العنوان هنا
دراسات 29 فبراير ، 2024

انتخابات مجالس المحافظات في العراق: الزبونية المركزية في مواجهة المحلية

حيدر سعيد

رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيس تحرير دورية سياسات عربية. تتركز اهتماماته البحثية في العراق والمجتمعات المنقسمة والتحليل النقدي للخطاب السياسي. 

حارث حسن

باحث مشارك في المركز العربي، يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، له العديد من الدراسات المنشورة في المجلات الأكاديمية. تتركز اهتماماته البحثية على قضايا الدولة وعلاقتها بالمجتمع والهوية

تقديم *

مع مطلع شباط/ فبراير 2024، بدأت مجالسُ المحافظات في العراق، التي انتُخبت في الانتخابات التي جرت في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2023، وأعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات نتائجَها النهائية في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2023، ثم صدّق عليها مجلسُ المفوّضين في 21 كانون الثاني/ يناير 2024، بدأ كل منها بانتخاب المحافظ وهيئة الرئاسة لكل محافظة، لتستأنف هذه المجالسُ عملَها، بعد أن علّقه مجلس النواب أواخر عام 2019، إثر احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه.

هذه الانتخابات المحلية هي الأولى التي تجري منذ عام 2013. وقد حملت نتائجُها العديدَ من المؤشرات المهمة الدالة على طبيعة النظام اللامركزي في العراق، ومسارات النظام السياسي نفسه، وطريقة تشكّل النخبة السياسية العراقية، وما إلى ذلك من أمور نعتقد أنها تستحق مزيدًا من التحليل، لفهم الديناميكيات السياسية في العراق، بعيدًا عن منطق مَن فاز ومن لم يفز، وأيّ كتلة ستشكل الحكومات المحلية، وأيّ كتلة ستُقصى. وهذا هو ما تحاول أن تنجزه هذه الدراسة، وذلك بقراءة النتائج الرسمية للانتخابات، وما تحمله من مؤشرات، ووضع أطر تفسيرية لها، بعيدًا عن اللغط والسجال الذي صاحبها (والذي يصاحب كل انتخابات).

يمثّل النظامُ اللامركزي أحدَ المفاصل الأساسية التي اعتُمدت في مرحلة الانتقال والخروج من الحكم السلطوي في العراق، بفهم أن المركزية كانت واحدةً من المصادر المنتجة للسلطوية. وقد عُدّ الانتقال من فرض المركز الإداراتِ المحلية على المحافظات إلى انتخاب أبناء المحافظات إداراتِها المحلية، ثورةً في مجال الحوكمة. ويدخل في ذلك تبنّي الفدرالية إطارًا دستوريًا يحكم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، مع إمكانية نشوء أقاليم فدرالية جديدة بموجب الدستور.

تشكّل مجالسُ المحافظات عمادَ النظام اللامركزي؛ إذ يُفترض أن يجري عبرها مأسسة نقل السلطة من المركز، بمنحها صلاحيات إدارية ومالية واسعة، وتأكيد عدم خضوعها لسيطرة أي جهة تنفيذية مركزية أو إشرافها. وقد جرى رسم الإطار القانوني للنظام اللامركزي في الباب الخامس من دستور 2005، الذي حمل عنوان "سلطات الأقاليم" (المواد 116-125)، وتدخل في ذلك "المحافظات التي لم تنتظم في إقليم"، التي خُصّص لها الفصلُ الثاني من هذا الباب (المادتان 122 و123). وقبله، رسمت المادة (115) من الدستور حدودَ صلاحيات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم بأنها "كل ما لم يُنَصّ عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية"، ثم جرى التفصيل أكثر في سلطات المحافظات ومجالسها، في "قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم" لعام 2008، الذي نصت المادة (2/ أولًا) منه على أن "مجلس المحافظة: هو السلطة التشريعية والرقابية في المحافظة، وله حق إصدار التشريعات المحلية بما يمكّنه من إدارة شؤونها وفق مبدأ اللامركزية الإدارية بما لا يتعارض مع الدستور والقوانين الاتحادية".

لا تسعى هذه الدراسة إلى إنجاز تقييم تفصيلي لمسار النظام اللامركزي في العراق، منذ عام 2003، وإلى لحظة انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة (كانون الأول/ ديسمبر 2023)، ولكن يمكن القول إن اللامركزية في العراق لم تَسِر في "طرق وردية"، فقد شاب تجربتَها الكثير من التعثر. فبسبب عوامل عدة، قانونية وثقافية وسياسية واقتصادية، لم يستطع مشروع اللامركزية في العراق إنجازَ نقلٍ كاملٍ ومنظّمٍ لصلاحيات المركز في الإدارة المحلية إلى مجالس المحافظات، لتظل اللامركزيةُ مجردَ مشروع، هدفُه الأساسي تقليل المركزية، لا بناء نظام لامركزي متكامل.

ولعل أحد المؤشرات الأساسية والمهمة الدالة على ذلك هو عدم انتظام إجراء عمليات انتخاب مجالس المحافظات؛ فبعد عقدها بالتزامن مع الانتخابات النيابية في عام 2005، ثم تنظيمها منفردةً في إثر ذلك لدورتين، في عامي 2009 و2013، لم تُنظَّم منذ ذلك التاريخ، بل وصل الأمر إلى أن يعلِّق مجلسُ النواب عملَ هذه المجالس، وذلك في شهرَي تشرين الأول/ أكتوبر-تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، في ذروة مواجهة احتجاجات خريف 2019، بعد أن طالب المحتجون بحل هذه المجالس؛ إذ عدّوها مظهرًا من مظاهر ترهّل النظام السياسي العراقي، المفتوح على عملية إصلاحات.

ولعلنا نُرجع هذا التعثرَ إلى تجذّر المركزية في الثقافة السياسية في العراق، التي تحصر الفعلَ الخدمي – فضلًا عن الفعل السياسي - في المركز. وتتعاضد هذه الثقافة مع النظام الريعي (الذي قد يكون، بالأحرى، هو مُنتِج هذه الثقافة)، الذي يفوّض المركزَ في إدارة الثروة الأساسية للبلد. ومن ثم، يصبح المركز متحكمًا في كل ما يمكن أن يُنظَر إليه بأنه "فعل لامركزي". ولم تسلم الفدرالية من ذلك، فقد أثبتت حالةُ إقليم كردستان أنه إذا كانت قيادةُ الإقليم تسعى إلى بناء قدرٍ واسع جدًا من الاستقلالية عن المركز، يدخل في ذلك انتزاع صلاحيات سيادية منه وبناء علاقة أقرب إلى الاتحاد الكونفدرالي منه إلى الاتحاد الفدرالي. وتقع في قلب هذا المسعى الاستقلالية الاقتصادية، فإن المركز، مع كل ذلك، ظل يتحكم في موارد الإقليم، في الأقل منذ عام 2017، ما بعد أزمة الاستفتاء على استقلال الإقليم.

وفي نهاية الأمر، لم تعد هذه المقولة: "إن مجالس المحافظات، والنظام اللامركزي على نحو عام، أصبحت أداة لسيطرة المركز" مجرد مقولة تحليلية، بل إنها باتت أشبه بالثقافة الراسخة في كيفية التعاطي مع انتخابات مجالس المحافظات، التي لا يُنظَر إليها الآن بوصفها حدثًا لامركزيًّا، أو في نظام اللامركزية، ولم تعد نتائجها تُقرَأ بوصفها مؤشرات دالّة على وضع هذا النظام اللامركزي، وطبيعة الإدارات المحلية، وتنافس القوى المحلية في ذلك، بقدر ما تُقرَأ بوصفها مؤشرًا دالًّا على طبيعة توازنات القوى السياسية المركزية.

ولذلك، ومع أن هذه الدراسة تحاجّ، نقديًا، بأن النظام اللامركزي خضع لسيطرة المركز، فإنها كذلك ستحلّل نتائج انتخابات مجالس المحافظات لعام 2023؛ من جهة ما تعكسه من مؤشرات دالّة على طبيعة توازنات القوى بين التنظيمات السياسية المركزية، بما أن هذه الانتخابات قد أصبحت فضاءً لنزاع القوى المركزية وتنافسها.


* يود الباحثان أن يشكرا الأصدقاء: يحيى الكبيسي، وحامد السيد، وأحمد إدريس، على ما قدّموه من دعم لهذه الدراسة.