الأمن القومي السابق، إتش آر ماكماستر، وحل مكانهما مايك بومبيو وجون بولتون، وكلاهما معارض الاتفاق ومؤيد الانسحاب منه. وبقراره الانسحاب من الاتفاق النووي، فإن ترامب يثبت مرة أخرى وفاءه لمبدئه القائل "أميركا أولًا" في السياسة الخارجية، الذي على أساسه انسحب من اتفاق باريس للمناخ، ومن الاتفاق التجاري مع آسيا والمحيط الهادئ، فضلًا عن إشعاله حروبًا تجارية مع الصين وأوروبا والمكسيك، وغيرها من الدول.

ذرائع الانسحاب

حدد ترامب أسباب انسحابه من الاتفاق النووي في ثماني نقاط[7]:

  • بدلًا من أن يجهض الاتفاق طموحات إيران إلى امتلاك سلاح نووي، فإنه سمح لها بمواصلة تخصيب اليورانيوم، ومع مرور الوقت وصلت إلى "حافة اختراق نووي"؛ بمعنى الاقتراب من القدرة على إنتاج قنبلة نووية.
  • العقوبات الاقتصادية الشالّة التي رفعت عن إيران نتيجة لهذه الاتفاقية مقابل قيود ضعيفة على نشاطها النووي لم تضع قيودًا على "سلوكها الخبيث الآخر"، بما في ذلك نشاطاتها "الشريرة" في سورية واليمن وأماكن أخرى في جميع أنحاء العالم. وقد أدى ذلك إلى فقدان الولايات المتحدة ورقة ضغط كبرى على إيران، بل حصل نظام طهران "الإرهابي" على مليارات الدولارات عزز بها سياساته "الشريرة".
  • قام الاتفاق على "وهم كبير" بأن "نظامًا قاتلًا" لا يرغب إلا في برنامج سلمي للطاقة النووية، "واليوم لدينا دليل قاطع على أن هذا الزعم الإيراني كان كذبة. في الأسبوع الماضي، نشرت إسرائيل وثائق استخبارية - طالما أخفتها إيران - تظهر بصفة قطعية تاريخ النظام الإيراني في السعي للحصول على أسلحة نووية".
  • منذ أن تم توقيع الاتفاق، تضاعفت الميزانية العسكرية الإيرانية بنسبة 40 في المئة تقريبًا، في حين ما زالت إيران تعيش وضعًا اقتصاديًا سيئًا. وبعد رفع العقوبات، استخدم النظام "الدكتاتوري" الأموال الجديدة لبناء صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، كما استخدم الأموال لدعم الإرهاب، وإحداث الفوضى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وأبعد من ذلك.
  • الاتفاقية متواضعة للغاية، إلى درجة أنه حتى لو امتثلت إيران امتثالًا كاملًا لبنودها، فإنه سيبقى في إمكان النظام أن يكون على حافة اختراق نووي في فترة قصيرة من الزمن. ولهذا فإن بنود "الغروب في الصفقة"، أو المدد الزمنية المحددة في الاتفاق على تخصيب اليورانيوم غير مقبولة أبدًا.
  • بقاء الصفقة على صيغتها الحالية يعني أن الشرق الأوسط سيعرف قريبًا سباق تسلح نووي، إذا امتلكت إيران هذا السلاح.
  • يفتقر الاتفاق إلى آليات تفتيش صارمة لمنع إيران وكشفها ومعاقبتها على أي محاولة خداع. كما أن المفتشين لا يملكون حق التفتيش غير المشروط لعديد من المواقع المهمة، بما في ذلك المرافق العسكرية. كما أن الاتفاق أخفق في معالجة تطوير إيران الصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس حربية نووية.
  • لا يملك الاتفاق القدرة على تقييد نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك دعمها للإرهاب.

تضليل متعمد

يرى أكثر الخبراء، فضلًا عن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، أن ترامب تعمّد التضليل في اتهاماته لإيران والمبالغة في سرد عيوب الاتفاق. بل إن الوكالات الأميركية المختصة نفسها لا توافقه في اتهاماته للاتفاق النووي[8]؛ فمثلًا، كان وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، أخبر لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، في 26 نيسان/ أبريل 2018، أن نظام "التحقق (من التزام إيران تعهداتها بموجب الاتفاق) قوي إلى حد بعيد لضمان امتثال إيران". وتقول التقارير إن إيران ملتزمة تعهداتها على الرغم من أنها تنطلق من "افترض أن إيران تحاول الغش"[9]. وكان ماتيس عبّر مرارًا، أن من مصلحة الولايات المتحدة البقاء في الاتفاق النووي، وكذلك فعل وزير الخارجية السابق، تيلرسون، ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال جوزيف دانفورد، الذين أكدوا مرارًا التزام إيران بنود الاتفاق[10]. والأمر ذاته أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي قالت إن إيران لم تنتهك التزاماتها بحسب الاتفاق[11].

من الذرائع المضللة الأخرى التي قدمها ترامب زعمه أن إيران ما زالت تواصل عمليات تخصيب اليورانيوم؛ بما يسمح لها في المستقبل ببناء قنبلة نووية. ولكن، بموجب الاتفاق النووي عام 2015، فإنه يمكن إيران تخصيب كميات محدودة من اليورانيوم تصل إلى 3.67 في المئة، وهي أقل بكثير من نسبة 90 في المئة من اليورانيوم المخصب اللازم لصنع قنبلة[12]. كما أن اعتماده على مزاعم الاستخبارات الإسرائيلية، التي قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نهاية نيسان/ أبريل 2018، فيه مخالفة لتقدير الاستخبارات الأميركية نفسها. وإذا كان نتنياهو تحدث بصيغة الفعل الماضي عن برنامج إيران النووي المزعوم لصناعة قنبلة، الذي تقول إسرائيل إن استخباراتها وضعت يدها عليه في إيران وهربته[13]، فإن ترامب تحدث في خطابه الذي أعلن فيه الانسحاب من الاتفاق بصيغة الفعل المضارع عن سعي إيران المستمر لبناء قنبلة نووية.

وتشير مصادر كثيرة إلى أن العرض الذي قدمه نتنياهو عن مزاعم برنامج إيران النووي، قبل المفاوضات على اتفاق 2015 وخلالها، قد تمَّ بالتنسيق مع البيت الأبيض. وبحسب تصريحات مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، حينئذ، فإن نتنياهو أبلغ ترامب في 5 آذار/ مارس 2018 بالأدلة المزعومة[14]. وفي اليوم نفسه، أعلن ترامب أن عرض نتنياهو أثبت أن موقفه من الاتفاق الإيراني "صحيح 100 في المئة"[15]. كما أصدر البيت الأبيض بيانًا حينها جاء فيه أن المعلومات التي أعلنتها إسرائيل بشأن البرنامج النووي الإيراني توفر "تفاصيل جديدة ومقنعة" بشأن جهود إيران لصنع "أسلحة نووية يمكن إطلاقها عن طريق صواريخ"[16]. وما يؤكد الخلافات في الولايات المتحدة بشأن مزاعم خداع إيران النووية أن البيت الأبيض اضطر إلى تصحيح بيانٍ أصدره بعد ساعات من خطاب نتنياهو، تراجع فيه عن الادعاء أن إيران "تملك" برنامج أسلحة نووية، واستخدم بدلًا من ذلك فعلًا ماضيًا مفاده أن إيران "امتلكت" برنامج أسلحة نووية قويًا وسريًا[17]. غير أن ترامب عاد في خطابه الأخير الذي أعلن فيه انسحابه من الاتفاق النووي إلى استخدام الفعل المضارع مجددًا حول استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم واقترابها بذلك من إنتاج قنبلة نووية.

محاذير وتداعيات قد تترتب على القرار

بعد أن أصدر ترامب قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي، لخص وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، الذي قاد مفاوضات الاتفاق النووي تداعياته المحتملة بقوله: "هذا القرار يضعف أمننا، ولا يبقي صدقية لكلمة أميركا، ويعزلنا عن حلفائنا الأوروبيين، ويعرض إسرائيل لخطر أكبر، ويقوي المتشددين في إيران، ويقلص نفوذنا العالمي للتصدي لممارسات إيران السيئة، في الوقت ذاته الذي يلحق فيه الضرر بقدرة الإدارات (الأميركية) المستقبلية على إبرام اتفاقات دولية"[18].

ويمكن إجمال التداعيات والمحاذير التي يطرحها ناقدو قرار ترامب فيما يلي:

  • انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي يمكن أن يعزلها في مساعيها ضد إيران، وقد يصعب الأمور عليها في حشد حلفائها الأوروبيين وغيرهم في أي تحرك مستقبلي ضد طهران. ليس فيما يتعلق بملفها النووي فحسب، بل حتى في القضايا الأخرى التي تثير هواجس واشنطن، مثل البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية، ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار عبر وكلائها في الإقليم، كما في سورية واليمن، بل حتى في العراق. وقد حذر الرئيس الأسبق لهيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي، من ذلك قائلًا: "نحن الآن وحدنا على طريق أخطر ومع خيارات أقل"[19].
  • قد يكون قرار ترامب تسبب في تبديد الثقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في أوروبا، وتحديدًا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، الذين توسلوا ترامب عدم الانسحاب من الاتفاق والحفاظ عليه، مع عرض الضغط على إيران للتفاوض على اتفاق تكميلي لمعالجة العيوب التي يراها ترامب فيه. وقد رفض الاتحاد الأوروبي، والدول الأوروبية الثلاث التي شاركت في مفاوضات النووي، الانسحاب من الاتفاقية أو اعتبارها لاغية. وكان لافتًا بروز نبرة جديدة في أوروبا تشدد على أنه لا يمكن الوثوق بالحليف الأميركي، وضرورة أن تعتمد أوروبا على نفسها لحماية أمنها ومصالحها؛ فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، مثلًا، قالت إن أوروبا لم يعد في إمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة "لحمايتها" في أي ظرف، وإن عليها من ثمّ "تولي زمام أمورها بنفسها"؛ مع تأكيدها أن مصلحة دول الاتحاد الأوروبي في أن يكون لديها علاقات قوية بأميركا. أما الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فقال "لم يعد في إمكاننا القبول بأن يقرر آخرون عنا"، في إشارة إلى الأميركيين. وذهب وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لو مير، في الاتجاه نفسه، بقوله: "إن على أوروبا أن تمارس سيادتها الاقتصادية لا أن تظل تابعة للولايات المتحدة". أما رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، فقال: إن "واشنطن لم تعد تريد التعاون مع بقية العالم، ووصلنا إلى مرحلة باتت تفرض علينا البحث عن بديل للولايات المتحدة"[20].
  • قد يدفع هذا القرار إيران إلى تسريع مساعيها لإعادة إطلاق برنامجها النووي العسكري، وتعزيز موقف المتشددين في طهران الذين كانوا متشككين في الاتفاق منذ البدء، على حساب الإصلاحيين.
  • ثمة من يحذر من أن قرار الانسحاب، بلا خطة بديلة (خطة ب)، قد يضع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو إحداهما، على طريق مواجهة عسكرية مع إيران. وقد كان أول النُّذُر هنا القصف الإسرائيلي لأحد المواقع العسكرية قرب دمشق[21]، بعد ساعة من قرار ترامب. وتحدثت وسائل إعلام سورية رسمية عن خمسة عشر قتيلًا بينهم ثمانية إيرانيين، وهو ما ردت عليه القوات الإيرانية في سورية بقصف الجولان السوري المحتل.
  • ثمة من ينبه إلى أن عدم التزام إدارة ترامب الاتفاق النووي مع إيران يمكن أن يعقّد جهودها للتوصل إلى اتفاق نووي مع كوريا الشمالية التي قد لا تثق بأي التزام أميركي يقطع لها[22].

آلية تطبيق العقوبات وتداعياتها

في اليوم ذاته الذي أصدر فيه ترامب قرار الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية بيانًا حددت فيه الآلية التي ستتبعها الولايات المتحدة في إعادة فرض العقوبات على طهران ومن يتعامل معها، والتي ستطبق على مرحلتين. ستصبح الأولى سارية المفعول بعد فترة تسعين يومًا، وتنتهي في 6 آب/ أغسطس 2018، والهدف منها إعطاء الشركات فرصةً لتصفية معاملاتها في إيران. وتقول وزارة الخزانة إن العقوبات المتعلقة بقطاعات الطاقة والسيارات والمالية الإيرانية سيعاد فرضها في غضون فترة تراوح بين ثلاثة أشهر وستة أشهر. أما المرحلة الثانية، فتخص قطاع النفط، وستدخل حيز التنفيذ بعد فترة مئة وثمانين يومًا، وتنتهي في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018[23].

وتتضمن المرحلة الأولى، بعد تسعين يومًا، فرض عقوبات على شراء الحكومة الإيرانية دولارات أميركية أو امتلاكها، وكذلك "على التجارة الإيرانية في الذهب والمعادن النفيسة والبيع المباشر وغير المباشر وتوريد ونقل الجرافيت إلى إيران أو منها والمعادن الخام أو شبه المصنعة والفحم وبرامج الكمبيوتر المرتبطة بالصناعات". كما "سيعاد تطبيق العقوبات أيضًا على واردات السجاد والمواد الغذائية المصنعة في إيران للولايات المتحدة وعلى بعض المعاملات المالية المرتبطة بذلك"[24]. وفي المرحلة الثانية التي تنتهي في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، "سيعاد فرض العقوبات على قطاع الطاقة الإيراني وخدمات التأمين. وسيعاد فرض العقوبات أيضًا على المعاملات المرتبطة بالنفط، بما في ذلك شراء النفط الإيراني أو مشتقات البترول أو المنتجات البتروكيماوية من شركة النفط الوطنية الإيرانية وشركات أخرى، وعلى قطاعات الشحن وبناء السفن الإيرانية. وستواجه المؤسسات المالية الأجنبية عقوبات على أي معاملات لها مع البنك المركزي الإيراني أو مؤسسات مالية إيرانية أخرى نص عليها تشريع أقره الكونغرس عام 2012"[25].

سيخلق قرار إعادة فرض العقوبات الأميركية على طهران مشكلة أخرى موازية للشركات الأوروبية، وبعض الشركات الأميركية، على الرغم من أنه سيصعب عليها بيع نفطها في الخارج أو استخدام النظام المصرفي العالمي. وكان السفير الأميركي في ألمانيا، ريتشارد جرينيل، قال إن "على الشركات الألمانية التي تقوم بأعمال في إيران أن توقف عملياتها على الفور"[26]. وقد أثار هذا التصريح امتعاض الأوروبيين ومخاوفهم؛ ما دفع وزير الاقتصاد الفرنسي، لو مير، إلى دعوة الولايات المتحدة إلى عدم تنصيب نفسها "شرطيًا اقتصاديًا للعالم"[27]. وتعمل نحو 120 شركة ألمانية في إيران، ولها موظفون هناك. كما أن 10 آلاف شركة ألمانية تتعامل مع إيران. أضف إلى ذلك أن فرنسا تجد نفسها في وضع حرج كذلك؛ إذ فازت مجموعة إيرباص التابعة لها، بعقد لتزويد شركة الطيران الوطنية الإيرانية بمئة طائرة، بنحو 19 مليار دولار. وتخضع إيرباص لرخصة الولايات المتحدة لأنها تستخدم قطعًا أميركية الصنع في طائراتها. في حين ترتبط شركة النفط الفرنسية "توتال" بصفقة بقيمة ملياري دولار لتطوير "حقل جنوب فارس" النفطي الواقع بين إيران وقطر. وينطبق الأمر ذاته على شركات أوروبية كثيرة، وكذلك شركة بوينغ الأميركية لصناعة الطائرات التي وقّعت هي الأخرى عقدًا بمليارات الدولارات مع إيران. فهامش المناورة أمام الشركات الأوروبية يبدو محدودًا، على الرغم من تشديد الاتحاد الأوروبي على أنه سيحمي مصالحه التجارية؛ ذلك أن حجم استثمارات الشركات الأوروبية وتعاملاتها كبير جدًا في الولايات المتحدة؛ نظرًا إلى حجم السوق فيها، وقوة البنوك الأميركية[28]. ويرى مستشار الأمن القومي الأميركي، بولتون، أن الشركات الأوروبية التي تقوم بأعمال في إيران يتعين عليها أن تتوقف عن القيام بذلك، في غضون ستة أشهر، وإلا ستواجه عقوبات أميركية[29].

غير أن التحديات التي يثيرها القرار الأميركي، بإعادة فرض العقوبات على إيران، لا تقتصر على الشركات الأميركية والأوروبية فحسب، بل تشمل دولًا مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تشتري أغلب النفط الخام الإيراني البالغ 3.8 ملايين برميل يوميًا.

خلاصة

يمثل قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران قفزة في المجهول، خصوصًا أن إدارته لا تملك تصورًا لما بعد الخروج منه. إن ما طرحه ترامب هو حديث متفائل، بلا أسس واضحة، عن اقتناعه أن إيران ستقبل، في المحصلة، التفاوض مجددًا وأنه قادر على تأمين اتفاق أفضل من اتفاق 2015، في حين تصر طهران على أنها لن تفاوض على اتفاق جديد، ويؤيدها في ذلك حلفاء الولايات المتحدة من الأوروبيين، فضلًا عن روسيا والصين. ويشكك عديد من الخبراء في قدرة ترامب فعليًا على حمل إيران على إعادة التفاوض على برنامجها النووي؛ ذلك أن الولايات المتحدة خسرت دعم حلفائها على الضفة الأخرى من الأطلسي وثقتهم[30]. وأمام هذا الواقع الجديد، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب تصعيد جديد وأشدّ عنفًا، سواء عبر حروب بالوكالة، أم عبر مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران، يكون طرفها الآخر الولايات المتحدة وإسرائيل أو إحداهما. ولكن المواجهة العسكرية المباشرة ليست بالضرورة هي الخيار الأرجح، من غير أن يعني انتفاءها، فإيران ستفكر مليًّا قبل فتح جبهة عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو كلتيهما؛ ما قد يعني تصعيدًا في حروب الوكالة في الساحات السورية واليمنية والعراقية، بل حتى في أفغانستان. وربما تتريث إيران أيضًا في استئناف برنامجها النووي، خاصة إذا ما التزمت أوروبا اتفاق عام 2015، فضلًا عن أن ذلك قد يستدعي ردًا أميركيًا عنيفًا، كما هدد ترامب، وهو الذي يصعب التنبؤ بتحركاته وردود أفعاله. تبقى مسألة أخيرة، وهي أن إدارة ترامب، على عكس ناقديها، ترى في انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران رافعة لمفاوضاتها مع كوريا الشمالية حول برنامجها النووي؛ فبولتون يرى أن الرسالة التي يريد الرئيس الأميركي إيصالها إلى بيونغ يانغ هي أنه "يريد صفقة حقيقية"[31].



[1] “Remarks by President Trump on the Joint Comprehensive Plan of Action,” The White House, May 8, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/u38QcY

[2] Cristiano Lima, “Trump warns of ‘very severe consequence’ if Iran restarts nuclear program,” Politico, May 9,2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/ghzhbL 

[3] Jen Kirby, “Obama slams Trump’s ‘misguided’ decision to withdraw from the Iran nuclear deal,” VOX, May 8, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/XPZVa2

[4] “Statement by the President on the Iran Nuclear Deal,” The White House, January 12, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/nGQhWf

[5] Ibid.

[6] “H.R. 1191 - Iran Nuclear Agreement Review Act of 20151,” Congress.Gov, May 22, 2015, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/pk6nuL

[7] “Remarks by President Trump on the Joint Comprehensive Plan of Action.”

[8] Stephen Collinson, “Everything that scrapping the Iran deal says about Donald Trump,” CNN, May 9, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/mgGFcF

[9] Krishnadev Calamur, “Trump Rips Up a ‘Decaying and Rotten Deal’ With Iran,” The Atlantic, May 8, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/6URRkQ

[10]Paul McLeary, “Trump's Top General Says Iran Honoring Nuke Deal,” Foreign Policy, September 26, 2017, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/z8wdBL

[11]James McAuley & Karen Deyoung, “Europeans scramble to save Iran nuclear deal but face new concerns over U.S. sanctions,” The Washington Post, May 9, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/NdGhBj

[12] Collinson.

[13] David M. Halbfinger, David E. Sanger & Ronen Bergman, “Israel Says Secret Files Detail Iran’s Nuclear Subterfuge,” The New York Times, April 30, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/cpHacA

[14] Brian Bennett, “White House Has Known for Weeks About Israel's Stolen Iran Documents,” The Time, May 2, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/4PpGCL

[15] Tracy Wilkinson & Noga Tarnopolsky, “Israel's Netanyahu makes big pitch to claim Iran is cheating on nuclear deal; Trump likes what he hears,” Los Angeles Times, April 30, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/pgn6W6

[16] Bennett.

[17] Ibid.

[18] Calamur.

[19] Phil Stewart, “America's anti-Iran push may get harder with nuclear deal pullout,” Reuters, May 9, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/u66Auk

[20] ليلى لعلالي، "النووي الإيراني.. هل تقاوم أوروبا ضغوط ترامب؟"، الجزيرة نت، 2018/5/12، شوهد في 2018/5/21، في: https://goo.gl/D1fSeS

[21] Derek Stoffel, “Trump's Iran decision is victory for Netanyahu — but now come the risks,” CBC News, May 09, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/RmRWDu

[22] David Usborne, “Trump promised and delivered on Iran. Never mind that he fabricated and misled all along the way,” The Independent, May 8, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/7WPYzy

[23] "كيف سيعيد ترامب فرض العقوبات على إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي"، رويترز، 2018/5/9، شوهد في 2018/5/21، في:

https://goo.gl/Nxr63Y

[24] المرجع نفسه.

[25] المرجع نفسه.

[26] McAuley.

[27] Ibid.

[28] Ibid.

[29] “Iran nuclear deal not dead despite Trump move, France says,” BBC NEWS, May 9, 2018, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/7NydpP

[30] Ishaan Tharoor, “Trump axes the Iran deal and creates a new crisis,” The Washington Post, May 9, 2018, at: https://goo.gl/jLc9b9

[31] Mark Landler, “Trump Abandons Iran Nuclear Deal He Long Scorned,” The New York Times, May 8, 2018, at: https://goo.gl/NQvjcn