Author Search

​أستاذ مساعد في العلاقات الدولية في قسم الدراسات الدولية بجامعة شيآن جياوتونغ – ليفربول​.​​

السيمنار
محسن صلحدوت
عماد منصور
عائشة البصري

​​​​استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، الأربعاء 18 شباط/ فبراير 2026، الدكتور محسن صلحدوت، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية في قسم الدراسات الدولية بجامعة شيآن جياوتونغ – ليفربول، الذي قدّم محاضرة بعنوان "التنافس الدبلوماسي الأميركي الصيني في الشرق الأوسط: الدور والخطاب (2011-2024)". تناول فيها كيفية بناء التنافس بين هاتَين القوتَين بوصفه مشروعًا خطابيًا متنازعًا عليه، لا محض منافسة مادية على التجارة والنفوذ، مع إبراز دور الفاعلين الإقليميين في الاعتراف بأدوار القوتَين أو منازعتهما أو الموازنة بينهما. وعقّب على المحاضرة الدكتور عماد منصور، الأستاذ المساعد في برنامج الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا.

استهلّ صلحدوت عرضه بملاحظة أن جزءًا كبيرًا من الأدبيات حول التنافس الأميركي الصيني في الشرق الأوسط يميل إلى التركيز على مؤشرات "القوة الصلبة" والروابط الاقتصادية والتجارية. في المقابل، اقترح مقاربة بنائية تدرس التنافس بوصفه إنتاجًا سرديًا وخطابيًا؛ أي باعتباره تنافسًا يحتاج إلى رواية وتبرير وإضفاء شرعية عليه، ويحدد عبر ذلك ما الذي يبدو "طبيعيًا" أو "ضروريًا" في صنع السياسة الخارجية. وأكد أن الغاية ليست استبدال التحليل المادي بتحليل خطابي، بل فهم كيف تُشرعن السرديات الدبلوماسية الأدوار التي تدّعيها القوى الكبرى، وكيف تُفاوض هذه الأدوار عبر تفاعلات خطابية مع دول المنطقة.

انطلقت المحاضرة من سؤالين مترابطين: كيف تبني الخطابات الدبلوماسية الأميركية والصينية أدوارًا استراتيجية وتبررها؟ وكيف يتعامل الفاعلون الإقليميون مع هذه الادعاءات، فيقبلون بعضها أو يطعنون فيها أو "يُوازنُون" بينها عبر سياسات التحوط؟ وقدم صلحدوت ثلاثة استنتاجات رئيسة: أولًا، تُفهم المنافسة على نحو أفضل بوصفها مشروعًا خطابيًا متنازعًا عليه، لا بوصفها معطى مسلّمًا به. ثانيًا، يتشكل التنافس حول نمطين مستقرين نسبيًا من "أداء الدور"، يتمثلان في تقديم الولايات المتحدة الأميركية نفسها بوصفها حامل "المعايير الديمقراطية" وشريكًا أمنيًا، وتقديم الصين نفسها بوصفها "شريكًا تنمويًا" يركز على التنمية والبنى التحتية. ثالثًا، ليست دول المنطقة جمهورًا سلبيًا، بل تساهم في "كتابة" الأدوار عبر الاعتراف والرفض والتحوط، بما يؤثر في كيفية أداء الولايات المتحدة والصين أدوارهما.​


