استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 11 شباط/ فبراير 2026، الأستاذ الزائر في قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في معهد الدوحة للدراسات العليا ساري حنفي، الذي قدّم محاضرة بعنوان "ربط العدالة الليبرالية عند رولز بالفكر الأخلاقي الإسلامي لطه عبد الرحمن: نحو تصور تحاوري للعدالة"، ناقش فيها مشروعه البحثي الذي ينضوي تحت مشروع أوسع يستكشف إمكانات الحوار بين العلوم الاجتماعية والحقول الشرعية والأخلاقية، ساعيًا لاختبار إمكانية التجسير بين العدالة الليبرالية بوصفها إطارًا إجرائيًا، وتصورات أخلاقية إسلامية من دون اختزال أحدهما في الآخر، أو تحويلهما إلى هيمنة متبادلة. وعقّب على المحاضرة كريم صادق، الأستاذ المساعد في برنامج الفلسفة في معهد الدوحة.
افتتح حنفي مداخلته بتحديد دوافعه البحثية، موضحًا أنها تأتي بعد كتابه ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري (2025) وإشكالات هذه الليبرالية في العلوم الاجتماعية، وبخاصة حين تُستورد نماذج ليبرالية جاهزة من دون مساءلة شروطها المعرفية والاجتماعية. وفي المقابل، حذّر من مخاطر شائعة في أدبيات "العدالة الإسلامية" حين تتحول الأخلاق إلى خطاب سلطوي، خصوصًا في تنظيم الفضاء العام. بناء عليه، صاغ سؤاله المركزي: هل يمكن التوفيق بين العدالة الليبرالية والأخلاق الإسلامية بوصفه مسارًا تحاوريًا يتجنب ثنائية الإقصاء أو الهيمنة، من دون أن يكون توفيقًا تلفيقيًا؟
توقّف حنفي، في عرضه لمحددات نظرية جون رولز، عند فكرة "الوضعية الأصلية" و"حجاب الجهل" بوصفهما أداتين لتصوّر قواعد عادلة من دون معرفة الأفراد بمواقعهم الاجتماعية، ثم عرض مبدأَي العدالة، وهما: مبدأ الحريات الأساسية المتساوية للجميع، ومبدأ الفارق الذي يجيز اللامساواة فقط إن كانت في جهة الأشد حرمانًا. وأشار إلى مفهوم "العقل العمومي" الذي يقترح رولز عبره لغة سياسية مشتركة تتيح التوافق في المجتمعات التعددية على الرغم من اختلاف "مفاهيم الخير" ومرجعيات المعنى.
وقدّم حنفي خطوطًا عامة من فكر طه عبد الرحمن، مركّزًا على نقد الحداثة من زاوية أخلاقية، وعلى فكرة أن العدالة ليست ترتيبًا مؤسسيًا فحسب، بل ممارسة أخلاقية متواصلة تتصل بالواجبات والتزكية والعمل على الذات، وسلّط الضوء على علاقة الإنسان بالأمانة والمسؤولية. وأشار إلى نقد عبد الرحمن لفكرة الحياد الليبرالي، وحذّر من تحويل هذا النقد إلى "سياسة أخلاقية" تُفضي إلى احتكار القيم في المجال العام. وبناء على ذلك، اقترح ألّا تكون نقطة الالتقاء الممكنة في تأسيس أنطولوجيا مشتركة، بل في بناء تصور للعدالة يزاوج بين حد أدنى إجرائي يضمن الحقوق، وعمق أخلاقي يمنح العدالة معنى اجتماعيًا.
ولإظهار معنى "العدالة التحاورية" عمليًا، قدّم حنفي خمس دراسات حالة. تناولت الحالة الأولى جدل المحاكم الطائفية في لبنان بين مطلب قانون أحوال شخصية موحد والدفاع عن تعددية قانونية عبر المحاكم، واستند في تحليله إلى استبيان شمل نحو 350 طالبًا من الجامعة اللبنانية والجامعة الأميركية في بيروت، أظهرت نتائجه تفضيلًا واضحًا لفكرة الدولة المدنية مع رغبة واسعة في الحفاظ على معنى ديني لطقوس الزواج والطلاق والوفاة، ما يشير إلى إمكانية الانفتاح على حلول وسط تضمن حق الاختيار الشخصي من دون مصادرة حساسيات جماعية. أما الحالة الثانية فتناولت جدل "الشواطئ المختلطة" بوصفها مثالًا على إدارة الفضاء العام والحساسيات القيمية. في حين عالجت الحالة الثالثة النقاش الذي دار في تونس حول المساواة في الإرث، مبرزةً كيف استخدمت الأطراف المتعارضة حججًا دينية وقانونية وسوسيولوجية في السجال العمومي، بما يشير إلى إمكان بناء لغة عمومية مشتركة تتجاوز ثنائية "الديني" و"العلماني". وتطرّقت الحالة الرابعة إلى بعض جوانب السجال الأميركي حول حقوق المثليين، كما يظهر في خطاب بعض الدعاة المحافظين الليبراليين. وأخيرًا عرضت الحالة الخامسة مثالًا من ألمانيا بشأن الحق في السكن بوصفه حقًا أساسيًا، لتبيّن إمكانية صوغ بعض "القيم" في لغة حقوقية عامة من دون أن تُختزل في مصدر ديني بعينه.
ورأى كريم صادق في تعقيبه أن حنفي حاول تطوير تصور تحاوري للعدالة يصل "صورة العدالة" في إطار رولز الإجرائي بـ "مضمون العدالة" في العمق الأخلاقي عند عبد الرحمن، بما يرسخ الإنصاف من دون إفراغه من المعنى، ويفتح المجال أمام المسؤولية الأخلاقية من دون احتكار الأخلاق. واعتبر أن هذا التصور يفترض مستويين مترابطين، هما: مستوى الشروط الإجرائية التي تجعل العدالة ممكنة في مجتمع تعددي، ومستوى كيفية عيش العدالة بوصفها مسؤولية ونية وسموًا أخلاقيًا، على أن يدخل هذا العمق عبر النقاش العمومي والحوار.
ثم ركّز صادق على التعديل الذي يقترحه حنفي على رولز؛ أي فتح العقل العمومي للحجج الدينية، مع تبنّي قيد "الحجة السلطوية" معيارًا لتنظيم النقاش. وأعلن اتفاقه مع هذا التعديل من حيث المبدأ، لكنه ناقش كيفية فهم المفارقة بين السلطوي وغير السلطوي، معتبرًا أن الخطر يكمن في تحويلها إلى تصنيف قائم على مضمون الحجج بدلًا من النظر إلى أنماط الحجاج واستعمالها داخل علاقات القوة في النقاش العام. وحذّر من أن الاكتفاء بفصل خطاب داخلي للمؤمنين عن خطاب مدني للعموم قد ينجم عنه ازدواجية، ويُبقي "العمق الأخلاقي" خارج السياسة، بدلًا من إدماجه عبر آليات تداولية أكثر اتساقًا.
وأعقب السيمنار نقاش شارك فيه عدد من الباحثين من المركز العربي وطلبة وأساتذة من معهد الدوحة، وتناولوا فيه حدود الحياد الليبرالي، وإمكانات إدخال الحجج الدينية في النقاش العمومي من دون أن تتحول إلى أداة إكراه، وكيف يمكن أن يتعامل تصور "تحاوري" للعدالة مع التعدد داخل المجتمعات العربية ومع تحويل القيم الأخلاقية إلى سياسات عامة قابلة للتداول والاحتكام.