باحثة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومدير ة تحرير دورية "أسطور" للدراسات التاريخية.
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 13 أيار/ مايو 2026، الباحثة في المركز العربي آيات حمدان، التي قدّمت محاضرة بعنوان "من ’جزّ العشب‘ إلى ’عقيدة الانتقام‘: الحرب الإسرائيلية على المخيمات في الضفة الغربية (2022-2026)"، تناولت فيها التحوّل البنيوي الذي طرأ على العقيدة الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية بعد هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وأثره في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، استنادًا إلى عدد من المقابلات الميدانية التي أُجريت عام 2026 مع لاجئين من مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم وبلاطة والعين.
انطلقت الباحثة في عرضها من تفكيك الافتراض الذي قامت عليه استراتيجية "جزّ العشب" التي صاغها فرايم إنبار وإيتان شامير، والتي اعتبرت العنف وسيلةً لإدارة التهديد لا للقضاء عليه. وأوضحت أن هذا الافتراض انهار بعد تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وأن ما حلّ محله ليس تصعيدًا في الوسائل فحسب، بل إعادة تعريفٍ للهدف من احتواء المجتمع الفلسطيني إلى تدميره أيضًا. وأطلقت على هذا التحوّل اسم "عقيدة الانتقام"، التي تتشكّل من تداخل ثلاثة مسارات داخل التفكير الأمني الإسرائيلي، هي: الردع بالعقاب، والتدمير النموذجي القابل للتكرار كعقيدة الضاحية، ونموذج إدارة السكان.
وفي هذا السياق، طوّرت الباحثة مفهومًا مواكبًا أسمته "العنف الإبادي المتدرج"، موضحةً أن عقيدة الانتقام لا تعمل عبر تطبيق متجانس للقوة، بل عبر إنتاج تدرّج مقصود في مستويات التدمير بين المخيمات، بحيث يتحوّل تدمير مخيمٍ ما إلى أداة ضغط على المخيمات الأخرى. وأكدت أن الإبادة الجماعية في غزة شكّلت اللحظة التأسيسية لهذه العقيدة؛ إذ أعادت معايرة سقف العنف الممكن داخل العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وحوّلت "نموذج غزة" من حدث استثنائي إلى أفق مرجعي يُعاد تطبيقه في الضفة الغربية.
وحدّدت الباحثة خمس آليات متشابكة تعمل من خلالها هذه العقيدة. تتمثّل الأولى في إنتاج الخوف بوصفه بنية تنظيمية يومية تُعيد تشكيل الزمن والحركة والعلاقات، لا استجابةً عاطفيةً لحدث عابر؛ إذ كشفت الشهادات الميدانية كيف تحوّل الخوف إلى استجابة جسدية مُدمجة في الروتين اليومي، تمتدّ إلى الأطفال وإلى داخل البيوت.
أمّا الآلية الثانية، فهي التحوّل من العقاب الفردي إلى العقاب الجماعي؛ إذ انفصل العنف عن أي منطق أداتي يرتبط بسلوك الخصم. وتمثّلت الآلية الثالثة في التهجير، بوصفه تفكيكًا للنموذج الاجتماعي القائم على الانتماء والحماية، لا إزاحة مكانية فحسب. وأشارت إلى الآلية الرابعة المتعلقة بالسيطرة على الجسد والمكان، عبر إجراءات الترقيم والتفتيش الجسدي ونقاط التفتيش المتعددة، بوصفها أدوات لإعادة تعريف علاقة اللاجئ بحقه في الوجود.
وخصّصت الباحثة الآلية الخامسة لاستهداف المخيم ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا"، معًا، باعتبارهما الحاملَين الماديَّين والقانونيَّين لقضية اللاجئين. وأوضحت أن الحرب على الأونروا، التي تسارعت بصورة غير مسبوقة بعد تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تتقاطع بنيويًا مع الحرب على المخيمات؛ إذ يستهدف الطرفان معًا إنهاء قضية اللاجئين عبر تدمير حواملها المادية والقانونية. وخلصت الباحثة إلى أن "عقيدة الانتقام" تستهدف بالضبط ما يمنح الفلسطيني إمكانية الحياة الجماعية على أرضه، وأن الخوف فيها يتحوّل من نتيجة للعنف إلى تقنية حكم مستقلة.
وعقّب على المحاضرة الدكتور ساري حنفي، الأستاذ الزائر في قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في معهد الدوحة للدراسات العليا، فأشاد بالعمل الميداني الذي أنجزته الباحثة، وبقدرة الورقة على تحليل العنف ضمن سلسلة منطقية متماسكة لا وصفه فحسب. وأشار إلى أن ما تطرحه الباحثة يتجاوز ما طرحه في كتابه المشترك مع عدي أوفير بعنوان "سلطة الإقصاء الشامل: تشريح الحكم الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة" الصادر عام 2009، حيث وصف "العنف المعلّق" والتطهير المكاني بأنهما سمتين للعنف الكولونيالي الاستيطاني آنذاك، في حين تكشف الورقة عن تحوّل نوعي في طبيعة هذا العنف.
غير أن المعقّب أبدى تحفّظًا منهجيًا على مفهوم "العنف الإبادي المتدرج"، مؤكدًا أن الإبادة الجماعية مفهوم قانوني ينبغي عدم تمييعه. واقترح اعتبار ما يجري في الضفة الغربية "عنفًا إباديًا" بصفته جزءًا من إبادة جماعية شاملة تستهدف الفلسطيني بوصفه فلسطينيًا. وتحفّظ على مصطلح "عقيدة الانتقام"، مقترحًا الاستعاضة عنه بمفهوم "العنف الجماعي البنيوي". واقترح كذلك توسيع الورقة لتشمل تحليل الخطاب الإعلامي والسياسي الإسرائيلي، لإظهار التوازي بين ما يشعر به الفلسطيني وما يُنتجه الخطاب الإسرائيلي الممنهج، لا سيما في ضوء تأييد نحو 88 في المئة من الإسرائيليين خيار الإبادة الجماعية.
وقد شهد السيمنار نقاشًا ثريًّا حول التحوّلات البنيوية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، والعلاقة بين العنف الاستعماري وإعادة إنتاج الهيمنة، ومستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، إضافة إلى أساتذة معهد الدوحة وطلبته.