صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب نظرية السياسة الدولية Theory of International Politicsضمن سلسلة ترجمان، وهو من تأليف كينيث ن. والتز.
يُعَدّ كتاب نظرية السياسة الدولية، الذي نُشر عام 1979، أحد أكثر الأعمال النظرية تأثيرًا وإثارةً للجدل في حقل العلاقات الدولية. وتنبع أهميته الاستثنائية في كونه العمل المؤسّس للواقعية البنيويةStructural Realism، وتُعرف أيضًا باسم الواقعية الجديدة Neorealism، وهي المقاربة التي أعادت تشكيل جانب كبير من معالم الحقل ونقاشاته النظرية. وبعد أكثر من أربعة عقود على صدوره، لا يزال كتاب والتز مرجعًا أساسيًا لا غنى عنه في النقاشات المتعلقة بالقوة، والأمن، والحرب، وتنظيم النسق الدولي.
ظهر الكتاب في مرحلة كانت فيها النظرية الواقعية تواجه انتقادات متزايدة من الاتجاهات السلوكية والليبرالية الجديدة، خاصّة بسبب عجزها عن بناء نظرية علمية تفسّر الأنماط المتكرّرة في السياسة الدولية. ولم يكتفِ والتز بالدفاع عن الواقعية فحسب، بل أخضعها، أيضًا، لمراجعة نقدية عميقة، مجادلًا في أنّ تفسير الظواهر الدولية بالرجوع إلى الطبيعة البشرية أو خصائص الدول وأنظمتها السياسية الداخلية يظل تفسيرًا اختزاليًا Reductionist؛ لأنّه يبحث عن أسباب النتائج الدولية داخل الوحدات (الدول) المكوِّنة للنسق الدولي، بدلًا من البحث عنها في خصائص النسق ذاته.
في مقابل ذلك، سعى والتز إلى بناء ما اعتبره أوّل نظرية نسقية للسياسة الدولية بالمعنى العلمي الصارم. وتنطلق هذه النظرية من افتراض أنّ بنية النسق الدولي International System، لا خصائص الدول الداخلية، هي التي تفرض القيود وتولّد الحوافز العامة التي تشكّل سلوك الدول وتؤثّر في نتائج تفاعلاتها.
يشير والتز إلى أنّ السمة التنظيمية الأساسية للنسق الدولي هي الأناركية Anarchy، التي تعني غياب سلطة مركزية عليا تفرض القواعد على الدول وتضمن أمنها وسلامتها. وتُنتج الأناركية، حسب نظرية والتز، مجموعة من الآثار البنيوية والسلوكية؛ ففي ظل غياب سلطة دولية ضامنة، تصبح كلّ دولة مسؤولة عن أمنها وسلامتها، ويغدو العون الذاتي Self-Help قاعدة أساسية للعمل الدولي، ويصبح الأمن والبقاء الغايتين الأساسيتين اللتين تسعى الدول لإنجازهما، ويغدو تعزيز القدرات العسكرية أو تشكيل التحالفات أنجع الوسائل لمواجهة التهديدات الخارجية.
ويحتل مفهوم توزيع القدرات بين الدول موقعًا محوريًا في النظرية؛ إذ تتحدّد بنية النسق الدولي وفق طريقة توزيع القوة بين القوى الكبرى. ويساعد اختلاف هذا التوزيع على التمييز بين أنماط متعدّدة من الأنساق الدولية، ولا سيّما الأنساق الثنائية والمتعدّدة الأقطاب. ويرى والتز أنّ النسق الثنائي القطبية، مثل نسق الحرب الباردة الذي تمحور حول الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، يتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار النسبي؛ لأنّ انخفاض عدد القوى الكبرى يجعل مصادر التهديد أوضح، ويبسّط الحسابات الاستراتيجية، ويقلّل احتمالات الخطأ وسوء التقدير. أمّا الأنساق متعدّدة الأقطاب، فتتّسم بدرجة أكبر من التعقيد وعدم اليقين بسبب تعدّد القوى الكبرى، وتشابك التحالفات، وتنوّع مصادر التهديد.
ومن الأفكار المركزية في نظرية والتز مفهوم توازن القوى؛ إذ يرى أنّ الدول لا تسعى بالضرورة إلى تعظيم القوة أو تحقيق الهيمنة، بل تعمل أساسًا على امتلاك القدر الكافي منها (القوة) لضمان أمنها وبقائها. وعندما تتفوّق دولة ما بصورة تهدّد توازن النسق، تميل الدول الأخرى إلى الاستجابة عبر زيادة قدراتها الذاتية أو تشكيل تحالفات لموازنة القوة الصاعدة. ولا ينشأ توازن القوى، وفق هذا التصوّر، بالضرورة نتيجة تخطيط واعٍ أو تنسيق مقصود بين الدول، بل قد يظهر بوصفه نتيجة غير مقصودة للضغوط والحوافز التي تولّدها بنية النسق الدولي.
أحدث الكتاب تحولًا عميقًا في دراسة العلاقات الدولية؛ إذ أعاد الواقعية إلى صدارة الحقل، وأسّس برنامجًا بحثيًا امتدّ تأثيره إلى دراسات توازن القوى، والتحالفات، والتعاون الدولي، والردع، والقطبية، والاستقرار والأمن الدوليين. وأصبح مرجعًا لا غنى عنه للنظريات التي ظهرت بعده؛ سواء تلك التي طوّرت منطقه البنيوي، مثل الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية، أم تلك التي انطلقت من نقده ومراجعة افتراضاته، مثل الواقعية النيوكلاسيكية والبنائية.
وبقدر ما كان الكتاب واسع التأثير، كان أيضًا محور واحدة من أكبر موجات النقد في تاريخ الحقل؛ فقد انتُقد بسبب تقليصه دور السياسة الداخلية والقيادة والأفكار والهوية، وتعاملِه مع الدول بوصفها وحدات متشابهة تخضع لضغوط نسقية مشتركة. ورأى منتقدوه أنّ النظرية تتمتع بقدرة أكبر على تفسير الأنماط والمخرجات العامة في السياسة الدولية مقارنةً بقدرتها على تفسير السياسات الخارجية المحددة لدول بعينها. ومن هذه الثغرة تحديدًا انطلقت البدائل الواقعية المعاصرة، التي اتخذت نظرية والتز خط أساس نظريًا لها، وسعت إلى إعادة الدولة ومتغيراتها الداخلية إلى صلب التحليل الواقعي.
تقدّم هذه الترجمة العربية أحد النصوص التي لا يمكن فهم تطوّر نظرية العلاقات الدولية من دونها؛ وهو كتاب لم يؤسّس الواقعية البنيوية فحسب، بل أعاد أيضًا تعريف ماهية النظرية الدولية، وحدودها، ومستويات تحليلها، والأسئلة التي ينبغي أن تسعى إلى الإجابة عنها.