Author Search

​الباحثة الزائرة في المركز العربي​ للأبحاث ودراسة السياسات

مرام مصاروة
مرام مصاروة
السيمنار
السيمنار
هاني عواد
هاني عواد

استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 4 شباط/ فبراير 2026، الباحثة الزائرة في المركز العربي مرام مصاروة، التي قدّمت محاضرة بعنوان "من الصدمة إلى نظام الفقد: حوكمة الحداد في ظل الإبادة"، تناولت حدود المقاربات النفسية الكلاسيكية للصدمة والفقدان حين تُقرَأ تجربة غزة بوصفها فضاءً يُدار بعنف إبادي مستمر، واقترحت مفاهيم تحليلية ومنهجية تنبع من التجربة نفسها لا من مراقبتها من الخارج. وعقّب على المحاضرة مصطفى قصقصي، وهو اختصاصي نفسي عيادي ومعالج أسري.

انطلقت المحاضِرة من نقد التصور السائد للصدمة بوصفها "اختراقًا" لمسار حياة يُفترَض أنه طبيعي، وهو افتراض شكّل قاعدةً لكثير من نظريات الصدمة في التحليل النفسي. ففي هذا التصور، تُفهَم الصدمة بوصفها حدثًا يفوق قدرة الذات على التحمّل والاستيعاب والتمثيل، وينتج قطيعة في استمرارية الخبرة الفردية. ويترتب على ذلك أنّ الهدف العلاجي يصبح ترميم المعنى وإعادة رواية الحدث واستعادة الإحساس بالزمن والسيطرة على الماضي، أي إعادة دمج التجربة في السرد الذاتي. وحتى حين توسّعت هذه المقاربات لتضمّ البعد الاجتماعي، بقيت الصدمة تُفهَم بوصفها طارئة: شيء حدث ثم انتهى ويمكن، نظريًا على الأقل، احتواؤه أو تجاوزه مع مرور الوقت.

في مقابل هذا المنظور، عرضت مصاروة ما تقترحه النظريات المناهضة للاستعمار وعلم النفس التحرري، حيث لا تعود الصدمة نتاج حادث "مفرط" بقدر ما تُرى أثرًا متراكمًا لعلاقات قوة استعمارية تعيد إنتاج العنف يوميًا عبر التحكّم في الأرض والجسد والذاكرة، وفي الزمن نفسه. هنا تصبح الصدمة حالة وجودية تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية، ويغدو الألم جزءًا من شروط العيش ذاتها ضمن منطق إدارة الحياة والموت. غير أنها شددت على أنّ حتى هذا الإطار المفاهيمي "ينهار جزئيًا" أمام حالة مثل غزة، التي وصفتها بأنها "مختبر نظري"، لا بمعنى أنها حالة متطرفة تُعمّم نتائجها، بل لأنها تُجبِرنا على إعادة التفكير في الأسئلة التي ننطلق منها أصلًا، وتكشف حدود النظريات لا صلاحيتها.

وأوضحت أن معظم نظريات الصدمة صيغت في سياقاتٍ تفترض وجود دولة قانون وزمن مستقر وإمكاناتٍ ما للتعافي. أما في غزة، فـ "لا يوجد ما بعد الصدمة"، ولا زمن للتعافي، ولا فضاء يمكن الذات أن تستقر فيه لتعيد بناء سرديتها؛ إذ إن العنف ليس لحظة استثنائية بل بنية حكم. وذهبت إلى أنّ مفاهيم شائعة، مثل الصدمة والحداد والتكيّف والمرونة وحتى الأمل، ليست مفاهيم كونية خالصة، بل مشروطة سياسيًا وتاريخيًا بسياقات قد لا تكون قائمة في عالم تحكمه أنماط عنف إبادي ممتدة.

وعلى هذا الأساس، نقلت مصاروة النقاش من "استمرارية الصدمة" إلى ما سمّته الزمنية الوجودية والمعرفية للصدمة. فالصدمة، في قراءتها، لا تُراكِم أعراضًا نفسية فقط، بل تنتج نمطًا خاصًا من إدراك الزمن والعالم والجسد والعلاقات الاجتماعية. والأفراد لا "يعيشون مع الصدمة" بقدر ما "يتكوّنون من داخلها"، ويتشكّل وعيهم داخل بنية إدراكية قائمة على الخطر والترقّب وانعدام الأفق، بحيث يصبح العنف مرجعية إدراكية لفهم الذات والمستقبل.

وشددت، في عرض منهجيتها، على أنّها لا تتعامل مع المنهج بوصفه أداة لجمع البيانات فقط، بل باعتباره مقاربة نقدية ترمي إلى مساءلة طرق إنتاج المعرفة وما يُعدّ "معرفة شرعية" داخل الحقول الغربية الكلاسيكية، خصوصًا فيما يتعلق بموضوعَي الصدمة والفقدان. لذلك، وضعت "الصوت الغزّي المحلي" في مركز إنتاج المعرفة بوصفه معرفة قائمة بذاتها، لا مادة خامًا للتحليل.

استند البحث إلى مقابلات نوعية مع 32 مشاركًا ومشاركة راوحت أعمارهم بين 16 و74 عامًا، من مختلف مناطق قطاع غزّة، وكان معظمهم يقيمون في مخيمات النزوح في رفح، أثناء فترة جمع المعطيات. وذكرت المحاضِرة أن هذه الشهادات تتميز بأنها لا تأتي من "خارج الصدمة" أو من موقع "ما بعد الصدمة"، بل من داخلها؛ فالمشاركون لا يتحدثون عن تجربة انتهت، بل عن واقع مستمر، ما يضع الباحث أمام نوع مختلف من المعرفة، لا يمنح مسافة تأمّلية مريحة ولا يُنتج سرديات مغلقة.

ضمن هذا الإطار المفاهيمي والمنهجي، اقترحت مصاروة مفهومَين مركزيَين منبثقَين من المادة الميدانية، وهما: "الصدمة المتشابكة" و"الفقد اليتيم"، وربطتهما بما سمّته "نظام الفقد" في سياق الإبادة. فالإبادة، كما عرضت، لا تُفهَم فقط بوصفها تصنيفًا قانونيًا أو توصيفًا أخلاقيًا لحجم العنف، بل بنية تعمل على إنتاج "المحو" بوصفه نمطًا للحياة اليومية؛ محو المكان، وكسر استمرارية الزمن، وتفريغ الذاكرة من معناها، وتجريد الأفراد من القدرة على تحويل تجربتهم إلى سرد أو إلى مستقبل.

واستحضرت مفهوم "إدانة الذاكرة" بوصفه ممارسة تاريخية لمحو الأشخاص من الوجود الرمزي عبر إزالة أسمائهم وآثارهم، وأشارت إلى صيغ رمزية مشابهة في تقاليد دينية، قبل أن تنتقل إلى السياق الاستعماري الحديث، حيث يتحوّل محو الذاكرة إلى سياسة بنيوية تُمارَس على جماعة كاملة: محو المدن والقرى، وتغيير الأسماء، وتدمير الأرشيف، وإعادة كتابة السردية. واعتبرت أنّ ما ينتجه هذا النمط هو "صدمة بلا أرشيف" و"حداد بلا أثر"، حيث تُقصَف البيوت فلا تعود أماكنَ للعيش ولا للذكرى، وتُقصَف المقابر فتتزعزع طقوس الدفن والحداد، وتتعذر حتى القدرة على تسمية الفقد وتثبيته في الذاكرة.

وشبّهت مصاروة التجربة الغزّية، في صياغتها لمفهوم "الصدمة المتشابكة"، بشبكة الصيد؛ فهي ليست خيطًا واحدًا بل عقد وخيوط متقاطعة، وأيّ تمزيق في نقطة يعيد توزيع أثره على كامل البنية. هكذا تتقاطع طبقات الصدمة الجسدية والنفسية والسياسية والاستعمارية، ويُعاد تنشيط ذاكرة النكبة والنزوح مع كل قصف ونزوح جديد، فتتراكم الصدمات عبر الأجيال بوصفها صدمة عابرة للأجيال، لا يرث فيها الأبناء قصص الفقد، فقط، بل أنماط الإدراك والخوف والانتظار وانعدام الأفق. أما "الفقد اليتيم"، فقدّمته بوصفه نمطًا من الفقد لا يجد شروط الحداد الرمزية والاجتماعية. فالفقد هنا لا يترافق مع جنازة، ولا قبر، ولا وداع، ولا زمن واضح للحزن.

وتوقّف مصطفى قصقصي، في تعقيبه، عند سؤال "كيف تتكلم الذات الفلسطينية؟ وكيف نتكلم عنها؟"، حين تُستهدَف الحياة والذاكرة والأثر في آن واحد. ورأى أن الاهتمام بالذات والذاتية الفلسطينية في هذا السياق ليس ترفًا، بل ضرورة معرفية وسياسية وأخلاقية، ولا يعني انحيازًا إلى فردانية تهرب من السياسي، بل محاولة لإعادة إدخال السياسة في قلب النفسي، لأن الذات الفلسطينية، بحسب تعبيره، تتشكل داخل الإبادة والإماتة حيث تُعاد هندسة المجالَين الاجتماعي والنفسي حول حضورٍ دائم للموت.

وفي جانب منهجي، أشار المعقِّب إلى أنّ إنتاج المعرفة في سياق الإبادة ليس محايدًا، بل مقيّد ومشحون أخلاقيًا ومحفوف بالمخاطر الوجودية، بحيث تصبح المعرفة أيضًا محاولة لمنع العالم من الانهيار، ووضع "علامة في وجه النسيان". وختَم بملاحظة نقدية دعت إلى طرح أسئلة إضافية على "نظام الفقد"، حتى لا يُقرَأ بوصفه بنية مغلقة تبتلع التنوع الواسع للسلوكيات اليومية ومساحات المناورة الرمزية، مقترحًا التفكير في الفاعلية الإنسانية بوصفها فجوات داخل النظام، "حفر ثقوب في الجدار" تحفظ الأسماء وتبتكر طقوس حداد مصغّرة واستِعادات يومية للمعنى.

وقد شهد السيمنار نقاشًا مستفيضًا، شارك فيه عدد من الباحثين والأكاديميين من المركز العربي وأساتذة معهد الدوحة للدراسات العليا وطلّابه، تناول أسئلة إنتاج المعرفة في سياق الحرب، وحدود اللغة النفسية في توصيف العنف الاستعماري والإبادي، وإمكانات التوثيق والحداد حين تُستهدَف الذاكرة والبنية الرمزية للمجتمع، فضلًا عن دلالة بناء المفاهيم النظرية من داخل التجربة لا من خارجها.