أستاذ السياسات العامة والاقتصاد في معهد الدوحة للدراسات العليا.
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الأربعاء 9 أيلول/ سبتمبر 2026، حامد التجاني علي، أستاذ السياسات العامة والاقتصاد في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم مشروعه البحثي بعنوان "اقتصاد الحرب في السودان: الهشاشة القطاعية، والاستحواذ على الموارد، والاقتصاد السياسي للعنف"، تناول فيه الكيفية التي أعادت بها دورات الصراع تشكيل الاقتصاد السوداني، محوِّلةً الحرب من مصدرٍ للدمار إلى نظام تتداخل فيه آليات تراكم الثروة والسيطرة على الموارد وممارسة السلطة. وشارك في التعقيب على السيمنار عبيدالله محجوب، أستاذ باحث في الاقتصاد في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية.
وانطلق علي، في إطار مشروعه البحثي، الذي تناول هذه التحولات خلال الفترة 1983-2025، من مساءلة التصورات التي تختزل الحرب في انهيار الدولة أو تعطّل النشاط الاقتصادي. وطرح سؤالًا عن أسباب تمكّن بعض القطاعات من البقاء، بل الازدهار، خلال النزاعات، في مقابل تراجع القطاعات الإنتاجية الرسمية. ورأى أن الصراع الممتد أفرز أنظمة بديلة لتكوين الثروة، تتمحور حول استخراج الذهب، وشبكات التهريب، والجبايات الافتراسية، والتجارة غير الرسمية؛ وهي أنشطة لا تتكيف مع ظروف العنف فحسب، بل توفّر أيضًا مصالح وحوافز تسهم في استدامته وإعادة إنتاجه.
وربط هذا التصور بالمسار السياسي للسودان منذ الاستقلال، حيث تداخل التنافس على السلطة مع التفاوتات الإقليمية والإقصاء السياسي والصراع على الأراضي والموارد الطبيعية. وأشار إلى أن تعاقب الحكومات العسكرية والمدنية الهشّة لم يُفضِ إلى معالجة هذه التوترات، في حين ظلّت اتفاقيات السلام تنتج تسويات مؤقتة، يعقبها تنفيذ جزئي أو انهيار. وعزا أحد أوجه قصورها إلى غياب معالجة التوزيع غير العادل للموارد والاقتصاد السياسي للتهميش. وفي هذا الإطار، قرأ نزاع دارفور والحرب المندلعة في نيسان/ أبريل 2023، بوصفهما حلقتين متصلتين ببنية أوسع من التنمية غير المتوازنة، لا حدثين منفصلين عن تاريخ تشكّل السلطة والثروة.
وجمع المحاضِر في مشروعه مقاربةً متعددة تشمل تحليل النمو والناتج المحلي الإجمالي القطاعي، وتتبع اتجاهات تكوين رأس المال والتجارة، ودراسة سلع استراتيجية، أبرزها الذهب والصمغ العربي. وربط هذا التحليل نقاط التحوّل الاقتصادي بمراحل النزاع واتفاقيات السلام، لفهم اختلاف استجابة القطاعات للصدمات. وأشارت النتائج التجريبية الأوّلية إلى تراجع طويل الأمد في قطاعَي الزراعة والصناعة، في سياق انعدام الأمن والنزوح والانهيار المؤسسي، بالتوازي مع توسّع الأنشطة الاستخراجية وغير الرسمية. وأوضح أن الطفرة النفطية خلال العقد الأول من الألفية لم تعالج الهشاشة البنيوية، بل حجبتها مؤقتًا باقتصاد ريعي ضيّق، انهار عقب انفصال جنوب السودان، أما المرحلة التي تلت عام 2023، فقد شهدت انهيارات حادة في الاستثمار والإنتاج الصناعي والتجارة الرسمية.
وقدّم إطارًا جغرافيًا ثلاثيًا لاقتصاد الحرب، ميّز بين المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية والمناطق الواقعة تحت سيطرة "قوات الدعم السريع"، والمناطق الحدودية غير المحكومة. فالأولى تحتفظ ببنية مالية تابعة للدولة، وإن كانت متآكلة، بينما تتّجه الثانية نحو أنظمة حكم بديلة تستند إلى الاستخراج والإكراه واحتكار النشاط التجاري. أما المناطق الحدودية، فتعمل بوصفها ممرّات تجارية تهيمن عليها شبكات التهريب والوسطاء المسلّحون. وبذلك، تصبح الجغرافيا الاقتصادية ساحةً للتنافس السياسي، وتتجاوز السيطرة على الموارد وظيفتها التمويلية لتغدو أداة لتنظيم السلطة وفرض النفوذ.
