أستاذ السياسات العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا.
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الأربعاء 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، قدور مهيريز، أستاذ السياسات العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم مشروعه البحثي بعنوان "الديمقراطية والتعلّم السياساتي: أثر التحول الديمقراطي في إدراك المواطنين للفساد والأوضاع الاقتصادية في الدول العربية"، تناول فيه أثر مستوى الديمقراطية في قدرة المواطنين على تكوين تصورات تستند إلى الواقع بشأن الأداء الاقتصادي والفساد الإداري، وانعكاسات ذلك على مساءلة الحكومات. وشارك في التعقيب على السيمنار عبد الكريم أمنكاي، أستاذ في برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.
انطلق مهيريز من مفهوم "التغذية الراجعة للسياسات العامة"، الذي يشير إلى أن السياسات لا تتأثر بالعوامل السياسية فحسب، بل تسهم بدورها في إعادة تشكيل الحياة السياسية، من خلال الموارد والحوافز والمعرفة التي تنتجها. وركز على الآلية الثالثة، المتمثلة في "التعلّم السياساتي"، بوصفه عملية يكتسب من خلالها الأفراد معرفة بالقضايا العامة وأسبابها، وفاعلية السياسات المتبعة لمعالجتها، وآليات صنع القرار. وميّز بين تعلّم النخب المشاركة مباشرة في صنع السياسات وتعلّم المواطنين، مؤكدًا أهمية الأخير في تفسير التحولات العميقة في السياسات العامة، حين تؤدي مراجعة المواطنين لمعتقداتهم ومواقفهم إلى تغيير سلوكهم السياسي ومطالبتهم بمحاسبة الحكومات.
وأوضح الباحث أن تصورات المواطنين للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تتطابق بالضرورة مع الواقع، وأن الفجوة بينهما قد تُضعف قدرتهم على تقييم الأداء الحكومي ومساءلة المسؤولين. وربط هذه الفجوة بثلاثة عوامل رئيسة، هي الانحيازات الإدراكية التي تؤثر في معالجة المعلومات، والتفاوتات الاجتماعية التي تمنح بعض الفئات قدرة أكبر على إنتاج المعرفة وتوزيعها، وطبيعة المؤسسات التي تحدد فرص المشاركة وتداول المعلومات. وركز المشروع على العامل المؤسسي، ساعيًا إلى اختبار ما إذا كانت الديمقراطية توفر بيئة أكثر ملاءمة للتعلّم السياساتي مقارنة بالأنظمة السلطوية.
واستند مهيريز في بناء فرضيته إلى إطار التحليل والتطوير المؤسسي، ولا سيما القواعد المنظمة للمشاركة السياسية وتداول المعلومات. ورأى أن الديمقراطية، بما تتيحه من انتخابات حرة وحماية لحرية التعبير والتنظيم، توسّع فرص التفاعل الاجتماعي والوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات. كما تعزز القدرة التداولية للمجتمع من خلال البرلمانات والأحزاب والنقابات والجمعيات، التي تتيح إنتاج رؤى منافسة للسردية الحكومية ومناقشة السياسات العامة. ووفقًا لهذا التصور، يسهم تعدد مصادر المعرفة في تكوين مواطن أكثر اهتمامًا بالشأن العام وقدرة على النقد، ويحد من قدرة الحكومات على توظيف المعلومات المضللة من دون مساءلة.
واعتمد المشروع تصميمًا بحثيًا يقوم على تحليل مسوح مقطعية متكررة، شملت بيانات من 13 دولة عربية في الفترة 2014-2024، موزعة على ست موجات من القياس. وقارن الباحث تصورات المواطنين للأوضاع الاقتصادية والفساد الإداري بمؤشرات مرجعية، شملت الناتج المحلي الإجمالي والبطالة وتكلفة المعيشة، ومؤشر مدركات الفساد، مستعينًا ببيانات البنك الدولي ومنظمة الشفافية الدولية، ومؤشرات مشروع تنوع الديمقراطية لقياس مستوى الديمقراطية. وقاس التعلّم السياساتي من خلال درجة اتساق تقييمات المواطنين مع تطورات هذه المؤشرات، انطلاقًا من افتراض أن زيادة هذا الاتساق تعكس قدرة أكبر على إدراك الظروف الفعلية.
