Author Search
أستاذة التاريخ وعميدة كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بمعهد الدوحة للدراسات العليا. 
السيمنار
السيمنار
أمل غزال
أمل غزال
پول لوڤ معقبا على المحاضرة عن بعد
پول لوڤ معقبا على المحاضرة عن بعد
حيدر سعيد مترئسا جلسة السيمنار
حيدر سعيد مترئسا جلسة السيمنار

​استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الأربعاء 8 نيسان/ أبريل 2026، الدكتورة أمل غزال، أستاذة التاريخ ونائب الرئيس للشؤون الأكاديمية في معهد الدوحة للدراسات العليا، التي قدّمت محاضرة بعنوان "المنفى وتشكّل المثقف العابر للإمبراطوريات: تجربة عبد العزيز الثعالبي"، تناولت فيها المسار الفكري والسياسي للمفكر الإصلاحي التونسي عبد العزيز الثعالبي (1876-1944)، وكيف حوّلت تجربة المنفى والتنقل المستمر عبر الإمبراطوريات العثمانية والفرنسية والبريطانية المنفى من حالة اقتلاع إلى منهج في التفكير المقارن والتحليل العابر للأقاليم.

استهلّت غزال محاضرتها بتأطير أطروحتها المركزية القائلة بأن المنفى في حياة الثعالبي لم يكن سلسلة من الانقطاعات السيرية، بل شكّل بنية مُنشئة لمشروعه الفكري والسياسي، وأتاحت له آفاقًا فكرية جديدة ورؤى مقارنة، ومكّنته من صياغة تركيب يجمع بين الإصلاح الإسلامي والنقد المناهض للاستعمار بوصفه مشروعًا عابرًا للإمبراطوريات. ثم انطلقت من المرحلة التأسيسية المبكرة (1895-1905)، حيث أوضحت أن الثعالبي نشأ عند تقاطع الوسط العلمي الزيتوني والنظام الاستعماري الفرنسي، وأن نشاطه الفكري برز من خلال صحيفة سبيل الرشاد (1895) التي قدّمت قراءة مقارنة للسياسات الإمبراطورية، مع استحضار الدولة العثمانية بوصفها مرجعية سيادية بديلة. وأشارت إلى أن إغلاق الصحيفة سنة 1897 دفعه إلى مغادرة تونس نحو طرابلس الغرب ثم القاهرة وإسطنبول، في بداية منفى شبه طوعي أتاح له الاحتكاك بتيارات الإصلاح الإسلامي والنقاشات العثمانية حول الدستورية والجامعة الإسلامية. وبيّنت أن هذا التحول تجلّى عند عودته سنة 1904 في كتابه روح التحرر في القرآن، الذي كُتب بالفرنسية وقدّم قراءة إصلاحية للإسلام بوصفه متوافقًا مع العقل والحرية.

انتقلت غزال إلى مرحلة التحول من الإصلاح إلى الفعل السياسي المباشر (1905-1923)، حيث أوضحت كيف وظّف الثعالبي الانتماء العثماني السابق لتونس بوصفه مرجعية قانونية وسياسية لمساءلة شرعية الحماية الفرنسية. وأشارت إلى تعاونه مع الصحافي والسياسي التونسي علي باش حامبة (1876-1918)، حيث أسهمت الصحافة بدور مركزي في ترجمة الخطاب السياسي بين جمهورين، هما: الفرنكوفوني، والمحلي العربي؛ إذ تولّى الثعالبي تحرير النسخة العربية من صحيفة التونسي. وتوقفت عند أحداث الزلاج سنة 1911، بالتزامن مع الغزو الإيطالي لطرابلس الغرب (1911-1912)، بوصفها نقطة تحول حاسمة أسهمت في توسيع دائرة التسييس، وقوبلت بتشديد في القمع الاستعماري دفع الثعالبي إلى المنفى سنة 1912، الذي أعاد تشكيل فاعليته عبر توسيع شبكاته ضمن فضاءات إسلامية أوسع، بما فيها الهند.​​


خصّصت غزال جزءًا من السيمنار لكتاب تونس الشهيدة الذي ألّفه الثعالبي بالفرنسية في سياق التحولات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وصعود خطاب تقرير المصير. وأوضحت أن الكتاب جمع بين الحجاج القانوني والتوثيق التاريخي والنقد الأخلاقي، ليُعيد بناء تونس بوصفها جماعة سياسية ذات شرعية قانونية وتاريخية سابقة على الاستعمار، تمتلك نظامًا دستوريًا ومؤسسات ناظمة للسلطة. ولفتت إلى أن الكتاب بيّن أن الحكم الاستعماري لم يُدخل الحداثة، بل قوّض بنى قانونية ومؤسسية قائمة، في حين أعاد توظيف القيم المعيارية الفرنسية كالحرية والمساواة بوصفها أدوات نقدية تُدين الممارسة الاستعمارية من داخل مرجعيتها ذاتها.

وسلّطت الباحثة الضوء على مرحلة المنفى بين اليمن وبغداد (1923-1930)، موضحةً أن رحلة الثعالبي إلى اليمن سنة 1924 شكّلت لحظة مفصلية تصوّرها مدخلًا لربط مشروع الإصلاح بفكرة الوحدة العربية وإعادة تخيّل الخلافة ضمن أفق عربي بعد انهيار النظام العثماني. غير أن هذه التجربة، التي دوّنها لاحقًا في الرحلة اليمنية، كشفت له واقعًا من العزلة السياسية والجمود الإداري ومقاومة صريحة لمشاريع الإصلاح، حتى من قبل الإمام يحيى الذي جمع، في نظره، بين الكفاءة الفردية ورفض التحول البنيوي. وأشارت إلى أن الإحباط تحوّل إلى إدراك تحليلي لطبيعة العوائق البنيوية أمام الإصلاح. ثم أوضحت دور الصحافة العربية، ولا سيما مجلة الشورى في مصر، بوصفها بنية تواصلية فاعلة أعادت تنظيم تدفق الأفكار والفاعلين عبر الحدود، وأتاحت إدماج قضايا تونس ضمن أفق عربي وإسلامي أوسع. كما بيّنت أن بغداد شكّلت حيزًا إبستمولوجيًا أعاد من خلاله الثعالبي صياغة موقعه بوصفه مثقفًا ومنتجًا للمعرفة، حيث انخرط في تشكيل مجال تداولي جمع بين النخب السياسية والثقافية، وأعاد التفكير في الإمبراطورية والإصلاح من خلال مقاربات فكرية وحضارية.

وأكدت غزال أن المؤتمر الإسلامي العام في القدس (1931) جسّد تحولًا في مشروع الثعالبي نحو بناء إطار تشاوري يجمع الفاعلين المسلمين حول القضية الفلسطينية، رغم الانقسامات الداخلية والضغوط البريطانية والصهيونية. وأشارت إلى دور القاهرة بوصفها منصة للتنسيق وبناء الشبكات، حيث أسهم الثعالبي في توجيه مجلتَي الشورى والرابطة العربية، اللتين عملتا على ربط قضايا المغرب العربي بالمشرق. كما تناولت الهند بوصفها مجالًا جديدًا لتفعيل منهجه المقارن، حيث تناول مسألة الطبقات المهمشة بوصفها قضية سياسية ودينية ذات أبعاد عالمية، وسعى إلى ترجمتها إلى خطاب عربي وإسلامي يتصل بالعدالة الاجتماعية. واختتمت بالإشارة إلى عودته إلى تونس سنة 1937 حيث استُقبل باعتراف شعبي واسع، لكنه اصطدم بصعود جيل جديد بقيادة الحبيب بورقيبة الذي تبنّى نمطًا مختلفًا من الوطنية. ولفتت إلى أن ما وصلنا من فكره هو نتاج أعمال تحريرية لاحقة لتلامذته الذين أعادوا تجميع متون تشتّتت في الصحافة والمراسلات والمحاضرات.

وفي تعقيبه على المحاضرة، أشاد الدكتور پول لوڤ، الأستاذ المشارك في برنامج التاريخ ومدير مكتبة محمد السادس في جامعة الأخوين، بالمنهج الذي اعتمدته غزال في تتبّع تنقلات الثعالبي عبر الأرشيفات المؤسسية والوثائق الإدارية الاستعمارية والصحافة العربية. وتساءل عمّا يميّز تجربة الثعالبي عن معاصريه من الشخصيات المغاربية التي عاشت تجربة المنفى في السياق الاستعماري ذاته، مشيرًا إلى نماذج مماثلة في الحركة الوطنية الليبية التي تشكّلت في الإسكندرية. كما أثار مسألة إمكانية التنظير انطلاقًا من سيرة الثعالبي لفهم ظاهرة المنفى في العالم العربي خلال تلك الحقبة، مقترحًا أن تتحوّل هذه الفكرة من موقع ضمني إلى محور تنظيري صريح. ولفت إلى أن الأعمال التحريرية اللاحقة التي أعادت نشر مؤلفات الثعالبي تستحق بدورها تساؤلًا منهجيًا حول أثرها في تشكيل المادة البحثية.

وقد شهد السيمنار نقاشًا ثريًا حول تجربة المنفى بوصفها بنية مُنشئة لتشكّل الفاعلين السياسيين في سياقات الاستعمار، والعلاقة بين التنقل الجغرافي والإنتاج الفكري، وإشكاليات الأرشيف الاستعماري في كتابة تاريخ الحركات الوطنية، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، إضافة إلى أساتذة من معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبته.