استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 2 أيلول/ سبتمبر 2026، مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز، الذي قدّم مشروعه البحثي بعنوان "الجيوبنيوية: القوة والمركز والمنطق البنيوي - مقاربة نظرية في تفسير السياسة الدولية"، اقترح فيه إطارًا نظريًا لتفسير التباين المستمر في السلوك الأمني للدول. وشارك في التعقيب على السيمنار علي الجرباوي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
انطلق قبلان من السؤال الذي لازم المفكّرين وصنّاع القرار منذ نشوء الدولة الحديثة: كيف تضمن الدول أمنها وبقاءها في بيئة دولية تفتقر إلى سلطة عليا قادرة على حمايتها؟ وأوضح أن هذا السؤال أنتج تراثًا نظريًا واسعًا شكّل أساس المقاربات الكبرى في الحقل، من الواقعية إلى الليبرالية والبنائية والجيوبوليتيك، غير أن ظواهر أساسية ظلت عصيّة على التفسير، وفي مقدمتها ميل بعض الدول إلى البحث عن أمنها خارج حدودها بصورة متكررة، على الرغم من التغيرات العميقة التي تطرأ على أنظمتها السياسية وأيديولوجياتها الحاكمة.
وحدّد إشكاليته في جملة من الأسئلة: لماذا تسعى بعض الدول باستمرار إلى هندسة بيئتها الأمنية الخارجية، بينما تبقى دول أخرى أكثر تحفظًا على الرغم من امتلاكها قدرات مادية مماثلة أو أكبر؟ ولماذا تصبح بعض الأقاليم ساحات للتنافس الجيوسياسي، بينما تظل أخرى مستقرة نسبيًا؟ ورأى أن النظريات القائمة لا تقدّم سوى إجابات جزئية عن هذه الأسئلة، على الرغم من وقوعها في صميم دراسة السياسة الدولية.
وأشار إلى أن القول إن البقاء هو الهدف الأساسي للدول في نظام فوضوي يحظى بإجماع واسع، لكنه يخفي سؤالًا أكثر جوهرية؛ فجميع الدول تسعى إلى الأمن، لكنها لا تسعى إليه في ظل ظروف بنيوية متماثلة. فبعضها يواجه ضغوطًا مستمرة تدفعه إلى تشكيل بيئته الخارجية عبر إنشاء مناطق عازلة، وبناء قواعد عسكرية خارج حدوده، وتأمين المضائق البحرية، فيما تواجه دول أخرى حوافز أقل بكثير للتأثير في محيطها.
وخلص من ذلك إلى أن الدول تشغل بيئات استراتيجية مختلفة جوهريًا، وأن السياسة الدولية لا تتسم بتوزيع غير متكافئ للقدرات المادية فحسب، بل أيضًا بتوزيع غير متكافئ لمصادر التهديد ينعكس على سلوك الدول في مواجهته.
وعرض الباحث مفهوم "الجيوبنيوية" بوصفه الأساس التحليلي لإطاره النظري، موضحًا أنه يشير إلى الحالة الناشئة عن الآثار المركبة للانكشاف الجغرافي، والقدرات المادية، وبيئة التهديد، وآليات التخفيف. وبدلًا من التعامل مع هذه العناصر باعتبارها تفسيرات متنافسة، ترى الجيوبنيوية أن انعدام الأمن ينشأ من تفاعلها مجتمعة.
وميّز إطاره من الواقعية البنيوية، مؤكدًا اتفاقه معها في عمومية الفوضى وأثر التوزيع غير المتكافئ للقدرات، لكنه رأى أن هذين العاملين لا يستنفدان أشكال التمايز البنيوي؛ فقد تعيش دول في النظام الفوضوي نفسه وتملك قدرات متقاربة، ومع ذلك تواجه متطلبات أمنية شديدة الاختلاف، كما في حالتَي إيران وتركيا. وعلى هذا الأساس، ميّز بين شكلين من عدم المساواة البنيوية: التوزيع غير المتكافئ للقدرات المادية، والعلاقة غير المتكافئة بين المطالب الأمنية المفروضة على الدول وقدراتها الفعلية على إدارتها، وهو الشكل الذي تُعنى به الجيوبنيوية.