وبيّنت النماذج الإحصائية أن العلاقة بين المؤشرات المرجعية وتصورات المواطنين تصبح أقوى كلما ارتفع مستوى الديمقراطية. فقد ازداد ارتباط تقييم المواطنين للأوضاع الاقتصادية بتطور الناتج المحلي الإجمالي، وأصبحت العلاقة السلبية بين البطالة وتكلفة المعيشة وتقييم الاقتصاد أكثر وضوحًا في السياقات الأكثر ديمقراطية. وظهر اتجاه مماثل في ما يتعلق بالفساد الإداري، حيث تعزز اتساق تصورات المواطنين مع المؤشر المرجعي للفساد مع ارتفاع مستوى الديمقراطية. وخلص مهيريز إلى أن الديمقراطية قد تسهم في تحسين فاعلية التعلّم السياساتي، بما يعزز قدرة المواطنين على مساءلة الحكومات، مع تأكيده أن النتائج تظل مشروطة بحدود المؤشرات المستخدمة ومدى تعبيرها عن الواقع.
ونبّه الباحث إلى عدد من القيود المنهجية، منها احتمال إحجام المواطنين في الأنظمة غير الديمقراطية عن التعبير الصريح عن آرائهم، واعتماد مؤشر الفساد على تقييمات الخبراء التي قد تتأثر بالتحيزات، وعدم كفاية المؤشرات الاقتصادية المستخدمة لالتقاط جميع أبعاد التجربة المعيشية، مثل التفاوت الاجتماعي. وأوضح أن ضعف التطابق بين تصورات المواطنين والمؤشرات لا يعني بالضرورة ضعف معرفتهم؛ إذ قد تكون المؤشرات المرجعية نفسها غير قادرة على تمثيل الأبعاد التي يستند إليها الأفراد في تقييم الأوضاع.
وفي تعقيبه على المحاضرة، رأى عبدالكريم أمنكاي أن المشروع يطرح إشكالية مهمة، لكنه يستند إلى افتراضات نظرية تستحق مزيدًا من النقاش، أبرزها أن توافر المعلومات الصحيحة يكفي لتكوين تقييمات دقيقة للأداء الحكومي، وأن حرية التداول السياسي تؤدي بالضرورة إلى إنتاج معرفة أكثر موثوقية. وأشار إلى أن الانحيازات الأيديولوجية وصعود التيارات الشعبوية قد يدفعان المواطنين إلى تبني تصورات مخالفة للمعطيات المتاحة، حتى في البيئات الديمقراطية. كما لفت إلى أن الحصول على المعلومات ينطوي على تكلفة، وأن المواطنين لا يمتلكون بالضرورة الرغبة نفسها في البحث عنها أو القدرات المعرفية المتساوية لفهم المؤشرات الاقتصادية وتحليل السياسات العامة.
ودعا أمنكاي إلى الاستفادة من أدبيات الفاعلية السياسية الداخلية، التي تتناول إحساس المواطنين بقدرتهم على فهم الشؤون السياسية والمشاركة فيها، وإلى مساءلة موثوقية المؤشرات المرجعية نفسها، ولا سيما حين تستند البيانات الاقتصادية الدولية إلى الإحصاءات التي تقدمها الحكومات. كما أثار تساؤلات بشأن مستوى التحليل الإحصائي وطريقة احتساب الارتباط بين المؤشرات القطرية وتصورات الأفراد، واقترح وضع النتائج في سياق مقارن مع الديمقراطيات الغربية، للتحقق إن كان ضعف العلاقة بين التصورات والمؤشرات سمة خاصة بالسياق العربي أو إنها ظاهرة أوسع.
وشهد السيمنار نقاشًا حول العلاقة بين الديمقراطية والتعلّم السياساتي وكفاءة السياسات العامة. وتناولت المداخلات الفروق بين الديمقراطية التمثيلية والتداولية، ودور المؤسسات غير الديمقراطية في إنتاج المعرفة، وتأثير وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في تشكيل تصورات المواطنين، والتمييز بين الفساد الإداري والسياسي. كما طُرحت تساؤلات بشأن ملاءمة المؤشرات للسياقات العربية، وإمكان قياس انتقال التعلّم السياساتي من اكتساب المعرفة إلى المشاركة والفعل السياسي. وشارك في النقاش نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، وأساتذة من معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبته.