صدور كتاب "عصر الحقوق"

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب عصر الحقوق L’età dei dirittiضمن سلسلة ترجمان من تأليف نوربرتو بوبيو.

الأسس التي تنبني عليها حقوق الإنسان

إذا كانت المجتمعات، بمختلف تكويناتها، تنشد السلام الدائم فيما بينها، فلا بدّ لحركة التاريخ التي تقودها من أن تمضي قدمًا في تعزيز الاعتراف بحقوق الإنسان والعمل على حمايتها. بيد أن هذا المسار شهد، منذ انطلاقته، جدلًا متشعّبًا شاركت فيه مختلف الأطراف المعنيّة بالكيفيّة التي يتجلى بها وجود الإنسان في المجتمع والدولة. وقد انخرط بوبيو، في كتابه عصر الحقوق، متقصّيًا الأسس التاريخية التي تستند إليها حقوق الإنسان، وكاشفًا أبرز المراحل التي قطعها تاريخ هذه الحقوق، ومستشرفًا حاضرها ومستقبلها.

من هذا المنطلق، يدرس الكتاب السمة التي تَمَيَّزَ بها تكوّن الدولة الحديثة، والتي انتقل فيها الإنسان من مكَلَّفٍ تُفرَض عليه الواجبات إلى مواطن يتمتّع بحقوق، ولا سيّما الحقّ في المشاركة في تدبير شؤونه على مختلف المستويات. ويعود البحث إلى النظرية الكانطيّة في "مُواطِن العالَم"، وهي نظرية يعدّها الباحثون في فلسفة التاريخ والقانون خلاصةً للخطاب الذي دار حتى الآن حول حقوق الإنسان ونقطة انطلاق لتأمّلات جديدة. وقد تبلورت هذه النظرية بالتزامن مع الثورة الفرنسيّة، التي أفرد لها بوبيو حيّزًا من التحليل، باعتبارها، وفقًا للمؤرّخين، إحدى المراحل الحاسمة، التي أرّخت لنهاية حقبة وبداية أخرى. أما إعلان عام 1789، الذي صدر بعنوان "حقوق الإنسان والمواطن"، فقد دخل إلى التاريخ تحت اسم "مبادئ عام 1789"، وأصبح إرثًا تأسّست عليه قوانين الأمم.

مسائل تتعلّق بحقوق الإنسان

يسعى بوبيو في هذا الكتاب إلى الإجابة عن السؤال الذي طرحه إيمانويل كانط عقب الثورة الفرنسيّة: "هل الجنس البشري في تقدّم نحو الأفضل؟". ولذلك يخصص فصلًا كاملًا، بعنوان "كانط والثورة الفرنسيّة"، لدراسة وجهة التاريخ، ولا سيّما التاريخ التنبّئي الذي يكشف عن "نزعة التطوّر التي ينطوي عليها التاريخ". وفي تتبّعه لحركة التاريخ، لا يكتفي الكتاب بالتحليل النظري، بل يغوص في مسائل عملية ترتبط مباشرة بالمسألة الرئيسة، التي لا يزال الجدل بشأنها محتدمًا، ومنها "مقاومة الطغيان في الوقت الراهن"، و"الجدل الراهن حول حكم الإعدام"، و"مسوّغات التسامح"، ليختتم بفصل يعالج بعمق "حقوق الإنسان في الوقت الراهن".

حقوق الإنسان في قلب الرهان

يرى المؤلّف أن النقاش الراهن حول حقوق الإنسان يتّسع باطراد، إلى حدٍّ أصبح معه من المسائل المُدرَجة على جدول أعمال معظم الجمعيات الدولية. ويُعَدّ ذلك مؤشرًا دالًّا على أن الإنسانيّة تمضي نحو الأفضل، على الرغم من أن المتنبّئين بالكوارث يزدادون اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، في سياق تهديدات من قبيل التدمير النووي، والتدهور التدريجي الجامح لشروط الحياة على الأرض. غير أن الفيلسوف الإيطالي يبيّن هنا الدور الذي يضطلع به الاهتمام بحقوق الإنسان في الاتجاه المعاكس لهذه التهديدات، ويبرز الأهمية الكبرى لهذه المسألة، المتمثلة في ارتباطها الوثيق بالديمقراطية والسلام. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يستهل نصه بالتأكيد أنّ "الاعتراف بالكرامة الإنسانية المتأصّلة في جميع أعضاء العائلة البشرية، وبحقوقهم المتساوية التي لا يجوز التصرّف فيها، يشكّل أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم".

من هذا المنطلق، يضع الكتاب نفسه، من خلال تحليله مختلف الجوانب المتعلّقة بحقوق الإنسان منذ نشأتها، وبيانه الأسس التي تقوم عليها، وتأويله مسارها التاريخي، في صميم الرهان على أن التاريخ يقود نحو مملكة حقوق الإنسان، مؤكِّدًا أنّ بلوغ هذه الغاية لا يتطلّب سوى الجهد والمثابرة.​


اقــرأ أيضًــا

فعاليات