عالم ما بعد الليبرالية

خمسة مفكرين ألهموا اليمين الراديكالي

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب عالم ما بعد الليبرالية: خمسة مفكرين ألهموا اليمين الراديكالي A World after Liberalism: Five Thinkers Who Inspired the Radical Rightضمن سلسلة ترجمان، وهو من تأليف ماثيو روز.

عالم ما بعد الليبرالية: كيف عاد اليمين الراديكالي إلى الواجهة الفكرية؟

يستكشف روز في كتابه عالم ما بعد الليبرالية الأسس الفكرية لليمين الراديكالي المعاصر، من خلال دراسة أعمال خمسة مفكرين بارزين في القرن العشرين؛ وهم: أوزفالد شبنغلر، ويوليوس إيفولا، وفرانسيس باركر يوكي، وآلان دو بينوا، وصموئيل فرانسيس. ويتناول نقاشات الهوية والقومية والدين وما بعد الليبرالية، مقدّمًا مفاتيح أساسية لفهم التحولات السياسية والأيديولوجية الراهنة. ويرى أن الديمقراطية الليبرالية، التي بدت بعد نهاية الحرب الباردة النموذج السياسي المهيمن الواعد بالحرية والمساواة والازدهار، تمر اليوم بأزمة عميقة. فقد أدى صعود الشعبوية، واتساع الفجوات الاقتصادية، وتصاعد صراعات الهوية والعرق إلى إضعاف الثقة بالليبرالية، وإنتاج "اللحظة ما بعد الليبرالية"، التي عاد فيها اليمين الراديكالي بوصفه بديلًا فكريًا جادًا لا محض حركة هامشية.

لا يسعى روز إلى الدفاع عن هؤلاء المفكرين أو إدانتهم، بل إلى فهم أسباب عودة تأثير أفكارهم، فهو يلاحظ أنهم يشتركون في رفض تركيز الليبرالية على الحقوق الفردية والمساواة الكونية والحداثة العلمانية، مقابل طرح بدائل تتمحور حول الثقافة والتراتبية والدين أو الهوية الوطنية، إلى جانب رفضهم المشترك للمسيحية بوصفها، في نظرهم، المصدر التاريخي لأفكار المساواة والقيم الليبرالية الحديثة.

خمسة مفكرين، خمس رؤى لأفول الغرب

يبدأ روز بالحديث عن شبنغلر، صاحب كتاب تدهور الحضارة الغربية، الذي تصوّر الحضارات كائنات حية تمر بدورات ميلاد، ونمو، ثم انحطاط. ورأى أن الحضارة الغربية كانت تتميز بالإبداع والطموح الفردي والبحث العلمي والسعي إلى تجاوز حدود الإنسان، لكنها دخلت مرحلتها النهائية من التراجع. وذكر أن الديمقراطية والمساواة والسياسة الجماهيرية أضعفت الحيوية الثقافية للغرب بتقييدها دور الأفراد الاستثنائيين.

ثم ينتقل إلى إيفولا، أحد أبرز منظّري الفاشية الجديدة الإيطالية، الذي دعا إلى العودة إلى "التقليد" بوصفه نظامًا اجتماعيًا مقدسًا قائمًا على مبادئ متعالية وسلطة هرمية، معتبرًا أن الحداثة نزعت القداسة عن المجتمع باستبدال المعنى الروحي بالمادية والمساواة والفردانية. ورغم رفضه العنصرية البيولوجية، فقد دافع عن التراتبية الروحية والنخبوية.

أما يوكي، فرأى في كتابه الحكم المطلق أن السياسة تعبير عن الثقافة لا عن العرق وحده، وأن الغرب فقد ثقته بنفسه نتيجة ما أسماه "الماركسية الثقافية"، التي أضعفت المؤسسات التقليدية والأسرة والهوية الغربية، وشجع النسبية الأخلاقية والفوضى الاجتماعية. ويشير روز إلى أن مفهوم يوكي للمجال الثقافي، رغم ارتباطه في بدايته بأفكار معادية للسامية، استمر في التأثير في النقاشات المعاصرة حول الثقافة والهوية.

