العنوان هنا
مراجعات 10 مارس ، 2019

دراسات الطائفية ما بعد كتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة": الآفاق الممكنة

حيدر سعيد

رئيس قسم الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيس تحرير دورية سياسات عربية. تتركز اهتماماته البحثية في العراق والمجتمعات المنقسمة والتحليل النقدي للخطاب السياسي. 

حاصل على شهادة الدكتوراه في اللسانيات، من الجامعة المستنصرية في بغداد عام 2001. صدر له عن المركز العربي كتاب الشيعة العرب: الهوية والمواطنة (تحرير/ 2019)، ومما صدر له سياسة الرمز: عن نهاية ثقافة الدولة الوطنية في العراق (2009)، والأدب وتمثيل العالم (2002). أسهم في كتابة ثلاثة فصول في الكتاب الذي أصدره المركز العربي تحت عنوان تنظيم الدولة المكنّى داعش (2018). أشرف مع فريق بحث على إنجاز دراسة عن وضع العلوم الاجتماعية في الجامعات العراقية، صدرت سنة 2008. وأدار فريقَ بحث تولى إنجاز دراسة عن "المجتمع المدني الإسلامي في العراق" سنة 2010. أسهم في تأليف التقرير الوطني لحال التنمية البشرية في العراق لسنتي 2009 و2014.

المؤلف: عزمي بشارة.

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مكان النشر: بيروت/ الدوحة.

سنة النشر: 2018.

عدد الصفحات: 927 صفحة.

قبل بضع سنوات، وفي أثناء بحث عن "الطائفية السياسية في العراق"، جردتُ وتابعت الكمَ غير القليل من الأدبيات الطائفية/ وعن الطائفية، التي ظهرت عن العراق عشية حرب عام 1991 وما بعدها، وما تلا ذلك من أحداث وانتفاضات، وهي أدبيات تصف العلاقات الطائفية وتاريخها، أكثر مما تفسّرها. ووصفُها ورؤيتها لتاريخ الطائفية مدفوع بالسياسات الطائفية التي خلّفها هذا الحدث المفصلي، بل إن بعضها (وربما قسم كبير منها) هو جزء من الصراع والسجال الطائفيين؛ بمعنى أنه يتبنى سردية أو رؤية لطرف ما في مواجهة الآخر، ويعيد كتابة التاريخ وفق هذه الرؤية. وهو أمر يرى فيه عزمي بشارة، في كتابه الصادر راهنًا الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، مصداقًا لفكرة أن الطائفة يعاد كتابة تاريخها، بل التاريخ كله، بأثر رجعي، على وفق رؤية ناشئة من الطائفية المعاصرة.

وإلى جانب هذا، هناك الأدب الهجائي للطائفية. ولا أسعى، هنا، لتصنيف الدراسات التي كُتبت عن الطائفية قبل هذا الكتاب، ولكن، ينبغي أن أشير إلى أن هناك، بين الدراسات التي حاولت أن تقدّم تاريخًا للعلاقات الطائفية، وجزء كبير منها يتبنى المنظورَ الطائفي، على نحو ما تقدّم، وبين الدراسات التي حاولت أن تقدم تفسيرًا أكاديميًا للطائفية يتضمن رغبة في مواجهتها، كما سأبسط لاحقًا. وبين هذين التيارين هناك تيار ثالث تمحض لنقد الطائفية، من دون كبير عناية بتفسيرها وفهمها. ويتمثل هذا التيار، على نحو أخص، بما قدّمه اليسارُ اللبناني، ولا سيما في النصف الثاني من السبعينيات وما تلاه، إثر اندلاع الحرب الأهلية، التي كانت بمنزلة فشل للنظام السياسي اللبناني القائم على أساس طائفي.

ومع ذلك، هناك جهود أخرى، بحثية وفكرية، حاولت أن تؤسس مقاربة أكاديمية لظاهرة الطائفية، وهي جهود قليلة ونادرة، وهي ليست تراكمًا أو تطويرًا للتاريخ السالف للطائفية، ولا لهجائها، مع أنها تحتفظ بموقف بيِّن منها. كانت هذه الجهود تسعى لتقديم "تفسير" للطائفية، يستند إلى أسس نظرية واضحة. والتفسيرُ والفهم، في السياق الذي ظهرت فيه هذه الجهود، هو العمل الأكثر إلحاحًا لمواجهة الطائفية بوصفها جرحًا نرجسيًا، لمجتمعات انبنى مخيالُها عن نفسها بوصفها تشرّبت الروابطَ الحديثة. ولذلك، تجرح الطائفيةُ كبرياءَها وصفاءَ صورتها عن نفسها.

ومع أن التفسير هو الهدف الأساسي للعلم وللممارسة العلمية، كان تفسيرُ الطائفية هنا حاجةً أبعد من العلم؛ حاجة إلى النخب المثقفة والسياسية، وحتى إلى الجمهور العام، الذي يريد أن يفهم كيف تحوّل التعايشُ بين أتباع ومعتنقي ديانات وطوائف مختلفة في المشرق العربي إلى صراع دامٍ، ووحشي، وإلى كراهية عنيفة للآخر؟ أو لِمَ لمْ تستطع مجتمعات المشرق بناءَ هذا التعايش أصلًا؟ ولِمَ اختار بعضُها نظامًا سياسيًا يقوم على أساس التمثيل الطائفي، لا المواطنة الكاملة؟

ولذلك، كان النتاج الفكري عن الطائفية يزداد بعد لحظات الانفجار: في النصف الثاني من السبعينيات إثر الحرب الأهلية في لبنان، وفي مطلع التسعينيات إثر غزو الكويت وما تلاه من تداعيات.

ودائمًا ما كان يختلط التناولُ العلمي للطائفية بالرغبة في مناهضتها. وسيطبع هذا الأمرُ بميسمه جلَّ التناول الأكاديمي والفكري للطائفية، فلم تعتنِ هذه الجهودُ بالحدود التي يبدأ معها تشكل المجال الطائفي، وهل كلُّ دينامية، سياسية أو اجتماعية، تستند إلى هوية دينية أو مذهبية هي فعل طائفي؟ أم هل أن الطائفية نظام متكامل؟ وهل يمكن وضع خطوط فاصلة بين حقل "سياسات الهُوية" على سبيل المثال، وحقل "الطائفية"، حتى إن كان أحدهما يمكن أن يفضي إلى الآخر؟ وما إلى ذلك من أسئلة.

وفي الحقيقة، لم تعتنِ الدراسات التي تناولت الطائفية بهذا التمييز بين "سياسات الهُوية" و"الطائفية"، إن كان هذا التمييز ممكنًا، فبالنسبة إلى هذه الدراسات، هذا التمييز أكاديمي نظري مجرد، وفي اللحظة التي نريد مناهضة الطائفية، من منطلق إرادوي حقوقي، لا يكون مهمًا هذا التمييز، فحتى سياسات الهُوية هي، بمعنى من المعاني، مظاهر طائفية.

ولعل أهم مظهر لهذا هو أن هذه الدراسات تستعمل تعبيرَ "الطائفية"، كما يُستعمَل في الخطاب العام والخطاب السياسي، أي من دون تحديد، وبمعانٍ ليست موحّدة أحيانًا، وأحيانًا بقدر من المجانية. وفي الحقيقة، إن عدم الاتفاق على معنى موحّد لـ "الطائفية" أمر ليس جديدًا، فهو يرافق بدايات ظهور هذا المصطلح في السجالات العربية، ففي الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، كانت الطائفيةُ تعني في الأدبيات اللبنانية النظامَ السياسي القائم على تقاسم المناصب. "الطائفية في لبنان [...] هي ضمان التمثيل السياسي والاجتماعي لأقليات طائفية متشاركة"، بتعبير ميشال شيحا. ولذلك، هي "طائفية بنّاءة"، على نحو ما يسمّي كمال يوسف الحاج كتابَه (1961)، في حين أن تعبير "الطائفية" كان يُستعمل، في بعض الوثائق الشيعية في العراق في الخمسينيات، في الإشارة إلى سيطرة طائفة ما على الحكم على حساب الطوائف الأخرى، قائمة على أساس تمييزي إقصائي. الطائفيةُ في خمسينيات لبنان هي سمة نظام، متفق عليها، في حين أنها في خمسينيات العراق سمةُ سلطةٍ متغلّبة بشكل قسري.


* هذه المراجعة منشورة في العدد 27 (شتاء 2019) من مجلة "عمران" (الصفحات 177-189)وهي مجلة فصلية محكمة متخصّصة في العلوم الاجتماعيّة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.

** تجدون في موقع دورية "عمران"  جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.