استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 15 نيسان/ أبريل 2026، الباحث الأوّل في المركز هاني عواد، الذي قدّم محاضرة بعنوان "صناعة العدوّ، والاستقطاب، وسياسة خارجية أميركية مضطربة: الحرب على إيران"، تناول فيها الأسباب البنيوية التي دفعت الولايات المتحدة الأميركية إلى شنّ الحرب على إيران، مقترحًا إطارًا تفسيريًا يتجاوز المقاربات التي تركّز على التأثيرات الخارجية في صناعة القرار الأميركي.
استهلّ عواد محاضرته بالإشارة إلى خطورة الحرب على المستويَين الإقليمي والدولي، موضحًا أن الاقتصاد السياسي للبلدان العربية، منذ حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، يقوم في جانب مركزي منه على افتراض بقاء منطقة الخليج العربية مستقرة ومزدهرة، فضلًا عن ارتباط استقرار الاقتصاد العالمي بتأمين مصادر الطاقة وطرق الوصول إليها. ومع ذلك، قرّرت الولايات المتحدة، بالاشتراك مع إسرائيل، شنّ الحرب متخلِّيةً عن الخيار الدبلوماسي الذي كان يحقّق نتائج ملموسة. وسرعان ما تبيّن أن هذه الحرب لم تكن سوى مغامرة غير محسوبة، قامت على افتراضات خاطئة تتعلق بسرعة الحسم وسهولة عزل النظام الإيراني عن مجتمعه. وهي افتراضات دحضتها الوقائع المعروفة قبل الحرب وبعدها.
جاءت المحاضرة في ثلاثة محاور رئيسة. خُصِّص الأول لمناقشة الميل الشائع إلى المبالغة في تقدير التأثيرات الخارجية في تفسير السياسة الخارجية الأميركية، وتحديدًا النفوذ الإسرائيلي وشخصية الرئيس؛ إذ أوضح المحاضر أن النفوذ الإسرائيلي في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط حقيقي وراسخ على المستوى المؤسسي، حيث تمارس المنظمات المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدّمتها "إيباك"، تأثيرًا واضحًا عبر الضغط على الكونغرس وبناء التحالفات، والسعي إلى رسم حدود النقاش المقبول حول إسرائيل. ومع ذلك، أكد أن الإقرار بوجود هذا النفوذ يختلف عن القول إن السياسة الخارجية الأميركية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، لأن هذا التأثير يعمل داخل سياق مؤسسي أوسع. وأشار إلى أن أحدث الدراسات تبيّن أن هذا النفوذ لم يعد يستند إلى إجماع داخلي متماسك، وهو ما تجلّى في فشل إسرائيل في تعطيل الاتفاق النووي خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما. ورأى عواد أن الميل إلى المبالغة في تقدير هذه التأثيرات يرتبط بهيمنة المقاربات الواقعية التي تفترض أنّ الدول تتصرف وفق حسابات عقلانية لمصالحها الاستراتيجية، وأنّ خطاب المصالح في السياسة الأميركية يحجب مجموعة أشد تعقيدًا من الدوافع.
وحلل عواد، في المحور الثاني، التشكّل التاريخي للدولة الأميركية، موضحًا أن نظامها السياسي أقرب إلى البنى الشبكية منه إلى النموذج البيروقراطي الهرمي الذي نظّر له ماكس فيبر؛ فقد تطوّر الحكم في الولايات المتحدة عبر توازن مؤسسي تشاركت في تشكيله المصالح الإقليمية والفاعلون الاقتصاديون والسلطات العامة. وأشار إلى أن جيمس ماديسون انطلق من فرضية مفادها أن السياسة لا تقوم على إرادة عامة موحّدة، بل على إدارة التنافس بين الفصائل والمصالح داخل إطار مؤسسي قادر على استيعاب هذا التعدد. وفي هذا السياق، أدّى التهديد الخارجي دورًا محوريًا في توحيد الفاعلين السياسيين ودفع التسويات. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال القيد الاستراتيجي الكبير، بدأ التوازن المؤسسي يختلّ تدريجيًا، واتجه النظام إلى إنتاج أعداء بدلاء، من العراق إلى الحرب على الإرهاب ثم إيران، من دون أن تفضي هذه التهديدات إلى تحقيق الحدّ الأدنى من التوافق، بل أسهمت في تعميق الاستقطاب.
وقدّم، في المحور الثالث، قراءة أوسع للسياسة الخارجية الأميركية، موضحًا أن الاعتدال النسبي خلال مرحلة أوباما لم يعكس تحوّلًا بنيويًا دائمًا، بل كان استجابةً لظرف استثنائي فرضته الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي أوجدت ضغوطًا دفعت نحو ضبط النفس والتعاون المؤقت. وما إن زالت تلك الضغوط حتى عاد الاستقطاب إلى الظهور. وخلص إلى أن دونالد ترمب لا يمثّل قطيعة بقدر ما يعكس استمرارية، وأن ما يوصف اليوم بـ "الترمبية" مرشّح للاستمرار بعده، بوصفه تعبيرًا عن خصائص بنيوية في النظام السياسي الأميركي.
ثم عقّب الدكتور أدهم صولي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ورئيس برنامج الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا، مشيدًا بطموح المحاضرة. وأشار إلى فجوات تستدعي المعالجة، تمثّلت في غموض نسبي في السؤال البحثي والأهداف، ومحدودية مراجعة الأدبيات قياسًا بتعقيد الحقل. وأوصى بتحديد المؤسسات المقصودة بدقة وتوضيح آليات تأثيرها في صناعة القرار. واقترح خريطة نظرية متعددة المستويات لفهم السياسة الخارجية الأميركية، تشمل المستوى المجتمعي وصراع الهوية، والأحزاب السياسية، والبيروقراطية الدائمة في مقابل الإدارات المتغيّرة، ودور شخصية الرئيس، والتهديد الخارجي وكيفية تحديده. وأكّد أنّ إيران، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ظلّت خصمًا في الحدّ الأدنى وعدوًّا في الحدّ الأقصى من منظور المؤسسة الأميركية. وأشار إلى أنّ غطرسة الرئيس ترمب واعتقاده أنه قادر على تغيير النظام الإيراني بسهولة، إلى جانب الدور الإسرائيلي الواضح، ولا سيّما موقف بنيامين نتنياهو الذي صنّف إيران تهديدًا وجوديًا، شكّلت عوامل أسهمت في الدفع نحو قرار الحرب، على الرغم من تحفّظات الأجهزة البيروقراطية الأميركية.
وقد شهد السيمنار نقاشًا مستفيضًا حول العلاقة بين البنية المؤسسية الأميركية والسياسة الخارجية، وآليات صناعة العدوّ والاستقطاب السياسي وأثرهما في قرارات الحرب، شارك فيه نخبة من الباحثين في المركز العربي، إلى جانب أساتذة وطلّاب من معهد الدوحة.