أستاذ السياسات العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا.
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الأربعاء 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، لاورنت لامبرت، أستاذ السياسات العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم مشروعًا بحثيًا مشتركًا بعنوان "الوجه المزدوج لترابط الذكاء الاصطناعي والمياه والطاقة في أبرز مراكز البيانات في العالم"، أعدّه مع محمد ديب وليلى تاوتي، وتناول فيه اعتماد صناعة الذكاء الاصطناعي على الموارد وآثار استخدامها العسكري. وشارك في التعقيب على السيمنار أحمد بدران، أستاذ مشارك في السياسات العامة بجامعة قطر.
انطلق لامبرت من مفارقة أن تمويل الذكاء الاصطناعي يتسارع في وقت تتزايد فيه النظرة إليه بوصفه تهديدًا، بعد أن ارتبط طويلًا بالمدن والشبكات الذكية وكفاءة الطاقة. ورأى أن وصفه ثورةً تزعزع القطاعات لا ينسجم مع الاستمرار في تنظيمه بوصفه صناعة تقليدية. وأشار إلى وفرة وثائق السياسات مقابل ضعف إلزاميتها، وإغفالها الآثار الاجتماعية والبيئية. واقترح مقاربة "ترابط الذكاء الاصطناعي والمياه والطاقة" لفهم اعتماد القدرة الحاسوبية الكامل على الإمداد المتواصل بالكهرباء والمياه، وصوغ سياسات تجمع ما تعالجه المؤسسات عادةً في مجالات منفصلة.
وبيّن الباحث أن الوجه الاستخراجي لهذا الترابط يظهر في التوسع السريع لمراكز البيانات والبنية المرتبطة بها، وما تحتاج إليه من كهرباء ومياه عذبة ومواد وأراضٍ. واستشهد ببلوغ الاستثمار في مراكز البيانات 580 مليار دولار، متجاوزًا الاستثمار العالمي في إمدادات النفط؛ ليبرز حجم التحول خلال مدة قصيرة. وأوضح أن التوزيع الجغرافي لهذه المراكز يعكس تفاوتات الاقتصاد الرقمي؛ إذ تتركز في أميركا الشمالية والصين واليابان ودول صناعية أخرى، بينما تبقى دول عديدة مستهلكة للخدمات من دون قدرة حاسوبية محلية أو مشاركة مماثلة في مكاسبها.
وركز لامبرت في عرضه على الولايات المتحدة، حيث تتقاطع مناطق كثافة مراكز البيانات مع ولايات تعاني إجهادًا مائيًا؛ ما يكشف انفصال سياسات تطوير البنية الرقمية عن سياسات المياه. وأشار إلى أن المنطقة العربية كانت تواجه أصلًا مستويات مرتفعة من الندرة قبل طفرة المراكز الجديدة. ورأى أن المشكلة ليست نفاد المياه والطاقة من الكوكب، بل ارتفاع تكلفتهما ومزاحمة المراكز حاجات السكان والزراعة والنظم البيئية؛ فالشركات تستطيع دفع أثمان مرتفعة، بينما تتحمل المجتمعات المحلية التضخم والضغط على الشبكات والموارد.
أما الوجه التدميري، فربطه باستخدام الذكاء الاصطناعي في توليد أعداد ضخمة من الأهداف العسكرية عبر الجمع بين صور الأقمار الاصطناعية والبيانات الرقمية والاجتماعية. وأوضح أن هذه القدرة تتيح تحديد منشآت المياه والطاقة الرئيسة والاحتياطية واستهدافها على نطاق لم يكن متاحًا للاستخبارات البشرية، مستدلًا بما جرى في غزة ولبنان وأوكرانيا. وذهب إلى أن الاستخراج والتدمير وجهان لمنطق واحد: تقنية تعتمد على موارد حيوية لتعمل، ثمّ تُستخدم في تدمير البنى التي توفر تلك الموارد لمجتمعات أخرى؛ ما يثير أسئلة المسؤولية والحماية القانونية.
ودعا إلى دمج اختيار مواقع مراكز البيانات ضمن تخطيط المياه والطاقة، ومنح السلطات المحلية قدرةً على تدقيق المشاريع أو رفضها، وتشجيع استخدام الحرارة الناتجة منها في خدمات نافعة بدل هدرها. وانتقد اختزال "الترابط" في توفير مزيد من الطاقة لاستمرار نمو الصناعة، مؤكدًا ضرورة إدخال المياه والقدرة على تحمل التكلفة والآثار المحلية.
من جهته، رأى أحمد بدران، في تعقيبه، أن المشروع يكشف جانبًا مظلمًا تحجبه المناقشات المتمحورة حول فوائد الذكاء الاصطناعي، إذ يجمع ثلاثة مجالات واسعة: استهلاك الموارد، والتفاوتات العالمية، والاستخدام العسكري. واقترح تضييق نطاق البحث، أو تقوية الانتقال والروابط النظرية بين هذه المجالات، وربما فصل البعدين البيئي والعسكري في بحثين. كما طلب توضيح منهج اختيار المصادر الثانوية وتقويم موثوقيتها وتركيب نتائجها، ومناقشة الحجج المنافسة، ولا سيما أن بعض الادعاءات المتعلقة بالاستخدام العسكري قوية وتحتاج إلى أدلة وإحالات واضحة. وأضاف أن القسم المخصص لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية سيستفيد من دراسة حالة معمقة، مثل دولة قطر، بحيث تبيّن كيفية الموازنة بين فوائد الذكاء الاصطناعي وتكلفته المائية والطاقية. ودعا إلى تحديد معنى الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المسؤولة عن تنفيذ الحوكمة المقترحة وإنفاذها، ومدى جدواها في بيئة تنافسية أمام شركات قوية.
وأجاب لامبرت بأنه سيعزز المشروع بدراسات حالة قصيرة من سياقات مختلفة، وأن تعدد الجهات التنظيمية أنسب من إنشاء وكالة دولية جديدة، مع تكييف أدوات الحوكمة بحسب اختلاف مواقع القدرة الحاسوبية والتمويل والبيانات. وأوضح أن الحوكمة ينبغي أن تكون متعددة المستويات؛ فتستخدم مؤسسات التمويل والتنمية معاييرها في الجنوب العالمي، بينما تتطلب الولايات المتحدة تشريعات اتحادية ومحلية تلزم بدراسة الأثر الطويل الأمد في الموارد والأسعار. وأن التحسينات التدريجية في كفاءة التبريد والحوسبة لا تغير نموذج الصناعة ما دامت تدفقات الاستثمار تمنح الشركات حافزًا إلى التوسع، وأن انفجار فقاعة السوق قد يوقع أضرارًا اجتماعية ويقود الحكومات إلى مزيد من التراخي البيئي، ولذلك لا يمكن اعتباره بديلًا مضمونًا من التنظيم العام الفعال والعادل.
وشهد السيمنار نقاشًا ثريًّا حول حدود مفهوم الترابط، وموقع المعادن النادرة والعنصر البشري فيه، وإمكان خفض استهلاك الطاقة بالتبريد المباشر للرقائق وتنظيم الاستخدامات اليومية للنماذج. وتناول النقاش أيضًا احتمال انفجار فقاعة الاستثمار، ومخاطر ترك السوق يصحح نفسه، والاستعمار الرقمي ونقل التكلفة البيئية إلى الجنوب، والسيادة الحاسوبية، والتمييز بين النماذج اللغوية وغيرها من الأنظمة. وشارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين من المركز العربي، وأساتذة من معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبته.