Author Search

​أستاذ الصحافة والدراسات الإعلامية في معهد الدوحة للدراسات العليا

محمد العلالي معقبا على ورقة السيمنار عن بعد
محمد العلالي معقبا على ورقة السيمنار عن بعد
باسم الطويسي
باسم الطويسي
السيمنار
السيمنار
إيهاب محارمة مترئسا جلسة السيمنار
إيهاب محارمة مترئسا جلسة السيمنار

​​​استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الأربعاء 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، باسم الطويسي، أستاذ الصحافة والدراسات الإعلامية في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم مشروعه البحثي بعنوان "الأبعاد المهنيّة للإرهاق الإخباري: أدلة من تغطية وسائل إعلام عربية"، وتناول دور القرارات التحريرية والممارسات المهنية في إنتاج الإرهاق وتجنّب الأخبار، مستندًا إلى التغطية التي خصصتها "قناة العربية" لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش". وشارك في التعقيب على السيمنار محمد العلالي، أستاذ الاتصال والإعلام السياسي في المعهد العالي للإعلام والاتصال في المغرب.

قدّم الطويسي المشروع بوصفه جزءًا من بحث جماعي يتناول تحولات الثقافة الإعلامية العربية، يعمل عليه عشرة باحثين عرب، وأنجز هذا الجزء بالتعاون مع وليد السقاف، الأستاذ في برنامج الصحافة في معهد الدوحة. وعرّف الإرهاق الإخباري بأنه حالة سلبية تنجم عن التعرض المكثَّف والمتكرر للأخبار، ولا سيما عندما تتعلق بقضية واحدة تنطوي على تنافر أخلاقي أو إدراكي. وميّز بين الأبعاد الانفعالية والإدراكية والمعرفية لهذه الحالة، ورأى أنها قد تدفع الجمهور إلى تجنّب الأخبار أو إلى الاعتياد والتطبيع وتبلّد الاستجابة لها، بما يهدد الاهتمام بالشؤون العامة والثقة بوسائل الإعلام والحق في المعرفة.

وربط تصاعد الظاهرة بوفرة الأخبار وانخفاض تكلفة إنتاجها، واستمرار اتصال الجمهور بالمنصات، وهيمنة الأخبار السلبية، وتراجع قيمة الخبر مع كثافة المحتوى. وأشار إلى أن نسبة من يتجنبون الأخبار غالبًا أو أحيانًا ارتفعت، وفقًا لمسوح الأخبار الرقمية، من 29 في المئة عام 2017 إلى 42 في المئة عام 2026، وأن الإرهاق أصبح من الأسباب البارزة لهذا التجنب. وتناول عوامل مهنية، من بينها تآكل المعايير، وهيمنة الرأي على المعلومات، وتسييس غرف الأخبار، وتسارع وتيرة الإنتاج، وتكرار الوجوه والأطروحات، وضعف الأنسنة والعمق والتنوّع.

وأدرج المحاضر الظاهرة ضمن سياق ازدهار صناعة الأخبار العربية خلال العقدين الأخيرين، إذ تعمل أكثر من 140 محطة إخبارية ناطقة بالعربية، نماذج تمويلها رسمية ومستقلة وهجينة، في بيئة يسودها الاستقطاب السياسي. وأشار إلى أن التلفزيون لا يزال مصدرًا رئيسًا للأخبار لدى شريحة واسعة من الجمهور، بالتوازي مع تنامي المنصات الرقمية. ورأى أنّ تغيّر النموذج الاقتصادي للصحافة، وتراجع عائدات الإعلان، والاعتماد المتزايد على التمويل العام والسياسي، عوامل أسهمت في تعزيز الأدلجة داخل غرف الأخبار، وحوّلت الخدمة الإخبارية تدريجيًا إلى سلعة تتنافس على جذب الانتباه. وأن المشروع اعتمد تحليلًا نوعيًا لتغطية قناة العربية لتنظيم "داعش"، في الفترة حزيران/ يونيو 2014 - آب/ أغسطس 2015، شمل نشرات إخبارية وحلقات من برنامجَي "بانوراما" و"مقابلة خاصة" وأفلامًا وثائقية. وجمع بين تحليل البنى الكبرى للتغطية، والتحليل الموضوعاتي الانعكاسي لاستخراج الموضوعات، وتحليل البنى الصغرى للّغة والمعنى. واستند في تفسير النتائج إلى نظرية الحمل الزائد للمعلومات، ونموذج القيمة، واقتصاد الانتباه، الذي يتعامل مع الانتباه بوصفه موردًا محدودًا تتنافس المؤسسات على استقطابه في بيئة رقمية غزيرة المحتوى.

​

​وحدد الطويسي ثلاث سمات مهنية للإرهاق، تتمثل في هيمنة القضية الواحدة، وإرهاق الخوف، وإرهاق التنافر العقائدي والمعرفي. وظهرت السمة الأولى في التغطيات المفتوحة وكثافة تخصيص البرامج والأفلام لموضوع التنظيم، وتمثّلت الثانية في تدوير المقاطع الصادمة، والمبالغة في تصوير قدرات التنظيم، وتكرار رسائله وشعاراته، وغموض مصدر التهديد. أما السمة الثالثة فنجمت، بحسب تحليله، عن التناقض بين الرموز الدينية التي وظّفها التنظيم وممارساته العنيفة، وعن تضارب المعلومات والمبالغة في عرض الوقائع، بما يفاقم حالة اللايقين ويفتح المجال أمام تفسيرات تآمرية.

وتناول مصادر الإرهاق في تكرار الأخبار وإطالة دورة حياتها، ونمطية العناوين وزوايا المعالجة، وكثافة الأخبار العاجلة والبثّ المباشر، واستخدام اللغة العاطفية والأيديولوجية والمحبِطة، والإفراط في التأطير السياسي والأمني وتأطير الصراع والمسؤولية. وخلص إلى أن التغطية المناوئة للتطرف قد تسهم، من دون قصد، في تطبيع حضوره من خلال تكرار صوره ورسائله، وأن وسائل الإعلام قد تنزع أحيانًا إلى الشعبوية في أوقات الأزمات، حين تتخلى عن بعض المعايير المهنية لتروّج محتوًى جاذبًا للجمهور. وأكد أن تحقيق التوازن بين حق الجمهور في المعرفة والحدّ من الإرهاق تحدده أساسًا القرارات التي تتخذها غرف الأخبار.

وأوضح الطويسي أنّ الحكم على المبالغة والتكرار يستند إلى المعايير المهنية ودورة حياة الخبر والأدلة التحريرية، مع إقراره بنسبية هذه الأحكام. وميّز بين القول إن التغطية تخدم التطرف مباشرة والقول إن تراكمها قد يؤدي إلى تطبيعه. وأكّد أن وسائل الإعلام كانت تؤدي دورها في تلبية حاجة الجمهور إلى الأخبار خلال الأزمة، لكن ذلك لا يعفيها من مساءلة لغتها وأطرها وأنماط التكرار في تغطيتها، ولا من دراسة أثر تعدد المصادر وأنماط استهلاك الأخبار في تفسير الإرهاق الإخباري.

ورأى العلالي، في تعقيبه، أن المشروع يضيف إلى حقل الإعلام منظورًا عربيًا يدمج البعدين الديني والثقافي، ويطور تفسير "التنافر العقائدي" في سياق الاستقطاب السياسي والعلاقة بين الإعلام والإرهاب. لكنه طلب مزيدًا من التفصيل المنهجي بشأن تقنية تحليل المحتوى، والمؤشرات الكمية والكيفية، ووحدة التحليل، والفروق بين الأجناس والبرامج ومراحل المدة الزمنية، وعلاقتها بتحولات الحدث السياسي. واقترح توسيع نطاق المشروع ليشمل الصحافيين والجمهور، بما يمكّن من اختبار كيفية تجلّي الإرهاق في التلقّي والسلوك، بدلًا من الاكتفاء بتحليل المحتوى.

وشهد السيمنار نقاشًا ثريًّا حول معيار التمييز بين التغطية المهنية والمبالغة، وإمكان استنتاج أثر التغطية في الجمهور استنادًا إلى تحليل المحتوى، والعلاقة بين السياسة التحريرية والسياقَين السياسي والاقتصادي. وتناول النقاش أيضًا تطبيق مفهوم الإرهاق على التغطية الإعلامية لحرب غزة، والفروق بين الإعلامَين العربي والغربي، وتراجع الثقة بالأخبار، واقتصاد الانتباه، ومسؤولية المنصات والمؤثّرين وتعدد مصادر التلقّي. وشارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، وأساتذة من معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبته.​