Author Search
باحث مساعد في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تركّز بحوثه في فلسفة الدين والمقدّس والمقاربات الحديثة للظاهرة الدينية، إضافةً إلى مطارحة قضايا الدين وأنسنة اللاهوت
الباحث كمال طيرشي محاضرًا والدكتور مراد دياني رئيسًا لجلسة السيمنار
الباحث كمال طيرشي
الدكتور مراد دياني
طيرشي أثناء تقديم العرض بعنوان: مقاربات مفاهيمية حول الدين والفلسفة
الحضور المشارك في السيمنار
طيرشي يجيب عن تساؤلات الحضور المشارك
طيرشي يحاضر في الفلسفة والدين
زاوية أخرى للحضور المشارك

استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات المنعقد في الدوحة في 29 أيار/ مايو 2019 الأستاذ كمال طيرشي، الباحث في المركز، والذي قدّم مداخلةً بعنوان "مقاربات مفاهيمية حول فلسفة الدين".

استهل طيرشي عرضه بالتعريج على الإرهاصات الأولى لدراسات الدين واللاهوت، بدءًا بالإغريق الأوائل كسقراط وأفلاطون وأرسطو، الذين كان تفلسفهم في الدين منضويًا في إطار قضايا الإلهيات المندرجة في قسم الحكمة النظرية، ومرورًا بمتفلسفة الإسلام مثل الفارابي والكندي وغيرهما، الذين بحثوها من جهة علاقتها بمباحث الوحي والنبوات، إضافة إلى فلاسفة العصور الوسطى المسيحية كالقديس توما الأكويني، الذين أقرّوا إمكانية دراسة القضايا الماورائية (الميتافيزيقا والإلهيات) بآليات النظر والتفكير العقلي من دون الاعتماد على ما يقول الوحي الرباني شرطًا للإيمان.

عقب ذلك، عرّج طيرشي على بعض المناحي المفاهيمية المتعلقة بالدين؛ بدايةً بالبحث عن تعريفٍ للفظ الدين في معاجم اللغة العربية، حيث نتجلّى العديد من التباينات والاختلافات في تحديد المعنى الدقيق له، ومرورًا بالتعريف الاصطلاحي للفظ الدين في اللغات الأخرى (الإنكليزية والفرنسية والألمانية)، ليستقر بعد ذلك على تصور لاشولييه القائل إن كلمة Religio يبدو، على نحوٍ عام، أنها تعني في اللاتينية الإحساس المصحوب بالرهب والخوف وتأنيب ضمير، وبواجبٍ ما تجاه الآلهة. وتحدث بعد ذلك عن انبلاج فجر فلسفة الدين؛ إذ إنه في نهاية القرن الثامن عشر ظهر مصطلح فلسفة الدين، وهي نوع من الفلسفة يعتمد العقل في بحث وتحليل المقدسات والمعتقدات والظواهر الدينية وتفسيرها، ولا تتوخّى الدفاع عن هذه المعتقدات وتسويغها، مثلما يفعل اللاهوتيون وعلماء الكلام، إنما تهتم بشرح وبيان بواعث الدين ومنابعه في الروح والنفس والعقل، ونشأة المقدس وتجلياته في حياة الإنسان وصيرورته وتحولاته في المجتمعات الإنسانية؛ وبكلمة موجزة فلسفة الدين هي التفكير الفلسفي في كل ما يتصل بالدين، شرحًا وتفسيرًا وبيانًا وتحليلًا، من دون أن تتكفّل التسويغ أو الدفاع أو التبرير أو التبشير أو المنافحة.

كما أكد طيرشي أنه لا علاقة لفلسفة الدين بإيمان فيلسوف الدين والباحث والدارس في هذا الحقل أو بعدم إيمانه، كما هو حال المتكلم في علم الكلام واللاهوتي في علم اللاهوت؛ ذلك أنّ الباحث في فلسفة الدين يُفترض أن يكون محايدًا، يتحرّى الموضوعية، وما يقود إليه العقل والأدلة في بحثه؛ فهو لا يعنيه تكريس المعتقدات الدينية مثلما لا يعنيه نفيها، ولا يتوقف تفكيره عند حدودٍ أو سقفٍ معين لا يتخطّاه في بحثه، كما يفعل اللاهوتي والمتكلم الذي ينطلق من مسلّمات اعتقادية، ولا يكفّ عن الاستدلال عليها، من خلال الأدلة النقلية والعقلية.

فيلسوف الدين هو، إذًا، بنظر طيرشي، باحثٌ يتحرى الحقيقة، كما هو الباحث في أيّ حقلٍ من حقول الفلسفة؛ ربما يكون فيلسوف الدين مؤمنًا، مثل كانط وكيرككورد، وربما يكون ملحدًا أو لاأدريًا، ولهذا يؤكد الفيلسوف جون هيك أنّ فلسفة الدين ليست وسيلةً لتعليم الدين، وفي الحقيقة لا ضرورة لتناولها من منطلق ديني، إذ إن من لا يؤمن بالله ومن لا يملك أيّ رأيٍ حول وجوده من عدمه، ومن يؤمن بوجوده، جميعهم يستطيعون أن يتفلسفوا في الدين، وهو ما يحدث الآن بالفعل. إذًا، فلسفة الدين ليست فرعًا من الإلهيات؛ أي التدوين الممنهج للعقائد الدينية، بل هي فرع من فروع الفلسفة، تتكفل بدراسة المصطلحات والأنظمة العقائدية وممارسات من قبيل العبادة، والتأمل والمراقبة، التي تُبتنى هذه الأنظمة العقائدية عليها وتنبثق منها. كما استحضر طيرشي في هذا الصّدد بعض النماذج من فلاسفة الدين، سواء من الأزمنة الحديثة كباروخ سبينوزا وكانط وهيغل وفيورباخ ... إلخ، أو من الأزمنة المعاصرة، حيث نجد كلًا من سورن كيرككورد ومارتن هايدغر وبول ريكور وبول تيليش وجون هيك ويورغن هابرماس وغيرهم. وأخيرًا، تطرق طيرشي إلى حقيقة جوهرية تقرّ بأبوة الدين لفلسفة الدين؛ ذلك أنّ الدين وُجد قبل ظهور الفلسفة.

وعقب المحاضرة نقاشٌ عامٌّ، شارك فيه الباحثون في المركز العربي، وأساتذة معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبته، وجمهور الحضور.