Author Search
أستاذ الفلسفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا،
الذكاء الاصطناعي وذكاء الإنسان موضوعًا لسيمنار المركز العربي
رجا بهلول
مايكل مدحت
فادي زراقط

​​استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 22 نيسان/ أبريل 2026، الدكتور رجا بهلول، أستاذ الفلسفة في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم محاضرة عنوانها "الذكاء الاصطناعي وذكاء الإنسان: نحو مساءلة فلسفية"، تناول فيها سؤالًا نظريًا مركزيًا عمّا إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي المعاصرة ذات قدرةٍ على فَهْم ما يصدر عنها من أقوال وتحليلات وأجوبة، وما إذا كان يجوز أن يُنسب إليها ذكاءٌ قريبٌ من ذكاء الإنسان أو مطابقٌ له.

استهل الباحث محاضرته بتأكيد أن مشروعه البحثي يُدرَج في نطاق فلسفة الذكاء الاصطناعي، وينأى عن التطبيقات والآثار الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي باتت تستأثر باهتمام واسع في الأدبيات العربية؛ ليركّز، بدلًا من ذلك، على مسائل جوهرية في فلسفة العقل واللغة والإبستيمولوجيا والميتافيزيقا. ولفت الانتباه إلى أنه لا يوجد توازن في المعالجات العربية لهذا الحقل؛ إذ يُكتفى، في أغلب الأحيان، باستهلاك "ثمار" الذكاء الاصطناعي، من دون مساءلة أُسسه النظرية والفلسفية، في حين أن الغرب استوعب هذه الأُسس قبل أن ينشغل بآثارها.

في إثر ذلك، انتقل المُحاضِر إلى عرضٍ موجز لتاريخ الذكاء الاصطناعي، مميّزًا بين نموذجين رئيسَين؛ إذ أوضح أن النموذج الأول هو الذكاء الاصطناعي الرمزي Symbolic AI، واستند إلى إرث فلسفي ومنطقي ممتد من أعمال فريغه ورسل ووايتهيد وفتغنشتاين، وصولًا إلى مفهوم "آلة تورينغ". وبيّن أنّ هذا النموذج مبنيٌّ على تصوُّر للعالم بوصفه مجموعةً وقائع قابلة للتمثيل عبر لغة منطقية صورية، وقابلة للتفكير بوصفه عملية استدلال من خلال معالجة رموز وفقًا لقواعد صريحة. وأشار إلى أن هذه المقاربة حققت نجاحًا ملحوظًا في "الأنظمة الخبيرة"، مثل نظام MYCIN الطبّي، غير أنها واجهت معوقات بنيوية؛ أبرزها "عنق الزجاجة المعرفية"، وصعوبة ترميز المعرفة الضمنية و"الحسّ المشترك"، في قواعد صريحة، وهو ما وجّه إليه الفيلسوف هيوبرت دريفوس نقدًا مبكرًا.​


​وقد خصّص الباحث جزءًا من محاضرته لعرض النموذج الثاني، أي الذكاء الاصطناعي الترابطي، القائم على الشبكات العصبية والتعلّم الآلي الإحصائي، الذي بدأت هيمنته منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين. وأوضح أن هذا النموذج يستند إلى تصوُّر توزيعي للمعنى، يتجلى في مقولة عالم اللغويات جون فيرث التي مفادها أنّ الكلمة تُعرف من خلال الصحبة التي تلازمها، ويستحضر طرح فتغنشتاين المتأخر المتعلق باستعمالات اللغة، فضلًا عن "فرضية التوزيع" لزيليغ هاريس. وبيّن أن نماذج اللغة الضخمة تمثّل الكلمات باعتبارها "متجهات" في فضاء رياضي متعدّد الأبعاد يُجسّد القرب الهندسي بينها درجة التقارب الدلالي، وأنها تعمل بوصفها دوالّ رياضية تُنتج توزيعات احتمالية للكلمات التالية بناءً على بيانات التدريب.

وفي القسم الأخير من المحاضرة، عاد الباحث إلى سؤاله المركزي متسائلًا: أتفهم هذه النماذج فعلًا ما تنتجه من مخرجات أم أنّ ما نراه فيها من فهمٍ ليس إلّا إسقاطًا ناتجًا من ممارساتنا التأويلية وميلنا إلى أنسنة الآلة؟ وأشار إلى أن تقديم تعريفات متماسكة لا يحسم السؤال، بل يعيد إنتاجه عبر نقله من كلمة إلى أخرى في "حلقة مفرغة".

وفي التعقيب على المحاضرة، أشاد الدكتور مايكل مدحت، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة في جامعة العاصمة (جامعة حلوان سابقًا)، بالمقاربة النظرية التي تبنّاها بهلول، معتبرًا أنها تسدّ فجوةً في الفلسفة العربية التي انشغلت بالتطبيقات على حساب السؤال الفلسفي الجوهري حول طبيعة الذكاء وإمكاناته وحدوده. وطرح مدحت مقاربةً وظيفية للذكاء مفادها أن العمليات العقلية إذا أمكن تحقيقها عبر ركائز مادية مختلفة مستقبلًا، بيولوجيةً كانت أم إلكترونيةً أم كمّيةً، فإن الحامل المادي لا يُشكّل اعتراضًا مبدئيًا على نسبة الذكاء إلى الآلة، حتى في حال استمرار إشكالية الوعي والخبرة الذاتية الداخلية. ثمّ ناقش مدحت "تجربة الغرفة الصينية" لجون سيرل، مشيرًا إلى أن حجّتها تنطبق نظريًا على أيّ نظام حاسوبي، غير أن التراكمات الكمية قد تُفضي إلى تحولات كيفية لا يمكن استبعادها من حيث المبدأ. واقترح أن المخرج من مشكلة التأصيل قد يكمن في تجاوز تصوُّر النموذج اللغوي المعزول عن العالم إلى أنظمة ذكاء اصطناعي متجسّدة في الواقع ومتصلة به، عبر مستشعرات وتفاعلات حسية، على نحو يُحاكي مراحل التعلم الأولى عند الطفل البشري.

شهد السيمنار نقاشًا ثريًّا حول طبيعة الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالفهم والمعنى والوعي، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، إضافةً إلى أساتذة وطلبة من معهد الدوحة للدراسات العليا.