باحثة في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني.
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الأربعاء 30 أيلول/ سبتمبر 2026، منى هداية، باحثة في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني. وخلال ذلك، قدّمت مشروعها البحثي "العمل عن بُعد في غزة بعد الحرب: الصمود، والتعافي المبكر، واستدامة سبل العيش"، وفيه تناولت فُرص توظيف العمل عن بُعد بوصفها مسارًا لتعافي سُبل عيش الشباب في غزة على نحو مبكر، والتحديات والشروط اللازمة لاستدامته. وشارك في التعقيب على السيمنار تامر قرموط، أستاذ السياسات العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا.
انطلقت الباحثة من مفارقة مفادها أن العمل عن بُعد، على الرغم من ظهوره نشاطًا قادرًا على تجاوز القيود المكانية، يظل معتمدًا على منظومة مادية ومالية ومؤسسية تتيح الوصول إلى السوق، وإنجاز المهمات، وتلقِّي المقابل، والحفاظ على ثقة العميل. وأوضحت أن هذا النمط لم ينشأ مع الحرب الأخيرة، بل تبلور خلال سنوات الحصار بالتوازي مع ضيق سوق العمل وقيود الحركة والتجارة وارتفاع نسبة البطالة، واكتسب حضورًا أكثر تنظيمًا عبر منصات العمل الحر والتعهيد الخارجي والحاضنات ومساحات العمل، مع بقاء توسُّعه مقيدًا بانهيار البنية التحتية؛ من كهرباء واتصال بالإنترنت، وافتقار إلى مُعدات وقنوات دفعٍ سهلة.
واعتمد المشروع مقاربةً نوعية متعددة المصادر، جمعت مراجعة الأدبيات والتقارير والمواد الأولية المنشورة، فضلًا عن 25 مقابلة شبه مهيكلة أُجريت في الفترة آب/ أغسطس-تشرين الأول/ أكتوبر 2025. وقد شملت المقابلات عاملين وعاملات عن بُعد من غزة، وقائمين على مبادرات ومساحات عمل، وخبراء تنمويين، ومشغّلين خارجيين. وحُللت البيانات موضوعاتيًّا، مع مقارنة بعض النتائج بالمصادر والمؤشرات المتاحة. واسترشد التحليل بثلاث "عدسات" مترابطة، هي: المرونة النقدية والرشيقة، والوكالة تحت القيد، وإطار سُبل العيش الرقمية؛ لفهم التكيف مع الصدمة، ومعنى العمل من الناحيتَين الاجتماعية والسياسية، والشروط التي تُحوِّل المهارة إلى دَخلٍ.
وبيّنت الباحثة أن غزة راكمت قبل الحرب خبرات في البرمجة والتصميم والترجمة والتسويق والخدمات الرقمية، لكن الحرب دفعت هشاشة النموذج إلى أقصاها؛ فقد عطّل انقطاعُ الكهرباء والاتصال العملَ والتعلم الرقميَّن، وتضررت مساحات كانت توفر بيئة التشغيل، وخسر عاملون عقودًا، أو تعذَّر عليهم التواصل وتسليم أعمالهم. وفي المقابل، ظهرت ترتيبات تكيفية؛ منها إنشاء بعض الشركات فرقًا موازية خارج غزة، وتحويل الشرفات والمقاهي والخيام والمساحات الساحلية إلى أماكن عملٍ تستخدم الطاقة الشمسية ووسائل اتصال بديلة. غير أن هذه القدرة على مواصلة العمل في ظروف استثنائية لا تعني أن شروطه غدت مستقرة أو قابلة للتوسع.
وربطت الباحثة بين البنية التشغيلية والثقة التعاقدية؛ فالكهرباء والاتصال لا يقتصران على تشغيل الأجهزة، بل يحدّدان إمكان حضور الاجتماعات وإرسال الملفات والالتزام بالمواعيد؛ ومن ثم الصورة التي يُكوِّنها العميل عن موثوقية العامل. وظهرت المشكلة على نحو أوضح في المدفوعات؛ إذ دفعت صعوبة استخدام بعض بوابات الدفع وتعطل البنية المصرفية عاملين إلى الاستعانة بوسطاء وأقارب خارج القطاع، في حين راوحت تكلفة السحب النقدي، في حالاتٍ وثَّقها المشروع، بين 30 و57 في المئة من قيمة المبلغ. وهكذا، فإنّ إنجاز العمل لا يضمن قدرةَ العامل على الوصول إلى ثمرة عمله.
وقد أشارت الباحثة إلى أن التدريب التقني وحده لا يعالج هذه الفجوة، لأن تحويل المهارة إلى مَوردٍ يقتضي الوصول إلى العميل، وإثبات الجودة، والتعاقد، والتسليم، والامتثال، وتلقِّي المقابل. ومن هنا، تبرز أهمية الشبكات المهنية والوساطة المؤسسية ونماذج التشغيل بين الشركات؛ إذ تتولى جهة محلية أو إقليمية إدارة الجودة والعقود والدفع والامتثال نيابةً عن فِرق العمل. ويسمح ذلك بإعادة توزيع المخاطر بدلًا من أن يتحمَّلها الفرد، ونَقْل بعض العلاقات من منطق التعاطف إلى عقود مهنية أكثر انتظامًا، مع بناء تنافسية تقوم على الجودة والتخصص والالتزام، لا على انخفاض السعر وحده.
ولفتت الباحثة الانتباه إلى أن قيمة العمل عن بُعد لا تقتصر على الدخل، بل تشمل أيضًا استعادةَ قدرٍ من الفاعلية والكرامة المهنية والهوية والصلة بالعالم الخارجي. وربطت بين استمرار العمل والمعنى الذي يمنحه للأفراد في مواجهة التهميش والارتهان للمعونة. لكنّ ذلك يظل متفاوتَ الإتاحةِ بين التخصصات والفئات، ويتطلب أجهزة واتصالًا وشبكات لا تتوافر على نحو مُتساوٍ، في وقت تتأثر فيه بعض النساء بمقدار أكبر؛ بسبب التداخل بين انقطاعات الخدمات وقيود التنقل ومسؤوليات الرعاية. ولذلك، حذّرت من إضفاء "طابع رومانسي" على الصمود، أو تحميل الأفراد مسؤوليةَ تجاوزِ البنى المقيدة، مؤكدةً أن هذا المسار قد يوسّع مجال الفعل، لكنه لا يمثّل بديلًا من الإغاثة والإعمار ورَفْع القيود وإعادة بناء الاقتصاد المحلِّي.
خلصت هداية إلى أن العمل عن بُعد يمثّل فرصةً واقعية لبعض الفئات في مرحلة التعافي المبكر، لكنه لا يتحوَّل تلقائيًّا إلى سبيلِ عيشٍ مستدامٍ ما إنْ تتوافر المهارة والقدرة على التكيف. ومن ثمّ، يقتضي الأمرُ بنيةً تشغيلية موثوقة، وقنوات دفعٍ آمنة، ووصولًا إلى الأسواق والشبكات المهنية، وآليات لبناء الثقة، ووساطة مؤسسية تربط الوكالة الفردية بقدرة منظمة. وهكذا، فإن التعافي لا يُختزل في استعادة الدخل، كما لا يمكن فصل الفاعلية والكرامة عن الشروط المادية والمالية والمؤسسية التي توسّع مجال الوكالة أو تضيّقه.
في إثر ذلك، رأى قرموط، في تعقيبه، أن المشروع يتناول موضوعًا مهمًّا لم يحظَ بعدُ بما يكفي من البحث، واقترح أن يجعل إعادة الإعمار إطاره التحليلي الجامع، وأن يضع ضِمنه عدسات الصمود والوكالة والكرامة وسُبل العيش الرقمية. وأكّد خصوصية حالة غزة، حيث لم تتوافر بعدُ شروط التعافي الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي أو السياسي، على خلاف تجارب إعادة إعمار أخرى. ودعا إلى مساءلة مفهوم إعادة الإعمار نفسِه من خلال العمل عن بُعد، مع التشديد على أن هذه المبادرات "جسرٌ مؤقت" نحو الاستقرار والحقوق، وأنها ليست بديلةً من حلٍّ جذري، ولا وسيلةً لتطبيع الكارثة المستمرة. واقترح، كذلك، توسيع الجانب الكمي لتَبيين حجم الظاهرة، وتحديد المستفيدين المباشرين وغير المباشرين، وشرائحهم الاجتماعية، وصِلتهم بالجامعات ومخرجات التعليم، وآثار العمل عن بُعد اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا. ودعا إلى تأصيل مفهوم "الصمود" من منظور فلسطيني، وإبراز القيود البنيوية التي يفرضها الاحتلال بوصفها نقطة انطلاق للتحليل. ولفت الانتباه إلى ضرورة إظهار أدوار الجهات الفلسطينية، بما فيها المؤسسات والبنوك والوسطاء، في تسهيل المعاملات، أو تعقيدها، أو استنزاف دخول العاملين. ودعا كذلك إلى تقديم توصيات عملية لصانعي السياسات الفلسطينيين والمانحين، مع إبقاء البعد الأخلاقي حاضرًا وربط التدخلات المؤقتة بالكرامة والتحرر.
شهد السيمنار نقاشًا ثريًّا متعلقًا بقدرة العمل عن بُعد على دعم التعافي المبكر في غزة، والتمييز بين الصمود والتعافي المستدام، وعلاقة المهارات الرقمية بالبنية التشغيلية وقنوات الدفع والثقة التعاقدية. وقد شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، وأساتذة من معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبته.