صدور كتاب "مقدمة مختصرة في الليبرالية"

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب مقدمة مختصرة في الليبرالية Liberalism: A Very Short Introduction، ضمن سلسلة ترجمان، من تأليف المنظّر السياسي البريطاني المعاصر مايكل فريدن Michael Freeden، الذي يقدّم فيه معالجة تحليلية مبتكرة للّيبرالية تغطي جوانبها المختلفة وتجلياتها المتنوعة عبر المكان والزمان.

تُعدّ الليبرالية إحدى أهم النظريات السياسية تأثيرًا وانتشارًا في العالم، ولا يقف تأثيرها، بلغة فريدن، على طريقة التفكير في العالم، بل يمتد إلى طريقة التصرف داخله. فهي كانت، ولا تزال، الركيزة الأساسية للعالم الحديث، والواقع أن مستقبل مجتمعاتنا مرهون بفهمنا لها. ومع ذلك، فإنها لا تزال مصطلحًا معقّدًا يثير حوله الكثير من الجدل؛ إذ تندرج تحتها الكثير من النظريات والأنساق العقدية. وبناء عليه، تأتي أهمية هذا الكتاب، الذي يمثّل محاولة جادة ومتميزة لرسم خريطة مفاهيمية تساعدنا على التنقل عبر تعقيدات الفكر الليبرالي.

لا تقتصر قيمة هذا الكتاب على أنه سرد بارع وسلس لتاريخ الليبرالية، الذي لا يمكن من دونه فهم طبيعتها بوصفها نتاجًا تاريخيًا حيًا ومتطورًا؛ إذ يُعدّ، إلى جانب ذلك، تطبيقًا رصينًا للمنهج المورفولوجي عليها، وهو منهج جديد في حقل النظرية السياسية، استعاره فريدن من علم اللغة Linguistics، واعتبره النّهج الأمثل لدراسة الأيديولوجيات عمومًا، بوصفها بنى تتألف من عناقيد Clusters مفاهيمية معقدة.

ينطلق فريدن في هذا الكتاب من فرضية رئيسة تتضح جليًا من خلال منهجه المورفولوجي، وهي أن "المفهوم السياسي" يمثّل وحدة التحليل الأساسية في الفكر السياسي، وأن المفاهيم السياسية عمومًا تتسم بطبيعتها الخلافية. ومن هذا المنطلق، تتمثل أطروحته الرئيسة في أن الأيديولوجيات لا تعدو أنها توليفات Combinations أو عناقيد متميزة من المفاهيم السياسية. فما يميّز أيديولوجيا من أخرى، على حد تعبيره، "ليس وجود أو غياب الأفكار والمفاهيم، بل الأنماط المتمايزة التي تتجمع فيها هذه المكونات". وبذلك، فالليبرالية هي مجموعة ديناميكية من المفاهيم السياسية التي يمكن تفسيرها عبر منظورات ثقافية وسياقات تاريخية متنوعة، وهو ما يفسّر التنوع الواسع الذي تشهده.

والواقع أن المفاهيم السياسية تحمل العديد من التصورات، ما يجعل معانيها محلّ خلاف دائم، ليس بين الأيديولوجيات المتنافسة فحسب، بل داخل الأيديولوجيا نفسها، وهو ما ينطبق على الليبرالية بتنويعاتها المختلفة. فعلى سبيل المثال، تُعدّ الحرية مفهومًا أساسيًا في كافة صيغ الليبرالية، لكن معناها يختلف من صيغة إلى أخرى. ويعدّ التمييز الشهير الذي أقامه إزايا برلين بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية وثيق الصلة بهذا السياق.

ومن ثم، لا توجد ليبرالية واحدة واضحة المعالم، بل ليبراليات متنوعة بينها علاقات معقدة. لذا، لا يمكننا وضع تعريف محدد لليبرالية يحيط بكافة تنويعاتها، أو صوغ توصيف واحد لها بوصفه الصحيح الوحيد من بين جميع التوصيفات الأخرى. بل يمكننا، عوضًا عن ذلك، تحديد سماتها الأكثر ديمومة والعابرة وتتبّعها، حيث نستطيع في نهاية المطاف التعرّف إلى الأعضاء الشرعيين المنتمين إلى العائلة الليبرالية الواسعة. وبحسب فريدن، يتمثل المنهج الأمثل للقيام بهذه المهمة في المنهج المورفولوجي، الذي يدرس البنى التفصيلية للأيديولوجيات عمومًا، من أجل الكشف عن تشكيلة المفاهيم السياسية الجوهرية التي تعتمدها كل أيديولوجيا.

والليبرالية، شأنها شأن كافة الأيديولوجيات، تتميز بمورفولوجيا معقّدة؛ أي بنية داخلية تنتظم فيها المفاهيم الليبرالية الجوهرية. وبتحليل هذه المورفولوجيا وفحصها، تتكشف السمات الليبرالية الثابتة المتمثلة في سبعة مفاهيم جوهرية، هي: الحرية، والعقلانية، والفردية، والتقدم، والميل إلى الاجتماع Sociability، والمصلحة العامة، والسلطة المحدودة والخاضعة للمساءلة؛ الأمر الذي يساعدنا في تحديد حالات الفكر السياسي الجديرة فعلًا بوسم "ليبرالي".

وعلى الرغم من وجود سبعة مفاهيم جوهرية تُشكّل النواة الصلبة لليبرالية، فإننا نجد ليبراليات متنوعة يمكن ملاحظتها تاريخيًا وتجريبيًا. ويرجع هذا التنوع إلى الطريقة التي تتبعها كل ليبرالية في ترتيب هذه المفاهيم السبعة. فجميع الصيغ تتقاسم المفاهيم ذاتها، لكنها تتمايز في طريقة ترتيبها لها؛ أي في نمطها المورفولوجي. ويتحدد النمط المورفولوجي لكل ليبرالية من خلال عملية يسمّيها فريدن Decontestation، وهو مصطلح سَكّه بنفسه (يمكن ترجمته إلى "إزالة الخلاف") للإشارة إلى إحدى العمليات أو الوظائف الرئيسة التي تضطلع بها الأيديولوجيات، وهي إزالة الخلاف حول المفاهيم الجوهرية التي ترغب في الترويج لها أو الدفاع عنها. فكل صيغة من صيغ الليبرالية العديدة تضطلع بتنظيم المفاهيم الليبرالية السبعة وترتيبها بطريقة معيّنة من شأنها استبعاد جميع المعاني المحتملة لها، باستثناء المعنى المراد تثبيته؛ وبذلك تضطلع كل صيغة بإضفاء الوضوح على أفكارها وخطابها.

ومن أهم ما يخلص إليه فريدن في نهاية تحليله المورفولوجي أن الليبرالية، بخلاف ما يعتقد المتحمّسون الليبراليون (وعلى رأسهم فرانسيس فوكوياما)، لا تُشكّل كيانًا موحَّدًا يتطور بسلاسة عبر الزمن، بل تُشكّل إرثًا متراكمًا يتألف على الأقل من خمس طبقات تاريخية معقدة، وأن هذه الطبقات في حالة دائمة من التفاعل وإعادة الترتيب المتبادل استجابةً للتحديات الجديدة. وثمة نتيجة أخرى يخلص إليها مرتبطة بسابقتها، وهي قابلية الحدود الليبرالية للاختراق، ومن ثم هشاشتها. وهذه سمة عامة لجميع الأيديولوجيات، وليس الليبرالية فحسب. فليست الحدود بين الأيديولوجيات، بتعبير فريدن، "حواجز صخرية"؛ إذ يكشف فحص مورفولوجياتها عن مساحات مشتركة واختراقات متبادلة. فالليبرالية قد تتحول إلى أيديولوجيا متاخمة إذا أُعيد ترتيب مفاهيمها بطرائق مختلفة، أو إذا استُعيض عن مفهوم أو مفهومين منها بمفاهيم أخرى.


​​​

اقــرأ أيضًــا

فعاليات