​​ واستند صلحدوت إلى "نظرية الأدوار" في العلاقات الدولية، التي تفترض أن للدول "قائمة أدوار" محتملة، تختار منها ما يتناسب مع قدراتها وموقع​ه​ا النسبي في النظام الدولي، وأن القوى الكبرى تمتلك هامشًا أوسع للاختيار مقارنة بالدول الأصغر، لكن ذلك لا يلغي إمكان منازعة الأدوار أو إعادة التفاوض عليها من جانب فاعلين آخرين. وميّز بين أنماط استجابة إقليمية متعددة: الاعتراف بدور قوة كبرى (مثل قبولها مزودًا للأمن)، أو منازعة هذا الدور ورفضه، أو التحوط عبر توزيع العلاقات والمصالح بين قوتين متنافستين، كما في الجمع بين الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة وتعميق الشراكة التجارية مع الصين. اعتمدت الدراسة على منهج التحليل النقدي للخطاب Critical Discourse Analysis، وذلك لعدد كبير من النصوص: خطابات وتصريحات رفيعة المستوى ووثائق استراتيجية للولايات المتحدة والصين، ومداخلات في الأمم المتحدة ومجلس الأمن. أما بالنسبة إلى دول المنطقة، فركزت على عدد من النصوص البارزة في السياسات الخارجية، التي تتضمن إحالات واضحة إلى أدوار الولايات المتحدة والصين.

وقسّم صلحدوت الفترة المدروسة إلى ثلاث مراحل: تعد المرحلة الأولى (2011-2016) مرحلة "التحول نحو آسيا" أميركيًا مع انطلاق "مبادرة الحزام والطريق" الصينية، والذي تزامن مع سياق ما بعد الربيع العربي. وفي المرحلة الثانية (2017-2022) برزت إدارة دونالد ترمب بوصفها حالة فارقة في اللغة السياسية، مع استمرار الأسس العامة للدور الأميركي، مقابل تعزيز حضور الصين وملامح دورها في منطقة الشرق الأوسط. وفي المرحلة الثالثة (2021-2024) أصبحت سياسات التحوط الإقليمي أكثر وضوحًا في الخطابات، بالتوازي مع التغييرات التي طرأت على النظام الدولي.

رأى عماد منصور في تعقيبه، أن الدراسة تقدم إسهامًا مهمًا في دراسة التنافس الأميركي الصيني عبر إبراز كيف يُبنى التنافس خطابيًا ويُفاوض عليه. وتوقف عند تمييز صلحدوت بين "التنافس الاستراتيجي" و"الخصومة"، مطالبًا بتحديد أكثر صرامة للفارق بين المفهومين وما يترتب عليه نظريًا، مقترحًا الانفتاح على أدبيات "الخصومة" بوصفها حقلًا بحثيًا قائمًا بذاته بعيدًا عن حقل العلاقات الدولية. وركز على نقاط تتصل بنظرية الدور وبفكرة "الجمهور". فمع أهمية إبراز "فاعلية" الكيانات الإقليمية، تساءل عن كيفية تصور دور هذه الكيانات أو الدول، ذلك أن دول المنطقة ليست كتلة واحدة، بل جمهورًا مجزأً يمتلك توقعات متباينة. ودعا إلى توضيح مفهوم "السرديات" المستخدمة، والتمييز بين السرديات عمومًا و"السرديات الاستراتيجية" التي تُستخدم تسويقيًا وأداتيًا، مع مساءلة آليات تماسك "مبادرة الحزام" وكيف ولماذا تتغير؟ وتناول أيضًا مسائل منهجية؛ منها قابلية المقارنة بين نصوص دول ونصوص منظمات إقليمية تصدر عادة بصيغة تفاوضية، فضلًا عن أثر لغة الإنتاج؛ لأن كثيرًا من الفاعلين يوجّهون رسائلهم بالعربية أو الفارسية أو الصينية، بينما يحمل الخطاب بالإنكليزية افتراضات مختلفة حول الجمهور المقصود والإشارة السياسية.

وقد شهد السيمنار نقاشًا شارك فيه باحثون وطلبة من معهد الدوحة للدراسات العليا والمركز العربي، تناول حدود التحليل الخطابي في تفسير التنافس بين القوى الكبرى، وكيفية قياس أثر "الاعتراف" الإقليمي في شرعنة الأدوار التي تمارسها القوى العظمى مثل الصين والولايات المتحدة، وإمكانات الجمع بين تتبع السرديات الدبلوماسية ومؤشرات القوة المادية لفهم التحولات في سياسات المنطقة في الفترة 2011-2024.