Author Search

رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

سجال الدولة العربية موضوعًا لسيمنار المركز العربي
حيدر سعيد
أدهم صولي
عبد الفتاح ماضي

​استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 6 أيار/ مايو 2026، الدكتور حيدر سعيد، رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي قدّم محاضرة بعنوان "في انتظار الدولة: السجال على الدولة ما بعد الثورات العربية، من منصات الفكر إلى الشارع"، تناول فيها تحولات مقاربة الدولة في الفكر السياسي العربي في أعقاب موجة الثورات التي شهدتها المنطقة منذ عام 2011، ساعيًا للكشف عن أثر هذه الثورات في طريقة تناول الفكر العربي لمسألة الدولة.

استهل الباحث محاضرته بالإشارة إلى أن عنوان الورقة مقتبس من مسرحية صموئيل بكيت الشهيرة "في انتظار غودو"، موضّحًا أن البحث يتوزع على ثلاثة محاور رئيسة: 1. الإرث العربي في مقاربة الدولة، 2. موقع المسألة في الفكر السياسي العربي ما بعد ثورات 2011، 3. الدولة بوصفها مطلبًا احتجاجيًا. وانطلق من فرضية أساسية مفادها أن الدولة التي كانت الجماهير العربية تشتكي من شدتها وبطشها وقسوتها في تلك الثورات، قد باتت اليوم موضوع نوستالجيا جماعية، بعد أن تبدّدت تلك الشدة إلى طيف واهن.

​وفي عرضه للسردية التاريخية، أوضح الباحث أن الفكر العربي قدّم أدبيات متعددة رافقت تأسيس الدولة العربية الحديثة وكانت جزءًا من عملية التأسيس ذاتها، غير أن انقطاعًا طويلًا أعقب ذلك مع حلول حقبة الأنظمة العسكرية والسلطوية. ومنذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، أخذت تظهر شكوى مستمرة من إهمال الفكر العربي لمسألة الدولة، تزامنت مع ما عُرف غربيًا بـ "عودة الدولة" إلى طاولة العلوم الاجتماعية. وأشار إلى أن أصحاب هذه الشكوى يفسّرون قلة العناية العربية بالدولة بأن المثقفين العرب اتخذوا موقفًا عدائيًا تجاه الدولة العربية الحديثة الناشئة في سياق استعماري، فنظروا إليها من منظور أيديولوجي بوصفها ناتجًا استعماريًا.


​ولفت الباحث إلى أن العلوم الاجتماعية الغربية كانت أكثر اهتمامًا بدراسة الدولة العربية، غير أن البردايم السلطوي هيمن على مقاربتها؛ إذ انصرفت منذ مطلع السبعينيات إلى تحليل النظم السلطوية العربية. وبيّن أن هذه الأدبيات لم تُترجم إلى العربية إلا في حدود ضيقة.

وانتقل إلى المحور الثاني، مبيّنًا أن التنظير العربي يكاد يجمع على أن المجتمعات العربية انتقلت، مع لحظة الثورات، من نموذج "الدولة المفرطة" إلى حالة تشظٍّ سمّاها فالح عبد الجبار "اللادولة"، وأن الفكر السياسي العربي تحرّك بين قطبين حدّيين: الدولة السلطوية القوية، والدولة الضعيفة الفاشلة. وأكد أن إعادة توصيف الدولة السلطوية مرادفًا للدولة القوية، في إطار تقابلها المستجد مع الدولة الضعيفة، أفسحت المجال لأطروحة "عودة الدولة" التي ظهرت بعد تعثّر العمليات الانتقالية، بحيث باتت الدولة "العائدة" أو المسترَدّة هي ذاتها الدولة السلطوية التي كانت موضوع تشريح في العلوم السياسية الغربية، فأصبحت موضوع تبشير في تيار من الفكر السياسي العربي. وحدّد الباحث مصدرَين رئيسَين للدفاع عن الدولة في الفكر السياسي العربي الراهن: يتمثّل أولهما في الموقع السلطوي، ويُمثّله علي الدين هلال في كتابه عودة الدولة (2015). أمّا المصدر الثاني، فيتبنى موقفًا مناهضًا للنيوليبرالية، ويتجلى في كتابات عزمي بشارة وعزيز العظمة.

وفي المحور الأخير، خصّص الباحث الحديث للدولة بوصفها مطلبًا احتجاجيًا، مقدّمًا أطروحة مفادها أن كثيرًا من الحركات الاحتجاجية في المنطقة، خلافًا للقراءة السائدة، لم تكن ردّ فعل على "الإفراط في الدولة"، تبعًا لاستعارة نزيه الأيوبي، بل على "التفريط فيها"، أي على فشلها وضعفها وغيابها. واستشهد بحركة تشرين الأول/ أكتوبر 2019 في العراق التي انطلقت من مطالب خدماتية وتوظيفية، وباحتجاجات لبنان في الخريف ذاته التي رفعت شعار "كلّن يعني كلّن"، في تمايز دلالي واضح من شعار 2011 "الشعب يريد إسقاط النظام". وخلص إلى أن ثمة تناسبًا عكسيًا بين قوة الدولة ونشاط الحركات الاحتجاجية في هذا النمط من الحالات، وأن الحركة الاحتجاجية هي، في جوهرها، محاولة لاستعادة الدولة وإحدى تجليات "الدولتية" ثقافةً ونزعة سياسية.

وفي تعقيبه على المحاضرة، أبدى الدكتور أدهم صولي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ورئيس برنامج الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا، تساؤلات منهجية حول دلالة مفهوم "الفكر العربي"، مشيرًا إلى أن معظم الأدبيات التي استعرضها الباحث تستند إلى أُطر نظرية غربية. واقترح مقاربتين لفهم الدولة: المعيارية، أو السوسيولوجية التاريخية، مؤكدًا ضرورة تحديد المقصود بـ "الدولة" قبل الانخراط في النقاش حول علاقتها بالحركات الاحتجاجية. وتحفّظ أيضًا على قراءة احتجاجات 2019 بوصفها مطالبة باستعادة الدولة، معتبرًا أن مطالبها كانت أكثر تعقيدًا، وراوحت بين الاعتراض على الطبقة السياسية والطائفية في لبنان، والمطالبة بالحقوق والخدمات في العراق.

وقد شهد السيمنار نقاشًا مستفيضًا حول تحولات الفكر السياسي العربي في تناوله لمسألة الدولة بعد الثورات، وحول العلاقة بين ضعف الدولة وصعود الحركات الاحتجاجية، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، إضافة إلى أساتذة معهد الدوحة للدراسات العليا وطلابه.