أستاذ مشارك في برنامج اقتصاديات التنمية في معهد الدوحة للدراسات العليا.
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 29 نيسان/ أبريل 2026، الدكتور جاد شعبان، الأستاذ المشارك في برنامج اقتصاديات التنمية في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم محاضرةً بعنوان "الفقر في الدول العربية في ظل الحرب على إيران: تقييم الهشاشة والمرونة الاقتصادية"، تناول فيها التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب على شعوب المنطقة، مع تقديم محاكاة لتطور مستويات الفقر في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
استهل شعبان المحاضرة بالدعوة إلى إعادة توجيه النقاش نحو تكلفة النزاعات والحروب على الشعوب بدلًا من الاقتصار على مؤشرات الاقتصاد الكلّي. وأشار إلى أن الخطابَين الإعلامي والعامّ يركّزان عادةً على "اضطرابات الإمداد" و"صدمة الطاقة" و"ارتفاع الأسعار" و"تراجع النموّ"، في حين يظل الضحايا المباشرون للحروب خارج مركز الاهتمام في الخطابات السائدة. وأكّد أن من واجب الباحثين وصنّاع السياسات في المنطقة إعادة هؤلاء الضحايا إلى مركز التحليل، لا سيما أن آثار الحروب في التنمية الإنسانية تتسم بالتعقيد والتشابك والاستمرارية عبر الزمن، إذ تمتد تداعياتها عقودًا طويلة. وشدد على أن هذه الآثار تشمل الفئات الأكثر هشاشة على نحوٍ خاص، وفي مقدمتها النساء والأطفال واللاجئون والنازحون، فضلًا عن محدودية قدرتهم على التعافي في مراحل ما بعد النزاع.
وأوضح المحاضِر، في عرضه للتطورات الأخيرة في الاقتصاد الكلّي للمنطقة، أن صندوق النقد الدولي راجع في نيسان/ أبريل 2026 توقعاته للنمو في اتجاه الانخفاض، فقد تراجعت تقديرات نموّ الناتج المحلي الإجمالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو الربع مقارنةً بالتقديرات الأصلية. ولفت إلى أنّ انكماشًا حادًا يُتوقَّع في الدول المتأثّرة بالصراع، بما فيها ثلاث من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي قطر والكويت والبحرين. وأشار إلى أنّ معدلات التضخم في الدول المتأثرة ستشهد ارتفاعًا ملحوظًا، في حين يرجَّح أن تتمكن دول المجلس من احتوائه نسبيًا بفضل سياسات الدعم الحكومي.
وكشف أن الحروب لا تُنتج خاسرين فحسب، بل تفرز أيضًا رابحين اقتصاديين، موضِحًا أن مؤشرS&P Aerospace & Defense لشركات الصناعات الدفاعية الأميركية ارتفع بنسبة 51 في المئة خلال عام 2025. وفي المقابل، أشار إلى تراجع إنتاج النفط الخام في دول مجلس التعاون بمقدار أربعة ملايين برميل يوميًا في المدة آذار/ مارس 2025 - آذار/ مارس 2026، مقابل ارتفاع الإنتاج الأميركي بنحو 250 ألف برميل يوميًا خلال المدة نفسها، وهو ما عدّه مؤشّرًا على ضرورة تعميق البحث في الاقتصاد السياسي للحروب وأطره الإمبريالية.
وخصّص جزءًا من المحاضرة لتقييم الهشاشة الاقتصادية للدول العربية أمام الصدمات، بالاعتماد على مؤشّرَين أساسيين، هما مستوى الاعتماد على استيراد الحبوب، وصافي الرصيد الحكومي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وبيّن أنّ تراجع التحويلات المالية من دول مجلس التعاون يمثّل قناة انتقال رئيسة للأزمة إلى الاقتصادات العربية، إذ استقبلت مصر عام 2022 أكثر من 22 مليار دولار من تحويلات العاملين في دول الخليج، أي ما يعادل نحو 5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، بينما بلغت النسبة في الأردن نحو 7 في المئة، وفي لبنان أكثر من 8 في المئة.
وقدّم شعبان محاكاةً لتطور مستويات الفقر بالاستناد إلى مرونات الفقر المرتبطة بالنمو والتضخّم، خلص فيها إلى أن الفقر سيرتفع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 1 في المئة، وفي الدول العربية بنحو 0.9 في المئة، بما يعادل دخول 5.8 ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر، يتمركز معظمهم في الدول العربية المتأثِّرة بالصراعات (2.2 مليون)، وفي إيران 1.4 مليون، إضافة إلى نحو 500 ألف شخص في دول مجلس التعاون قد ينحدرون إلى ما دون خط الفقر. وحذّر من أن عدد الفقراء الجدد سيرتفع إلى 6.7 ملايين شخص، إذا استمرت الحرب فترة أطول، وأن هذه التقديرات تمثّل الحد الأدنى للأثر القصير المدى، وقد تكون الخسائر الفعلية أعلى بكثير. واختتم بالتأكيد على أن أولوية المرحلة المقبلة تتمثل في وقف الحرب، ثم استعادة رأس المال البشري وإعادة بناء شبكات الأمان الاجتماعي، إلى جانب تصميم نموذج للنموّ أكثر عدالة وانحيازًا إلى الفئات الفقيرة، بما يمنع تحوّل الفقر إلى حالة بنيوية متوارثة عبر الأجيال.
وعقّبت على المحاضرة الدكتورة سحر يوسف، الأستاذة المساعدة في برنامج اقتصاديات التنمية في معهد الدوحة. وأشادت بأهمية الورقة وراهنيتها، ولا سيما فيما يتعلق بتوظيف مرونات الفقر في تقدير الأثر القصير المدى للحرب. وأشارت إلى أن انتقال آثار الحرب إلى الاقتصادات العربية لا يتم عبر قناتَي التجارة والطاقة فحسب، بل يمتد أيضًا عبر سوق العمل، مقترحةً التمييز بين الدول التي تعتمد على تحويلات العمالة في الخارج، مثل مصر والأردن ولبنان، والدول التي تستقطب عمالةً وافدة، ومن ثم، قد تشهد تقلصًا في حجمها. وشدّدت على ضرورة فهم الفقر لا بوصفه نتيجة مباشرة للحرب، بل باعتباره حصيلةً لتوزيع غير متكافئ للخسائر والمكاسب الناجمة عنها، في سياق تستفيد فيه بعض الفئات من ارتفاع أسعار الطاقة أو من أرباح الصناعات العسكرية. وتساءلت عن إمكانية تطوير التحليل من مستوى التقدير الإقليمي السريع إلى محاكاة دقيقة على مستوى الأسر، بالاعتماد على بيانات مسوح الدخل والإنفاق، بما يتيح تحديد الفئات الأكثر عرضة للفقر. وفي السياق نفسه، طرحت تساؤلات حول طبيعة السياسات الأكثر فاعلية للحدّ من الفقر أو التخفيف من آثاره، وما إذا كان التركيز ينبغي أن ينصبّ على دعم السلع الأساسية، أم على الاستثمار في سياسات التعليم والصحة والتشغيل.
وقد شهد السيمنار نقاشًا ثريًا حول التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب على دول المنطقة، وقنوات انتقال الأزمة عبر التحويلات المالية والاعتماد على الاستيراد، إضافة إلى آفاق السياسات التنموية في مرحلة ما بعد الحرب، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، ومن أساتذة معهد الدوحة وطلّابه.