وفيما يتعلق بدو بينوا، مؤسس اليمين الجديد الفرنسي، فقد ركّز على الصراع الثقافي بدل الانتخابي متأثرًا باستراتيجية اليسار الجديد، وطوّر مفهوم "الحق في الاختلاف" داعيًا إلى الحفاظ على المجتمعات الثقافية المتمايزة بدلًا من تبني القيم الليبرالية الكونية. ورغم ابتعاده، لاحقًا، عن العنصرية البيولوجية، فإنه دافع عن الهويات الجماعية القائمة على التاريخ واللغة والتقاليد المشتركة.

أما المفكر الأخير، فرانسيس، فيمثل التعبير الأميركي عن القومية ما بعد الليبرالية. فقد رأى أن المحافظة التقليدية أخفقت؛ لأنها قبلت افتراضات الليبرالية، واكتفت بإبطاء إصلاحاتها بدلًا من تقديم بديل فكري وسياسي. واعتقد أن نخبة إدارية فرضت هيمنتها على الحكومة والتعليم والإعلام والمؤسسات الكبرى؛ ما أدى إلى تهميش المواطنين العاديين وإضعاف دورهم السياسي. ودعا فرانسيس إلى تعبئة ما سماه "الراديكاليين الأميركيين من الطبقة الوسطى"، وهم المواطنون الذين شعروا بالإقصاء نتيجة العولمة والهجرة والتحولات الثقافية. وقد مهدت أفكاره لعدد من سمات الشعبوية القومية المعاصرة، مثل القومية الاقتصادية، وتشديد سياسات الهجرة، وتقديم مصالح المواطنين على القيم الكوزموبوليتانية. ويرى روز أن كتابات فرانسيس اللاحقة اقتربت تدريجيًا من سياسات الهوية العرقية؛ ما جعله أكثر الشخصيات إثارةً للجدل.

بين نقد الليبرالية والمسألة المسيحية

يحدد روز في ختام الكتاب موضوعَين رئيسَين يجمعان بين هؤلاء المفكرين رغم اختلاف توجهاتهم. يتمثل الأول في رفضهم الليبرالية، التي يرون أنها أسهمت في تفكك المجتمعات التقليدية من خلال ترسيخ الفردانية، والمساواة، والكونية، والعلمانية. وفي المقابل، يؤكدون أن الإنسان يستمد هويته ومعناه أساسًا من انتمائه إلى جماعات كالأمة، أو الثقافة، أو الحضارة، أو الدين. أما الموضوع الثاني فهو ما يسميه روز "المسألة المسيحية"؛ إذ يرى هؤلاء المفكرون أن القيم الليبرالية، ولا سيما المساواة، والكرامة الإنسانية، وحقوق الفرد، تعود في أصولها الفكرية إلى المسيحية، التي يعدونها المصدر التاريخي لليبرالية الحديثة. ويعرض روز هذه الأطروحات بدقة، مع ملاحظته أنها تقلل من تعقيد الفكر السياسي المسيحي وقدرته على التطور والتكيف.

ويخلص الكتاب إلى أن اليمين الراديكالي لا ينبغي النظر إليه بوصفه ظاهرة هامشية أو غير عقلانية؛ إذ تعود جاذبيته إلى قدرته على التعبير عن مخاوف حقيقية تتعلق بالاغتراب، وفقدان الهوية الثقافية، وتراجع التضامن الاجتماعي، وتآكل الثقة بالمؤسسات الليبرالية. ورغم انتقاده النزعات الإقصائية وارتباط بعض هذه الأفكار بالتراتبية وسياسات الهوية، يؤكد أن فهم هؤلاء المفكرين يظل ضروريًا لتفسير الأزمة الراهنة للديمقراطية الليبرالية، واستيعاب صعود الفكر ما بعد الليبرالي في الغرب.​


​​​​ 

اقــرأ أيضًــا

فعاليات