باحث في المركز العربي، حاصل على الدكتوراه في الدراسات الفلسطينية من معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إكستر
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 24 أيلول/ سبتمبر 2025، الباحث في المركز العربي طارق حمود، الذي قدّم محاضرة بعنوان "حماس تحت حكم غزة: قراءة في هيمنة المكان"، تناول فيها قراءة تاريخية نقدية لمسار حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة، انطلاقًا من فرضية ترى أن غزة لم تكن مجرد ساحة لحكم الحركة، بل كانت فاعلًا مؤسساتيًا وتاريخيًا ساهم في تشكيل بنيتها التنظيمية، وأدواتها الاستراتيجية، وهويتها السياسية.
استهل حمود مداخلته بالتساؤل "هل حماس هي التي حكمت غزة منذ 2007، أم أن غزة هي التي حكمت حماس؟"، وأشار إلى أن البيئة المكانية والاجتماعية والتاريخية للقطاع أدت دورًا حاسمًا في صوغ مسار الحركة منذ بداياتها. واستعرض جذور الظاهرة الإسلامية الفلسطينية في غزة منذ تأسيس أول فرع للإخوان المسلمين عام 1945، مرورًا بالتحولات التي أعقبت النكبة وزيادة ثقل اللاجئين في المجتمع الغزي، وصولًا إلى نشأة حماس في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.
ورأى حمود أن غزة تمثل "حالة مكانية استثنائية" وفّرت للإسلام السياسي الفلسطيني استمرارية تاريخية افتقدتها باقي الجغرافيات الفلسطينية. وأكد أن استراتيجيات حماس العسكرية والتنظيمية لم تكن مجرد خيارات أيديولوجية، بل تكيفات فرضتها بنية المكان الغزي، بما يتسم به من كثافة سكانية، وحصار جغرافي، وذاكرة جماعية متوارثة.
وأشار إلى أن حماس، رغم حضورها في الضفة الغربية والشتات، لا يمكن فهمها بمعزل عن البيئة الغزية التي أعادت صياغتها مرارًا بعد محطات الانكسار والضغط، بدءًا من الانتفاضة الأولى وحتى فترة حكمها للقطاع منذ عام 2007. واعتبر أن "المكان" ليس خلفية محايدة، بل منتِج للسياسة ولاعبيها، على نحو يجعل العلاقة بين غزة وحماس علاقة جدلية متبادلة، أكثر من كونها علاقة سيطرة أحادية.
وفي تعقيبه، اعتبر الدكتور هاني البسوس، أستاذ الدراسات الأمنية والاستراتيجية في أكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية، أن المحاضرة قدّمت قراءة دقيقة ومعمّقة، لكنه لفت إلى ضرورة النظر في الطبيعة الجدلية للعلاقة بين الحركة والمكان. وأكد أن غزة كانت "بيئة خصبة لكل الفصائل الفلسطينية" وليس لحماس وحدها، غير أن الأخيرة أحسنت استثمار هذا الواقع أكثر من غيرها. وأشار إلى أن حماس تأثرت بالبيئة الغزية بقدر ما أثرت فيها؛ إذ وظّفت الخصائص الاجتماعية للمجتمع الغزي لبناء قاعدة اجتماعية متينة. لكنه أضاف أن دخول حماس في تجربة الحكم بعد عام 2007 مثّل منعطفًا؛ إذ تحولت من تقديم الخدمات وبناء شرعية المقاومة إلى ممارسة سلطة يومية بمؤسساتها الأمنية والقضائية والتعليمية. وهنا بدأ الجدل حول ما إذا كانت حماس قد نجحت في الحكم أم أنها وقعت في فخ السلطوية.
وقد شهد السيمنار نقاشًا ثريًا بين الحضور من باحثين وأساتذة وطلبة معهد الدوحة للدراسات العليا والمركز العربي، حيث تطرَّق إلى إشكالات العلاقة بين المكان والسياسة، ودور الجغرافيا في تشكيل حركات التحرر الوطني، وإمكانات إعادة بناء المشهد الفلسطيني بعد التحولات الراهنة في غزة.