وصاغ أطروحته المركزية بالقول إن المركز البنيوي للدولة لا يتحدد بمقدار ما تمتلكه من قوة، بل بالعلاقة بين المطالب المفروضة عليها وقدرتها الفعلية على إدارتها. فالقوة تتعلق بالموارد، أما المركز البنيوي فيتعلق بالعلاقة التي تُستخدم تلك الموارد بموجبها، وهو ما لا يقلل من أهمية القوة، بل يحدد البيئة الاستراتيجية التي تكتسب فيها معناها.
وحدّد المحاضر فرضيات أساسية لمقاربته، أبرزها أن الفوضى شرط عام لا يفرض المستوى نفسه من انعدام الأمن على جميع الدول، وأن المركز الجيوبنيوي يولّد حوافز استراتيجية مستمرة من دون أن يحدد السلوك حتميًا؛ إذ تتدخل القيادة والمؤسسات والثقافة الاستراتيجية في تحديد الاستجابة، فالبنية تهيّئ الشروط والفاعل السياسي يحدد الخيارات. وتعد هذه المراكز متغيرة لا ثابتة، إذ تتبدل بتبدل بيئة التهديد والقدرات والتحالفات والتكنولوجيا.
وختم قبلان بالتأكيد أن فهم السياسة الدولية يتطلب تجاوز التركيز المنفرد على توزيع القوة، أو على إمكانات التعاون في ظل الفوضى، أو على الأفكار والهويات، أو على الجغرافيا بوصفها العامل التفسيري الرئيس، وأن ما ينبغي أن يحتل موقعًا مركزيًا في التحليل هو الموقع الجيوبنيوي للدولة داخل النظام الدولي.
رأى علي الجرباوي، في تعقيبه، أن الورقة تقدّم إطارًا ديناميًا جديدًا لتحليل سلوك الدول في الحفاظ على أمنها وبقائها، إذ تمزج بين عوامل جرت العادة على التعامل معها بوصفها متنافسة، وتركّب تفاعلاتها ضمن إطار تفسيري شامل. وأضاف أن أهمية المشروع تنبع كذلك من صدوره عن موقعية مغايرة للمركزية الغربية، من دون أن يقوم على معاداتها أو على الشكوى من التهميش، بل على طرح مبادئ عامة تنقد النظريات القائمة، وفي مقدمتها الواقعية والبنائية، سعيًا إلى تطويرها وتعميق فهم آليات عمل النظام الدولي.
وأوضح الجرباوي أن المحاضر سلّم بافتراضَي الفوضى الدولية والتوزيع غير المتكافئ للقدرات المادية، لكنه لم يسلّم بالاستنتاج الذي تبنيه الواقعية عليهما، فأضاف بعدًا جديدًا هو الموقع البنيوي للدولة وما يفرضه عليها من تحديات أمنية خارجية. غير أنه دعا إلى توسيع مفهوم "القدرة الاستراتيجية" بحيث يتجاوز القدرة المادية وشبكات التحالف إلى تصور الدولة لذاتها ولدورها في النظام الدولي، تفاديًا لرؤية ميكانيكية تجعل منها مجرد مفعول به يستجيب لضغوط خارجية. كما اقترح تدقيق صياغة عدد من المفاهيم بالعربية، وضبط التصنيفات المقترحة للمراكز الجيوبنيوية تجنبًا للتداخل بينها.
وشهد السيمنار نقاشًا ثريًّا حول العلاقة بين القوة والمركز البنيوي، ومحددات سلوك الدول في بيئاتها الإقليمية، وحدود التفسير البنيوي في السياسة الدولية، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، وأساتذة من معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبته.