استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، يوم الأربعاء 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، تامر قرموط، أستاذ السياسات العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم ورقة بحثية عنوانها "’تمويل غزّة‘ تحت حكم حماس: المانحون الدوليون وصناعة الانقسام الفلسطيني"، تناول فيها العلاقة المعقدة بين المانحين الدوليين والسياسات الفلسطينية الداخلية؛ بدايةً من انقسام عام 2007 إلى لحظة 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مُبيِّنًا كيفية مساهمة سياسات المساعدات وشروطها في إعادة هيكلة الحوكمة في قطاع غزة وتعزيز مسارات الانفصال المؤسساتي والسياسي بين الضفة الغربية والقطاع. وشارك في التعقيب على هذه الورقة البحثية رجا الخالدي، الاقتصادي الفلسطيني، والمدير العام لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية "ماس" سابقًا.
استهلّ الباحث محاضرته بتوضيح كيفية تشكُّل منظومة الحكم في غزة في سياق حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ضمن شبكة واسعة من التمويل الدولي المرتبط بالمسار السياسي الذي انطلق مع اتفاق أوسلو عام 1993. وأشار إلى أنّ قيمة المنح التي تدفّقت إلى الأراضي الفلسطينية منذ ذلك الوقت تجاوزت 40 مليار دولار من المساعدات المدنية، وأنّ معظمها تحت شعار "بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية القابلة للحياة". غير أنّ هذا التمويل لم يكن محايدًا ولا تنمويًا فحسب، بل إنّه شكّل أيضًا أداةً سياسية استخدمها المانحون للتحكم في مسار السلطة الفلسطينية، وضَبْط سلوك الفاعلين المحليِّين، وإدامة نموذج من "الحوكمة المانحة" يخضع لشروط دولية صارمة.
بيّن الباحث أنّ الدول المانحة الرئيسة تنقسم إلى ثلاث كتل: العربية، والغربية، والآسيوية. فعلى المستوى العربي، شكّلت السعودية وقطر والإمارات أبرز الممولين. أما الاتحاد الأوروبي فيُعدّ أكبر مانح منفرد؛ بتمويل تجاوز عشرة مليارات دولار منذ تسعينيات القرن العشرين، وقد ركّز على دعم السلطة الفلسطينية ومشروعات البنية المؤسسية والإدارة العامة. ومثّل التمويل الأميركي بعد أوسلو أداةَ ضغطٍ واضحة؛ إذ ربط المساعدات بشروط أمنية وسياسية هدفت إلى تعزيز التنسيق الأمني مع إسرائيل وضمان سير عملية السلام. وهذا التعقيد، بحسب الباحث، جعل المانحين فاعلين سياسيين بامتياز، وليس مجرّد شركاء تنمويين.
وانتقد الباحث المقاربة السائدة التي تفصل بين "الانقسام الفلسطيني" و"المساعدات الدولية"، موضحًا أنّ العلاقة بين الطرفين سببيّة ومتبادلة. فالانقسام السياسي بين حماس وحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" لم يكن نتيجة للعوامل الأيديولوجية الداخلية فحسب، بل كان أيضًا نتيجةً للهيكلين المالي والسياسي اللذين فرضتهما منظومة المانحين. فبعد فوز حماس في انتخابات 2006 ورفضها شروط "اللجنة الرباعية" الدولية، قُطعت المساعدات المباشرة عنها وصُنّفت منظمةً إرهابية، بينما استمرّ مَنْح المساعدات للسلطة في رام الله؛ ما أدى إلى خلق اقتصادين منفصلين ومؤسستين إداريتين متوازيتين. وبذلك، تحولت المساعدات إلى أداةٍ لإعادة إنتاج "حكومتين تحت احتلالٍ واحد".
اعتمد الباحث في تحليله إطارين نظريَّين: نظرية "الوساطة الدولية" التي تفسّر سلوك المانحين بوصفهم وسطاء غير محايدين، ونظرية "التغيير البنيوي" التي تسعى لفهم كيفية مساهمة التمويل المشروط في ترسيخ الانقسام بدلًا من تجاوزه. وبيّن أن الدول التي جمعت بين دورَي المانح والوسيط، مثل قطر وسويسرا، واجهت تناقضًا هيكليًّا بين وظيفتَي الإغاثة والتأثير السياسي. وقد ضرب الباحث مثلًا، في هذا السياق، مفاده أنّ "المبادرة السويسرية" سعت لدمج نحو 30 ألف موظف مدني في غزة في هيكل السلطة الفلسطينية، لكنها فشلت في هذا الأمر بعد أن رفضت الأطراف الفلسطينية إجراء تنازلات متبادلة.
وأشار الباحث إلى أنّ سياسة "التحايل الإنساني" التي انتهجها المانحون بعد سيطرة حماس على غزة (أي إيصال المساعدات عبر قنوات ومنظمات دولية من دون المرور بالحكومة المحلية) أسست نظامًا موازيًا لإدارة الحياة في القطاع، وأنّ هذا الأمر قد أدى إلى تهميش البنية الإدارية الفلسطينية الرسمية وتعميق الفصل بين المجتمع المدني والحكومة، بحيث صارت المنظمات الدولية تقدّم نحو 90 في المئة من الخدمات الأساسية للفلسطينيين بدلًا من مؤسسات السلطة. وهذه المنظومة، بحسب رأي الباحث، حوّلت غزة من مجالٍ سياسي إلى "مختبر إنساني" لإدارة الأزمات أكثر من كونها مجالًا لتأسيس الدولة.
وفي التعقيب على المحاضرة، أشار رجا الخالدي إلى أهمية الورقة البحثية من حيث سعيها لتفكيك البنية السياسية المتعلقة بالمساعدات، لكنه اقترح قراءة مغايرة لمفهوم "الفرص الضائعة"، مشيرًا إلى أن كثيرًا ممّا بدا فرصًا للمصالحة كان في الواقع "تكتيكًا سياسيًّا" من الأطراف المعنية لإدارة الصراع، وليس لإنهائه. ورأى أن تحليل الباحث يقدّم مساهمةً قيّمة في فهم "اقتصاد الحصار" في غزة وفكرة "الدولة المحاصرة بالتمويل"، لكن هذا التحليل يحتاج إلى دمج البعد الاقتصادي العملي في تفسير سلوك المانحين، خصوصًا من حيث علاقتهم بمشروع "السلام الاقتصادي" الإسرائيلي. وأشار كذلك إلى ضرورة فهم الانقسام الحاصل داخل حركة حماس نفسها بين منطقَي "الحكومة" و"المقاومة"، وهو انقسام أثّر في طبيعة علاقتها بالمانحين، وبمختلف القوى الإقليمية أيضًا.
وشارك في مناقشة موضوع السيمنار عددٌ من باحثي المركز العربي ومعهد الدوحة للدراسات العليا، وذلك حول الدور الذي يؤدّيه التمويل الدولي في الصراع الفلسطيني، والسيناريوهات المرتقبة لإعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب؛ ومن ثمّ، كيف يمكن أن يكون ذلك كلّه اختبارًا حاسمًا لقدرة المانحين على تجاوز عقلية "التحكم عبر التمويل"، ولإمكانيات الفلسطينيين أنفسهم بشأن إعادة بناء وحدتهم السياسية بعيدًا عن وصاية الخارج.