Author Search

الأستاذ المشارك في برنامج الصحافة في معهد الدوحة للدراسات العليا.

سرديات الذكاء الاصطناعي عن القضية الفلسطينية موضوعًا لسيمنار المركز العربي
وليد السقاف
مصطفى جرار
أحمد قاسم حسين
جانب من الحضور المشارك في السيمنار

​استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 16 أيلول/ سبتمبر 2026، وليد السقاف، الأستاذ المشارك في برنامج الصحافة في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم محاضرة عن مشروعه البحثي بعنوان "صراع سرديات الذكاء الاصطناعي عن القضية الفلسطينية: ’فنار 1‘ دراسة حالة في التوليف الدقيق بوصفه سياسة تحريرية"، تناول فيها دور النماذج اللغوية الكبيرة بوصفها وسيطًا إخباريًا فاعلًا في صراع السرديات، متسائلًا عن إمكان​ إعادة إنتاجها الاستقطاب الجيوسياسي القائم في الإعلام التقليدي، وإذا ما كان التوليف الدقيق Fine Tuning يثبّت سياسة تحريرية في أوزان النموذج. وشارك في التعقيب على السيمنار مصطفى جرار، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة حمد بن خليفة في قطر.

استهل السقاف محاضرته بالإشارة إلى تزايد الاعتماد على روبوتات الدردشة مصدرًا للحصول على الأخبار، ورأى أن دراسة تأطير القضية الفلسطينية لم تعد تقتصر على غرف الأخبار وسياساتها ومحرريها. فالنموذج اللغوي، بحسب طرحه، لا يسترجع معلومات على نحو محايد، بل ينتقي زاوية، ويحذف سياقًا، ويرتّب ما يقدّمه إلى المستخدم، من دون أن يفصح بالضرورة عن مصادره أو يتيح مساءلة خياراته. ومن هذا المنطلق، تساءل عن السردية التي تنتجها النماذج الغربية عند تناول قضايا مثل تهجير الفلسطينيين، والوضع القانوني للقدس الشرقية، وحصار غزة، وهدم المنازل، وعن إمكان تعديل هذه السردية من خلال نموذج عربي مولّف على أساس غربي.

طرح السقاف حجّة مفادها أن التوليف الدقيق لا يقتصر على اعتباره إجراءً تقنيًا لتحسين الأداء اللغوي، بل يؤدي أيضًا وظيفة حراسة البوابة، ويمكن النظر إليه بوصفه سياسة تحريرية تؤثر في ما يقوله النموذج وما يسكت عنه. وربط هذه الحجة بثلاثة مداخل: توسيع مفهوم "المنطق الإعلامي" ليشمل الوسائط التوليدية، والاستعانة بنظريتَي التأطير والأمننة لتحويل صراع السرديات إلى صيغة قابلة للقياس، وقراءة البنى التحتية الإعلامية والمعلوماتية من منظور جيوسياسي نقدي. وحدّد التعارض المركزي بين سردية أمنية تمنح الأولوية لادعاءات منع الهجمات، وسردية حقوقية تستند إلى القانون الدولي والحماية من العقاب الجماعي.

ولعزل أثر التوليف الدقيق، قارن السقاف نموذج "جيما 2" الصادر عن "غوغل ديب مايند" بمشتقه العربي "فنار 1" الذي طوّره معهد قطر لبحوث الحوسبة. وأوضح أن النموذجين متطابقان من حيث البنية المعمارية، في حين وُلّف الثاني ببيانات عربية، ودُعم بالتعلم المعزز من التغذية الراجعة البشرية Reinforcement Learning from Human Feedback, RLHF بمشاركة مقيّمين من المنطقة. ووصف هذا التصميم بأنه "تحكم تجريبي اشتقاقي"، يتيح إسناد التباين، في المقام الأول، إلى التوليف، لا إلى اختلاف القدرة أو البنية، مع الإقرار باحتمال حدوث قدر من "النسيان الكارثي" Catastrophic Forgetting أثناء العملية.​​


وتناولت أداة القياس ثمانية موضوعات موزعة على أربعة نطاقات سردية، هي: الشرعية التأسيسية، والأمن، والشرعية السيادية، والضبط النُّظُمي. وشملت هذه الموضوعات تهجير الفلسطينيين، وقرار التقسيم، وحصار قطاع غزة، وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، والقدس​ الشرقية، والمستوطنات، والحواجز، وهدم المنازل. وصيغ لكل موضوع توجيهان متقابلان: أحدهما من منظور إسرائيلي يرتكز على الأمن وشرعية الدولة، والآخر من منظور فلسطيني يرتكز على الحقوق والقانون الدولي. ونُفّذت التوجيهات باللغة الإنكليزية، وكررت التجربة كل توجيه مرات متعددة، وطُلب من النموذجين تقدير درجة الموافقة على كل مقولة وفقًا لمقياس متدرج، وتقديم تبرير نصي.

وأظهرت النتائج الأولية تباينًا دالًا إحصائيًا بين النموذجين؛ إذ بلغ متوسط "فجوة الاستقطاب" لدى "فنار 1" نحو ضعف نظيره لدى "جيما 2"، وأظهر النموذج المولّف إقليميًا مواءمة أقوى مع الإطار الفلسطيني. واتسع التباين في القضايا المرتبطة بالسيادة والضبط، ولا سيما هدم المنازل والقدس الشرقية والمستوطنات، في حين شهد نطاق الأمن أكبر قدر من التقارب. ورأى السقاف أن حياد النموذج الغربي الظاهري قد يجسد "التوازن بوصفه انحيازًا"، لأنه يعامل روايتين غير متكافئتين كما لو كانتا متساويتين، في حين قد تفسر مرشحات السلامة الموروثة تقارب النموذجين في القضايا المتعلقة بالعنف المباشر.

ورأى جرار، في تعقيبه، أن المشروع طموح ومرتبط بقضية شديدة الراهنية، وأن أبرز إسهاماته يتمثل في تناول التوليف الدقيق لا بوصفه تحسينًا تقنيًا فحسب، بل عملية قد تؤثّر في السرديات والسياسات التحريرية، ولا سيما في المجال الإعلامي. وأشاد باختيار نموذجين متقاربين معماريًا، لكنه أبدى تحفّظه إزاء إسناد الفروق المرصودة إلى التوليف الدقيق وحده؛ إذ قد تؤثر مراحل التدريب الأخرى وإصدارات النماذج المختارة في النتائج. لذلك اقترح تخفيف الصياغة السببية، وتوضيح أساس اختيار "فنار 1"، والنظر في اختبار إصدارات ونماذج إضافية.

وأشار جرار إلى أن الاقتصار على مقياس "ليكرت" الرقمي قد لا يكفي لتقييم الفروق بين النموذجين، واقترح الجمع بينه وبين تحليل نوعي للإجابات المفتوحة، ووضع منهجية أكثر حيادًا لاختيار الأسئلة، وإعادة النظر في جدوى تكرار الأسئلة نفسها. ودعا كذلك إلى توضيح المصطلحات العربية الجديدة بإيراد مقابلاتها الإنكليزية، وشرح أدوات القياس والتقييم بمزيد من الدقة. واقترح أيضًا تدريب نموذج يؤدي وظيفة "الحَكم" في تقييم الإجابات، لتعزيز إمكان إعادة التجربة ومقارنة نماذج أخرى، ودعا إلى توسيع النقاش النظري والاجتماعي بشأن أثر النماذج اللغوية في الإعلام والتأطير وصناعة السرديات، بدلًا من اقتصار المشروع على تقييم الأداء التقني.

وشهد السيمنار نقاشًا ثريًّا حول أثر النماذج اللغوية في صراع السرديات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والعلاقة بين التوليف الدقيق ومراحل التدريب الأخرى، وحياد المحفزات وأدوات تقييم الإجابات، ودور الذكاء الاصطناعي في التأطير الإعلامي. وتناول النقاش أيضًا إمكان تطوير بروتوكول تدقيق قابل للاستخدام في المؤسسات الإعلامية العربية، وحدود تعميم النتائج الأولية للمشروع. وشارك فيه عدد من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، وأساتذة من معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبته.