العنوان هنا
دراسات 06 أكتوبر ، 2019

أحداث الطبيعة وأفعال الإنسان: كيف ندرك العلاقة بين الطبيعي والاجتماعي؟

​رجا بهلول

 أستاذ في معهد الدوحة للدراسات العليا حاليًا، وفي جامعة اليرموك الأردنية وجامعة بيرزيت الفلسطينية وجامعة قطر سابقًا. تركّزت أبحاثه في مفهوم الهوية والتماثل وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية والفكر العربي والإسلامي المعاصر، مع اهتمام خاص بأثر الحداثة الغربية في السياسة والاجتماع، وبقضايا المرآة والديمقراطية وحقوق الإنسان. له بحوثٌ في مجلات محكّمة، وكتبٌ منها حكم الله حكم الشعب، والمرأة وأسس الديمقراطية في الفكر النسوي الليبرالي، ومبادئ أساسية في صياغة الدساتير والحكم الدستوري، و"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينهم: الإسلاميون والديمقراطية، ودولة الدين، دولة الدنيا: حول العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية.

ملخص

يمثّل هذا البحث محاولة لدراسة مفهوم الفعل. وهو أيضًا محاولة لإدراك العلاقة بين ما هو طبيعي (مادي، محسوس) في الفعل الإنساني الاجتماعي، وما هو معنوي (فكري، رمزي، تذهني) في الفعل نفسه. بعبارة أخرى، يهدف البحث المقترح إلى تدارس العلاقة بين ما هو "جواني" وما هو "براني" في الفعل نفسه. وتتمثل القيمة الفلسفية لهذا البحث في التجسير ما بين الطبيعة والمجتمع، كما في تفسير الافتراق الحاصل بين مناهج مختلفة في دراسة الظواهر الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص التأويلية منها والتجريبية - السلوكية.

مقدمة

يشكل مفهوم الفعل Action حجر زاوية في الدراسات التي نطلق عليها تسمية "العلوم الاجتماعية والإنسانية". فمع أن الإنسان الفرد لا يوجد إنسانًا إلا في المجتمع، فإن المجتمع بدوره ليس شيئًا مستقلًا عن الأفراد الذين يتكون منهم، والذين يصنعون من خلال أفعالهم في سياقات الحياة الفردية والاجتماعية مادة الظواهر والسيرورات والتغيرات التي تعكف العلوم الاجتماعية والإنسانية على دراستها.

قديمًا طرح الفلاسفة تعريفًا للإنسان من خلال القول إن الإنسان حيوان عاقل. وفي هذا التعريف شديد الاختصار إشارة معبرة إلى حقيقتين عظيمتين: الأولى أن الإنسان جزء من الطبيعة، فهو كائن حي (عضو في المملكة الحيوانية) مثله مثل كائنات حية أخرى قابلة للدراسة العلمية من قبل ما يسمى بعلوم الطبيعة (الفيزياء، والكيمياء، وعلم الأحياء، وغيرها). ولكن الإنسان ليس مجرد جسم حي بتركيبة جينية محددة (أو كما قال بعض الأقدمين، ربما بشيء من السخرية، "حيوان يمشي على قدمين ولا يكسوه ريش")، بل إن له نفسًا وعقلًا وفكرًا وحياة أخلاقية واجتماعية تميزه من غيره من الكائنات. وهذا بالتحديد ما يجعل الإنسان موضوعًا قابلًا للدرس من قبل علوم تختص به تحديدًا؛ تلك هي العلوم الاجتماعية والإنسانية.

ولكن السؤال المحير الذي أقضَّ مضاجع الفلاسفة والحكماء وعلماء النفس والاجتماع ولا يزال، هو العلاقة بين هذين الصعيدين: الصعيد الطبيعي المادي المحسوس الملموس، والصعيد النفسي العقلي، أي صعيد الأفكار والمشاعر والمفاهيم والمعاني والقيم. اختلف الفلاسفة وانقسم صفهم بين ماديين لا يرون في الإنسان ما يتجاوز المجريات الفيزيائية – الكيميائية - البيولوجية البحتة، وفلاسفة مثاليين يرون أن في الإنسان جانبًا روحيًا لا يمكن اختزاله للمادة بأي صورة من الصور. ولم يبق هذا الانقسام حكرًا على الفلاسفة، بل تم التعبير عنه من خلال مسميات ونظريات وتوجهات في مناهج البحث المتبعة في دراسة الإنسان. فهناك من يميلون إلى الاهتمام بما هو محسوس وملموس وقابل للقياس والملاحظة، وربما التجربة Experiment أيضًا، في حياة الإنسان النفسية والاجتماعية، ومن هؤلاء السلوكيون والتجريبيون وأنصار الوضعية المنطقية عمومًا. وهناك من يميلون إلى النظر إلى الإنسان، بصفته كائنًا يُخلق ويعيش في عالم من المعاني والأهداف والمشاعر والرموز التي تقبع خلف السلوكيات والإنتاجات المادية القابلة للملاحظة، ومن هؤلاء أنصار المدرسة الـتأويلية Hermeneutics، وكثير من علماء الاجتماع والتاريخ والأنثروبولوجيا.

ليس هناك ما هو أفضل (وأكثر سهولة في التناول) من مفهوم الفعل إذا ما رغبنا في الوقوف على حقيقة السؤال المحير حول العلاقة بين الطبيعي (المادي، المحسوس، الملموس) والنفسي – الاجتماعي - المعنوي في حياة الإنسان. فكما قالت الفيلسوفة البريطانية إليزابيث آنسكوم Gertrude Elizabeth Margaret Anscombe (1919-2001) في مقالتها الشهيرة حول مفهوم السببية والحتمية، تتكون معظم أفعال البشر من (أو تشتمل على) حركات جسمانية، كما هو بين، بالإشارة إلى أفعال مثل: نهض، انتخب، تحدث، كتب، غنى، رسم، انتقم، أكل، تظاهر، تزوج، ربى، عمل، دافع، انتقل، وكثير غيرها. يتبع من ذلك (ما هو غني عن البرهان على أي حال) أن أفعال الإنسان هي، بمعنى من المعاني، أحداث طبيعية مادية قابلة للملاحظة، كما هي قابلة للدراسة من خلال العلوم بمناهجها "العلمية". ولكن، من الناحية الأخرى، لا يمكن القول إن أفعال الإنسان مجرد حركات جسمانية. فالحركات الجسمانية بمعزل عن النيات والمقاصد والأفكار والمشاعر والمفاهيم لا معنى لها، وفي وسع الروبوت المبرمج أن يقوم بمثلها من دون أن يراودنا شك بخصوص قيام الروبوت بفعل ما.

إن لهذا التفريق بين هذين الجانبين (الجسماني - الطبيعي من جهة، والمعنوي - الاجتماعي من جهة أخرى) تاريخًا طويلًا. ولربما يعود شرف اكتشافه وصياغته بلغة فلسفية واضحة المعنى إلى سقراط في المحاورة الأفلاطونية المعروفة باسم فيدون Phedo.

في هذه المحاورة نجد سقراط جالسًا في غرفة سجنه محاطًا ببعض تلامذته ومريديه، يحاورهم في خلود الروح، ويقص عليهم شيئًا من مراحل تطوره الفكري، بالإشارة إلى مرحلة سابقة ظن فيها أنه وجد ضالته في فلسفة أناكساغورس. سياق المحاورة (بالطبع) سياق إنساني اجتماعي سياسي صرف؛ فقد حكمت عليه المدينة التي ينتمي إليها كمواطن بالإعدام بتهمة إفساد أخلاق الشباب الأثينيين، ومن ثم أودع السجن في انتظار تنفيذ الحكم. ومع أن بعض أصدقائه من ذوي النفوذ قد عرضوا عليه الهرب إلى مدينة أخرى يعيش فيها آمنًا، فإنه رفض هذا العرض، وها هو الآن جالس في السجن (بمحض إرادته) ينتظر ما يعرف أنه سوف يكون نهاية حياته. لا بد أن قراره البقاء في السجن أمر له معنى، وله ما يفسره من العلل والأسباب. ترى ما يمكن أن تكون هذه الأسباب؟ يقول سقراط إنه، وبحسب أفكار أناكساغورس، "قد يزعم أحدهم أن السبب الذي أنا من أجله الآن هنا جالس هو أن جسمي مركب من عظام ومن عضلات، وأن العظام صلبة وأن لها مفاصل تبعد بعضها عن بعض. أما العضلات التي يمكنها أن تتوتر وأن تسترخي فإنها تلتف حول العظام باللحم والجلد الذي يضمها جميعًا. وهكذا فإن العظام حينما تتحرك في ملتحماتها والعضلات في استرخائها وتوترها، يجعلني هذا، مثلًا، قادرًا على ثني أطرافي الآن، وهو السبب الذي يجعلني هنا في هذا الوضع المنثني".

هذا هو بالطبع التوصيف/ التفسير المادي الميكانيكي لجلوس سقراط على أرض غرفته في السجن. والجلوس كما أسلفنا، فعل من أفعال الإنسان، وهو في جانب من جوانبه أمر محسوس قابل للدراسة العلمية، كما يبدو من الكلام المستلهم من نظرية أناكساغورس. ولكن سقراط يتذمر بمرارة وسخرية من هذا التفسير الذي يغفل التطرق إلى الجوانب "الجوانية" في فعله، مثل الغايات والقرارات، والمسوغات والقيم والمعاني الاجتماعية والسياسية التي تفسر وضعيته في السجن. يقول سقراط إنه، وبموجب المقاربة المعنوية لتفسير جلوسه، يمكن القول إنه: "بعد أن رأى الأثينيون أنه من الأفضل أن أدان؛ رأيت أنا من جانبي لهذا السبب أنه من الأفضل كذلك أن أجلس هنا، وأنه من الأعدل أن أتحمل ببقائي هذا الحكم الذي أصدروه. فقد كان يمكن أن تكون هذه العضلات وهذه العظام منذ وقت طويل في ميجارا، مدفوعة بمفهوم الأفضل لو لم أكن قد اعتقدت أنه من الأعدل ومن الأمثل خُلقيًا أن أتحمل العقاب الذي وضعته المدينة، بدلًا من الهرب والإفلات خفية".

تلخص هاتان المقاربتان في وصف وضعية سقراط في السجن ما ننوي الخوض فيه في هذا البحث. من الناحية الأولى نقول: ليس جلوس سقراط في السجن حدثًا ماديًا بحتًا، مع أنه أمر قابل للقياس والملاحظة شأنه شأن أي حدث من أحداث الطبيعة. بل إنه أمر اجتماعي لا يمكن فهمه (كما يقول سقراط) من دون الإشارة إلى المعاني والقيم الاجتماعية والسياسية. فسقراط سجين بمقتضى قوانين الدولة (المجتمع، المدينة)، وهو على اقتناع بأن وجوده في السجن هو الأمر الأعدل والأمثل والأفضل، كونه مواطنًا يطيع القوانين. ولكننا، من ناحية أخرى، ندرك، في الوقت ذاته، أن امتثال سقراط للأمر القضائي (ومن ثم جلوسه في غرفة سجنه) ليس حدثًا معنويًا صرفًا يُدرَك بالإشارة إلى ما كان يعتمل في نفس سقراط أو ذهنه من معانٍ ومفاهيم وقناعات فكرية. فأنى لنا أصلًا أن ندرك مثل هذه الأمور "الجوانية" غير الخاضعة للملاحظة، كونها من الأمور النفسية التي لا يعرفها على وجه اليقين سوى صاحبها؟ لا بد لنا بصفتنا مراقبين خارجيين، علماء وغير علماء، من الاعتماد على ما نشاهده بأعيننا (وضع سقراط المنثني) وعلى ما نسمعه بآذاننا من أصوات/ كلمات تحمل معانيَ نظن أن سقراط ينقلها إلينا، وما نلاحظه من تعابير وجه أو حركات جسمانية أو سلوكيات مختلفة. وهذه كلها أمور قابلة للملاحظة والدرس العلمي.

يمثّل هذا التقابل بين جانبي الفعل، المادي والمعنوي، أو الجواني والبراني بعبارة أخرى، وجهًا آخر لمعضلات فلسفية قديمة حول العلاقة بين النفس والجسد، والمادة والروح، والطبيعة والمجتمع. لم تؤسس هذه الأزواج المتضادة من المفاهيم للانقسامات الفلسفية المشهورة بين المادية والمثالية، والعقلانية والتجريبية، وغيرها من المذاهب الفلسفية المتعارضة فحسب، بل إنها، وفي سياق العلوم الاجتماعية قد أسهمت في إحداث شروخ في مناهج البحث المتبعة في هذه العلوم. فالعلماء من ذوي الميول المادية والتجريبية لا يميلون إلى التركيز على الجانب المعنوي في دراستهم للمجتمع أو الفرد في المجتمع. وهم يرون أن الجوانب المعنوية مستعصية على الملاحظة والضبط والتجربة، فتراهم يؤثرون دراسة السلوك القابل للملاحظة والتجربة. وإن اضطروا إلى التعامل مع الأفكار والقيم والمعاني، فهم يحاولون اختزالها إلى السلوكيات القابلة للملاحظة، كما كان الحال عند السلوكييين الميتافيزيقيين مثل غلبرت رايل Gilbert Ryle (1900-1976)، ولودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (1889-1951) المتأخر بحسب بعض التفسيرات. أما العلماء ذوو النزعة المثالية و/ أو الإنسانوية، فيعتقدون أن المنهج السليم في دراسة ما يتعلق بالإنسان فردًا ومجتمعًا يقتضي التركيز على فهم الظاهرة الاجتماعية، "من الداخل" من خلال "التأويل" والبحث عن المعاني والرؤى والرموز والأفكار، كما هو الحال عند مفكرين مثل ماكس فيبرMax Weber (1864-1920)، وكليفورد غيرتس Clifford Geertz (1926-2006)، ور. ج. كولينغوود R.G. Collingwood (1889-1943)، وفيلهلم ديلتاي Wilhelm Dilthey (1833-1911).

في القسم الثاني من هذا البحث نتدارس التمييز بين الأحداث Events والأفعال Actions. المقصود بـ "الحدث" هنا كل ما يحدث في الطبيعة غير العاقلة، ونقصد بـ "الفعل" فعل الإنسان. نستعين هنا ببعض المفاهيم اللغوية مثل "فعل" و"فاعل" بالمعنى اللغوي الصرف من أجل صياغة تعريفات محددة قدر الإمكان لمفاهيم "حدث طبيعي" و"فعل إنسان". يعترضنا هنا بعض الصعوبات في التمييز بين هذه وتلك، وذلك لأسباب تتعلق بمفهوم الفعل نفسه، فهو ليس واضح المعالم كليًا. مع ذلك نُصر على القول إن التمييز بين الأحداث الطبيعية وأفعال الإنسان واضح تمامًا في الحالات النموذجية.

نقوم في القسم الثالث بمحاولة لتحليل الفعل إلى عناصره البسيطة. يتكون فعل الإنسان في الحالات النموذجية من عنصرين: هناك أولًا الحركات أو التغيرات الجسمانية القابلة للملاحظة، والتي تندرج غالبًا تحت مسمى "السلوك". وهناك ثانيًا ما يقترن بالفعل من مقاصد ونيات وأهداف ومعتقدات ومفاهيم ومعانٍ. تلك هي الأمور التي تميز أحداث الطبيعة من أفعال الإنسان. نعتبر أن الحركات والتغيرات الجسمانية تشكل الجانب "البراني" في الفعل، وهي أيضًا ما هو طبيعي في الفعل. هذا في حين أن المقاصد والنيات والأهداف ... إلخ تشكل الجانب "الجواني" في الفعل، وهي أيضًا ما سميناه بالجانب المعنوي.

في القسم الرابع نطرح تساؤلًا حول العلاقة بين الجانبين البراني والجواني في الفعل. ويفسح لنا هذا المجال لمناقشة الرأي القائل بوجود اختلاف كبير بين الطريق التي يسلكها العلم في تفسير الظواهر على مستوى الطبيعة غير العاقلة وتلك التي يسلكها العلم (أو ينبغي أن يسلكها) في تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية. يقال هنا إن العلوم الطبيعية تتعامل بمفهوم السببية أو العلّية Causality، في حين أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تتعامل بمفهوم التفسيرExplanation أو التأويل Interpretation. نقوم في هذا القسم بتوضيح الفرق بين هذين المنهجين في التفسير العلمي ثم نطرح سؤال المفاضلة وإمكانية التوفيق بينهما. لينتهي بنا النقاش إلى القول بأنه ليس هناك تنافس بين التأويل من جهة، والتفسير السببي من جهة أخرى؛ ذلك أن التفسير السببي لأفعال الإنسان يشتمل على المفاهيم المستخدمة في التأويل.

وفي القسم الخامس من البحث، نعرض لبعض الاستنتاجات التي توصلنا إليها، ونلمح إلى بعض الأمور التي لم يتسع المجال لمناقشتها.

* هذه الدراسة منشورة في العدد 30 من مجلة "تبيّن" (خريف 2019، الصفحات 31-54)، وهي مجلة فصلية محكّمة يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات وتُعنى بشؤون الفكر والفلسفة والنقد والدراسات الثقافية.

** تجدون في موقع دورية "تبيّن" دراسات ومراجعات مختارة متاحة للتنزيل من العدد الجديد (30) والعددين (29) و(28)، كما يمكنكم شراء باقي محتويات هذه الأعداد الثلاثة، فيما تتوافر محتويات الأعداد السابقة جميعها مفتوحة ومتاحة للتنزيل.