أستاذ التخطيط الحضري
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 25 شباط/ فبراير 2026، الدكتور يوسف جبارين، أستاذ التخطيط الحضري، الذي قدّم محاضرة عنوانها "نهاية الجغرافيات السياسية الفلسطينية: نحو فهم جديد لأشكال السيطرة المتعددة في فلسطين التاريخية"، تتبّع فيها الجغرافيات السياسية التي أسّستها إسرائيل منذ النكبة، وقدّم تحليلًا لأنماط السيطرة المتعددة على الأرض والديموغرافيا الفلسطينية.
انطلق الباحث من فرضية مركزية مفادها أن المشروع الصهيوني لإقامة دولة إسرائيل لم ينتهِ بعدُ، وأنه ما زال قيد الاستكمال، مؤكدًا أن هذا التصور يشترك فيه الطيف السياسي الإسرائيلي بأكمله، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، لا سيما بعد الحرب على غزة. وأوضح أن المجتمع الإسرائيلي، بمؤسساته الأكاديمية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، يؤمن بأن المشروع الصهيوني غير آمنٍ جغرافيًا وديموغرافيًا، مما يستدعي ممارسات يومية لإحكام السيطرة على الأرض.
قدّم الباحث إطارًا تحليليًا مركّبًا من ثلاثة محاور، هي: الأيديولوجيا الصهيونية تجاه الأرض والوطن، والاستراتيجيات الحيزية والتخطيطية المتّبعة لتحقيق هذه الأيديولوجيا، والجغرافيات الناتجة من هذه السياسات. واستند في تحليله إلى بنك معلومات جغرافي، طوّره خلال الأشهر الأخيرة، يتضمّن طبقات تفصيلية من البيانات الديموغرافية والمخططات التفصيلية والقُطرية الإسرائيلية.
حدّد الباحث ستة أنواع من الجغرافيات السياسية التي طوّرتها إسرائيل في فلسطين التاريخية. فالجغرافيا الأولى هي جغرافيا الفصل العنصري داخل إسرائيل؛ إذ بيّن أن الفلسطينيين يُمنعون من السكن في 1109 بلدات في إسرائيل، وهو ما يمثل نحو 85 في المئة من مساحة الدولة، موضحًا أن إسرائيل سيطرت على 93 في المئة من الأراضي من خلال عدّة قوانين؛ من قبيل قانون أملاك الغائبين. أمّا الجغرافيا الثانية، فهي جغرافيا "الغيتو" الفلسطيني؛ إذ تحوّل الفلسطينيون، البالغ عددهم اليوم أكثر من مليونَي نسمة داخل إسرائيل، إلى مجتمعات محاصرة في بلدات صغيرة من دون خدمات كافية، مع انسحاب الدولة من مسؤولية توفير الأمن، وهو ما أدى إلى تحوّلها إلى مناطق يسودها العنف بمعدلات تفوق العديد من المدن بستة أضعاف (نيويورك مثلًا).
وأمّا الجغرافيا الثالثة، فهي جغرافيا المدن الثنائية القومية، التي نشأت نتيجة هجرة الفلسطينيين من الغيتوهات إلى مدن أُسست كمدن يهودية؛ إذ أصبحت عدّة مدن (نتسيرت عيليت مثلًا) تضم نحو 50 في المئة من السكان العرب. في حين أنّ الجغرافيا الرابعة هي جغرافيا القدس التي تعيش بين الغيتو والتهويد المكثف. فقد صودر 68 في المئة من أراضيها، وأصبح 43 في المئة من سكان القدس الشرقية من المستوطنين اليهود، مع وجود أكثر من 11 ألف مخطط تفصيلي لتهويد المدينة.
الجغرافيا الخامسة هي جغرافيا الفصل العنصري العدواني في الضفة الغربية؛ إذ أشار الباحث إلى التحوّل النوعي الذي حدث مؤخرًا بإقرار قانون تسوية الأراضي، الذي سمح، أوّلَ مرة منذ عام 1967، بتسجيل الأراضي وبيعها لليهود، وهو ما يُعدّ ضمًّا فعليًّا لمنطقة "ج" التي تشكّل 61 في المئة من الضفة. وأوضح الباحث، أيضًا، أن هذا القانون يُطبّق آليات السيطرة نفسها التي مكّنت إسرائيل من الاستحواذ على 93 في المئة من أراضي فلسطين عام 1948. وتتمثّل الجغرافيا السادسة في جغرافيا غزة، التي وصفها الباحث بأنها تشهد تدميرًا مطلقًا، مشيرًا إلى أن المخططات الجديدة (مخطط "صن رايز" مثلًا)، تهدف إلى تحويل 70 في المئة من مساحة غزة إلى أراضٍ تُوزَّع على مستثمرين دوليين، مع إقامة خمس مدن جديدة لإعادة توطين السكان، وتشجيع الهجرة الفلسطينية من خلال حوافز مالية.
أشاد عروة سويطات، الباحث في برنامج الدراسات الفلسطينية بجامعة براون، في تعقيبه على المحاضرة، بالإطار التحليلي الذي قدّمه جبارين، معتبرًا أن عُمق المحاضرة يكمن في رفض التعامل مع فلسطين على أنها ملفات منفصلة. وأوضح أن المحاضِر نجح في الجمع بين فهم الدوافع الأيديولوجية الصهيونية والتقنيات القانونية والتخطيطية التي تحوّل هذه الأيديولوجيا إلى ممارسات يومية. وأشار سويطات، أيضًا، إلى أهمية كشف المحاضِر للتحوّلات القانونية الجديدة، مثل خصخصة الأملاك المصادرة وبيعها لشركات ومؤسسات استيطانية، مؤكدًا أن هذا المدخل البحثي يؤسس لدراسات جديدة حول كيفية مواجهة الفلسطينيين لهذا النظام الجغرافي السياسي بأشكال مختلفة من المقاومة وإعادة التموضع.
وقد شهد السيمنار نقاشًا مستفيضًا حول آليات السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، والتحوّلات القانونية الأخيرة وتداعياتها، وسُبل المواجهة الممكنة، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين في المركز العربي، إضافةً إلى أساتذة وطلبة من معهد الدوحة للدراسات العليا.