استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 20 أيار/ مايو 2026، الدكتور طارق دعنا، الأستاذ المشارك ورئيس برنامج إدارة النزاعات والعمل الإنساني في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم محاضرة عنوانها "اتفاقيات أبراهام: نحو هندسة هرميات وتبعيات جديدة"، تناول فيها كيفية تحوّل هذه الاتفاقيات إلى منظومة لإعادة هندسة النظام الأمني الإقليمي، وعقّب على المحاضرة الدكتور عمر ضاحي، أستاذ الاقتصاد في كلّية هامبشاير.
استهل دعنا محاضرته بطرح إشكالية مركزية تتمثل في كيفية تعمّق المنظومة الأمنية التي أسستها اتفاقيات أبراهام في وقت تتفاقم فيه الأزمات السياسية والأخلاقية المرتبطة بها، ولا سيما في سياق حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة وتصاعد العدوان الإسرائيلي على المنطقة. وأشار إلى أن مسار العلاقات العربية - الإسرائيلية يكشف عن استمرار مستويات متقدمة من التنسيق والتكامل الأمني، بل تعمّقها أيضًا، وأن تفسير هذه الظاهرة يستلزم تفكيك البنية المادية والمؤسسية التي أنتجتها الاتفاقيات، وليس الاكتفاء بتحليل الخطاب السياسي والدبلوماسي.
وأوضح المحاضِر أن اتفاقيات أبراهام ليست تسوية دبلوماسية أو عملية تطبيع تقليدية فحسب، بل إنها تمثّل جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة النظام الأمني الإقليمي عبر بناء شبكات تبعية متداخلة أمنيًا وتقنيًا وماليًا واستخباراتيًا. وفي هذا الشأن، خصّص جزءًا من محاضرته لمناقشة تجارة السلاح، مؤكدًا أنها لا تتحدّد في كونها علاقة تعاقدية ثنائية فحسب، بل إنها أيضًا عملية مركّبة تمتد من البحث والتطوير والتمويل إلى التصنيع والتوريد، وصولًا إلى التدريب والصيانة والتحديثات التقنية وتبادل البيانات. ولفت الانتباه إلى أن هذه التجارة لم تَعُد مقتصرة على الأسلحة التقليدية، بل صارت تشمل التكنولوجيا الأمنية والاستخباراتية وبرمجيات المراقبة وأنظمة الأمن السيبراني؛ على نحو يجعلها أداةً لإعادة تشكيل البنية الأمنية والمؤسسية للدول المنخرطة فيها.
وانتقل المحاضِر إلى تقديم مفهوم "امتياز الأمن الإمبريالي" الذي اقترحه لفهم البنية التي أفرزتها الاتفاقيات. وحدّد ثلاثة مستويات لهذه المنظومة الهرمية: تتصدّر الولايات المتحدة قمَّتها بوصفها القوة المهيمنة التي تضع الإطار الاستراتيجي العام، وتأتي إسرائيل في المستوى الثاني بوصفها الحامل الإقليمي لهذا الامتياز، في حين تشكّل الدول العربية المطبّعة المستوى الثالث؛ فهي تعمل بوصفها "مشغّلات مرخّصة" تستضيف البنية التحتية للنظام وتموّله بنفسها عبر استيراد السلاح ودفع تكاليف الصيانة والتحديث وضخّ الاستثمارات في الصناعات الأمنية الإسرائيلية.
وأكد المحاضِر أن مركزية إسرائيل في هذه المنظومة تستند إلى ثلاثة عناصر مترابطة: حجم الدعم العسكري الأميركي غير المسبوق الذي بلغ نحو 300 مليار دولار منذ عام 1946، وسياسة "التفوّق العسكري النوعي" المكرّسة قانونيًا في التشريع الأميركي، وهي تضمن احتفاظ إسرائيل بتفوق دائم على جميع دول الإقليم، وما وصفه بـ "المختبر الاستعماري" الذي تشكّله الأراضي الفلسطينية المحتلة فضاءً لاختبار تقنيات المراقبة والسيطرة والطائرات المسيّرة قبل تسويقها دوليًا تحت شعار "مجرّبة ميدانيًا".
وتوقف المحاضِر عند ثلاث حالات تكشف عن أنماط متقدمة من الاندماج البنيوي: الحالة الإماراتية التي وقّعت فيها أبوظبي عقدًا قيمته 2.3 مليار دولار مع شركة إلبيت سيستمز، فضلًا عن استثمارات صندوق "مبادلة" في شركات الابتكار الأمني الإسرائيلية، والحالة المغربية التي باتت فيها إسرائيل ثاني أكبر مورّد للسلاح للمملكة مع افتتاح مصنع للطائرات المسيّرة الانتحارية في بنسليمان، والحالة البحرينية التي اتخذ فيها التكامل طابعًا استخباراتيًا ورقميًا عبر مشروع "القبة الحديدية السيبرانية". وخلص إلى أن هذه الاتفاقيات تؤسّس لبنية تبعية متعددة المستويات تقنيًا ومؤسسيًا ومعرفيًا واقتصاديًا؛ بحيث يصبح الانفصال عنها مكلفًا، وتتحوّل النخب المستفيدة منها إلى قوة تمانع تفكيكها.
وفي تعقيب الدكتور عمر ضاحي على المحاضرة، أشاد بأهميتها، مؤكدًا أنها تكشف عن أن أنماط التسلّح والعسكرة ليست انعكاسًا للاقتصاد السياسي العالمي، بل هي مكوّن أصيل من مكوّناته يُسهم في بناء العلاقات الاجتماعية والسياسية وإعادة إنتاجها، وأنها تؤسّس لنوع جديد من النظام الإقليمي يمكن وصفه بـ "إمبريالية السلام". غير أن ضاحي طرح تساؤلًا جوهريًا يتصل بالسياق التاريخي الأوسع للتدخّل الأميركي في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة اعتمدت تاريخيًا في الشرق الأوسط على ركائز بديلة من المنصّات المتعددة الأطراف التي بنتها في أوروبا وأميركا اللاتينية، مثل بريطانيا وشركات النفط الغربية والعلاقات الثنائية مع السعودية وإيران قبل الثورة الإسلامية وإسرائيل. ورأى أن تآكل هذه الركائز منذ نهاية السبعينيات هو ما دفع إلى تصاعد التدخّل العسكري الأميركي المباشر، متسائلًا عمّا إذا كانت اتفاقيات أبراهام تمثّل المحاولة الأميركية الأولى لإنشاء منصّة متعددة الأطراف في المنطقة، وهو ما قد يعدّل من مفهوم "امتياز الأمن الإمبريالي"؛ بحيث يبقى الدور الإسرائيلي تابعًا في نهاية المطاف للمصالح الأميركية. واقترح ضاحي الانفتاحَ على الأدبيات النظرية المقارنة، ومنها مفهوم "الإمبريالية الفرعية" عند المفكر البرازيلي روي ماورو ماريني، لاختبار مدى تفرّد الحالة الإسرائيلية مقارنةً بحالات أخرى في العالم.
وقد شهد السيمنار نقاشًا ثريًّا حول البنية الأمنية لاتفاقيات أبراهام، وحدود التبعية والاستقلالية في علاقات التطبيع، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، إضافةً إلى أساتذة وطلبة من معهد الدوحة للدراسات العليا.