وتناول أوجه التداخل بين المؤسسات الرسمية وشبكات المحسوبية والإكراه، موضحًا الكيفية التي تمكّنت بها القوى العسكرية وشبه العسكرية من التغلغل في القطاعات الاستراتيجية. وربط في مشروعه البحثي السيطرة على الذهب والثروة الحيوانية ومسارات التجارة بترسيخ الهيمنة السياسية، مشيرًا إلى صعوبة تفكيك هذه البنى من خلال إصلاح مؤسسات الدولة أو إعادة بناء الفدرالية المالية. وأوضح في السيمنار أنّ الموارد الاستراتيجية تؤدي دورًا مزدوجًا، إذ تموّل الجماعات المسلحة وتوفّر، في الوقت نفسه، سبل عيشٍ للمدنيين. غير أن توسّع هذه الجماعات في أنشطتها خارج نطاق التنظيم المؤسسي يؤدي إلى تسرّب الإيرادات واتساع التجارة غير المشروعة، ويحدّ من قدرة الدولة على تعبئة الموارد اللازمة للتنمية وإعادة الإعمار.
واستعان الباحث، في تفسير استمرار هذا النظام على الرغم من الدمار، بمفهوم "الدولة الأولية" أو "شبه الدولة"، مشيرًا إلى أنّ بقاء أنماط من الحكم والتبادل لا يعني سلامة المؤسسات أو قدرتها على تحقيق التنمية. فالحرب، وفق مقاربته، قد تعيد تنظيم الحكم بآليات أكثر قمعًا، بدلًا من أن تفضي إلى غيابه الكامل. وربط ذلك بترسّخ قوات الدعم السريع في شبكات لاستخراج الريع من مؤسسات الدولة، بالتوازي مع بناء مصالحها الاقتصادية الخاصة، بما ولّد حوافز للاستيلاء على الدولة. وأبرز هنا الفراغ الإداري والتنظيمي بوصفه مجالًا يتيح لاقتصاد الحرب التوسّع، ويجعل الانتقال من النّهب إلى أشكالٍ من الحوكمة جزءًا من تفسير استمرار العنف.
وخلص إلى أن الصراعات السودانية تمثّل عملية تراكمية من التآكل المؤسسي؛ إذ يقوّض كل صراع فرص التعافي من الصراع الذي سبقه، ويحول دون تراكم رأس المال والبنية التحتية والقدرات البشرية. ومن هذا المنظور، لا تبدو الحرب اضطرابًا عابرًا يمكن تجاوز آثاره بوقف القتال، بل نظامًا اقتصاديًا يعزّز استمراره عبر الترابط بين العنف والاستحواذ على الموارد والسلطة السياسية. ودعا إلى تجاوز اختزال التسويات في تقاسم السلطة، والانتقال إلى تفكيك الحوافز الاقتصادية للنزاع، وإعادة بناء مؤسسات قادرة على تنظيم القطاعات الاستراتيجية، واستعادة الإنتاج، ودمج الأقاليم الطرفية ضمن إطار اقتصادي وطني مشروع، مقترِحًا تطوير نماذج للمحاكاة والتحليل الافتراضي المضادّ لتقدير التكلفة الكاملة للحروب، بما يشمل خسائر النموّ ورأس المال البشري والنزوح والانهيار المؤسسي، وتوفير أساس تجريبي أقوى لبناء السلام وإعادة الإعمار.
ورأى عبيدالله محجوب، في تعقيبه، أنّ أهمية المشروع البحثي تكمن في انتقاله من سؤال التكلفة الاقتصادية للحرب إلى تحليل اقتصادها السياسي، وفي إبرازه أن الحرب لا تدمّر الاقتصاد فحسب، بل تعيد تشكيله عبر أنشطة الاستخراج والتهريب والجبايات والتجارة غير الرسمية، بحيث يغدو اقتصاد الحرب نظامًا سياسيًا واقتصاديًا يسهم في استمرار العنف. وأشار إلى اتساع القضايا التي يتناولها المشروع، معتبرًا أنها تصلح أساسًا لمشروع بحثي أكبر. واقترح، من الناحية المنهجية، وصف التحليل بأنه تجريبي وصفي، لاعتماده أساسًا على الأشكال البيانية والجداول، من دون نماذج قياسية أو استراتيجية واضحة لتحديد العلاقات السببية. ودعا إلى توسيع التقسيم الجغرافي ليشمل المناطق الخاضعة لسيطرة بعض الحركات المسلحة، وإلى دراسة السببية في الاتجاهين: أثر الحرب في النهب والاستحواذ على الموارد، ودور التنافس على الموارد وشبكات المنتفعين في إشعال الحرب وإطالتها. ونبّه إلى ضرورة عدم إرجاع التحولات القطاعية إلى الحرب وحدها، مع مراعاة أثر سياسات التحرير الاقتصادي، وتدهور مشروع الجزيرة، والحصار الاقتصادي، والطفرة النفطية. وأبدى تحفّظًا على اعتبار الفارق بين الإنتاج والصادرات الرسمية تقديرًا لحجم التهريب، مقترِحًا تسميته "الفجوة بين الإنتاج والصادرات الرسمية"، ما لم تُضبَط تقديرات الإنتاج والاستهلاك المحلي.
وشهد السيمنار نقاشًا ثريًّا حول اقتصاد الحرب في السودان، والعلاقة بين الصراع والتحولات القطاعية والاستحواذ على الموارد، ودور الأنشطة غير الرسمية في استدامة العنف، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، وأساتذة من معهد الدوحة وطلبته.