أستاذ في برنامج الإدارة العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا.
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، الأربعاء 1 نيسان/ أبريل 2026، الدكتور فيصل المنصوري، أستاذ في برنامج الإدارة العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم محاضرة بعنوان "البيروقراطية والسياسات العامة وتأثيرهما في ديناميات النزاعات الاجتماعية: مقارنة بين الشمال والجنوب العالميَّين"، تناول فيها العلاقة المعقدة بين الإدارة العامة والسياسات العامة من جهة، والتهميش الاجتماعي والعرقي وما يترتب عليه من توترات ونزاعات من جهة أخرى.
استهل الباحث السيمنار بطرح سؤالين محوريين: الأول يتعلق بمدى إسهام تهميش الفئات الاجتماعية، ولا سيما العرقية منها، داخل الإدارة العامة والسياسات العامة، في تحفيز الصراعات الاجتماعية. أما الثاني فيتعلّق بديناميات العلاقة بين الإدارة العامة والصراع الاجتماعي واختلافها بين دول الشمال ودول الجنوب العالميَّين. وأشار إلى أن هذا البحث لا يزال قيد الإنجاز، وأنه يمثل فصلًا من كتاب يعمل على إعداده، وهو مشروع مشترك مع الدكتور حامد علي.
انطلق المنصوري من مفهوم "الفجوة بين الدولة والمجتمع"، التي عرّفها بوصفها وجود تباعد بين المؤسسات الرسمية واحتياجات المجتمع. وأوضح أن هذه الفجوة تتبلور من خلال عدة مظاهر؛ منها: اختلالات التمثيل السياسي والإداري، وضعف تجاوب المؤسسات مع حاجات مجتمعاتها، وانتشار التهميش الاجتماعي والاقتصادي، وضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية، فضلًا عن تأثير النخب التي تتحكم في صناعة القرار من خارج الأطر المؤسسية الرسمية. وأكد أن هذه الفجوة تُسهم في تأجيج التوترات وقد تفضي إلى اندلاع العنف، سواء ضد الأفراد أو ضد مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، استعرض المنصوري بيانات من قاعدة بيانات تغطي الفترة 1945-2020، تتعلق بالعنف العرقي ضد الأفراد وضد الدولة في مجموعة واسعة من دول الشمال والجنوب. وكشفت البيانات عن اتجاه تصاعدي عام للعنف، مع وجود فجوة مستمرة بين مستويات العنف ضد الأفراد، الذي ظل أعلى بشكل متسق، والعنف ضد الدولة. وأظهرت تباينات واضحة بين الشمال والجنوب: ففي التسعينيات، شهدت دول الشمال تراجعًا ملحوظًا في اتجاهات العنف، وهو ما ربطه الباحث بانهيار الاتحاد السوفياتي وظهور دول عرقية جديدة. أما في دول الجنوب، فقد ظل العنف ضد المؤسسات العامة أعلى مستوى من العنف ضد الأفراد، مع تراجع نسبي بدءًا من التسعينيات نتيجة محاولات الدول احتواء الحركات المسلحة وتفكيكها.
وتوقف المنصوري عند آليات تأثير الإدارة العامة والسياسات العامة في التهميش والتوترات، مؤكدًا أن السياسات العامة ليست محايدة بطبيعتها، فإما أن تُسهم في دمج المجتمع وتقليل التهميش، أو تُعمّق التفاوتات وتزيد التوترات. وأشار إلى أن الإدارة العامة، بوصفها الجهاز التنفيذي للدولة، تؤثر في التهميش من خلال قنوات عدة، منها: توزيع القوى العاملة، وتوزيع البرامج والخدمات العامة، وصياغة السياسات ذاتها.
وخصّص المنصوري جزءًا من السيمنار لنظرية "البيروقراطية التمثيلية"، التي تقوم على فكرة أن القوى العاملة في الإدارة العامة ينبغي أن تعكس في تركيبتها تركيبة المجتمع. وميّز بين ثلاثة أنماط من البيروقراطية: السلبية التي يوجد فيها تمثيل شكلي دون فاعلية، والرمزية التي تخلق إحساسًا بالتمثيل لدى المواطنين، والناشطة التي تدفع فيها الفئات المختلفة نحو تحقيق مصالحها داخل الجهاز البيروقراطي. واستعرض آليات إدارة النزاع المقترحة، ومنها: الديمقراطية الليبرالية مستندًا إلى أعمال عزمي بشارة، والحل الفيدرالي، واللامركزية. وأشار إلى أن اللامركزية تظل حلًا محليًا لا يعالج بالضرورة إشكاليات الهيمنة على المستوى المركزي.
وختم المنصوري بتقديم نموذج تحليلي يربط بين أنماط التهميش (الإقصاء، وانعدام السلطة، والتمييز) وأنماط التمكين (الشراكة بمستوياتها المختلفة)، وتأثير ذلك في نتائج تراوح بين الاستقرار والنزاع، داعيًا إلى تبنّي مقاربة "الحوكمة الشاملة" التي تمنح الفئات المهمّشة مشاركة فعلية ليس في القوى العاملة فحسب، بل أيضًا في صنع القرار.
وقد عقّب على المحاضرة الدكتور تامر قرموط، الأستاذ المشارك في برنامج الإدارة العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا، مشيدًا بقوة الإطار التحليلي الذي قدّمه المنصوري وجرأة الربط بين السياسة والإدارة والتهميش والصراع. غير أنه أثار عددًا من الملاحظات، أبرزها ضرورة توضيح العلاقة بين قاعدة البيانات المستخدمة والإطار النظري، والحاجة إلى تعريف أدق لمفهوم "الجنوب العالمي" نظرًا إلى تنوع السياقات داخله. وتساءل عمّا إذا كان التركيز على التهميش العرقي وحده كافيًا، مشيرًا إلى وجود أشكال أخرى من التهميش كالطائفي والجهوي والطبقي. ونبّه إلى أهمية مراعاة العوامل الخارجية كدور المانحين والتدخلات الدولية في تشكيل مشهد الدولة والعقد الاجتماعي في دول الجنوب.
وقد شهد السيمنار نقاشًا ثريًا حول العلاقة بين البيروقراطية والسياسات العامة والنزاعات الاجتماعية، وآليات إدارة التنوع العرقي في سياقات الشمال والجنوب العالميَّين، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، إضافة إلى أساتذة وطلبة من معهد الدوحة للدراسات العليا.