أستاذ العلوم السياسية ورئيس برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا
استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، يوم الأربعاء 10 أيلول/ سبتمبر 2025، الدكتور باسل صلّوخ، أستاذ ورئيس برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي قدّم محاضرة بعنوان "التنظير للدولة العربية: مسارات وأزمنة ومفاهيم بديلة". انطلقت المحاضرة من سؤالٍ مزدوج: كيف يمكن إعادة بناء النظرية السياسية حول الدولة العربية بعد انتفاضات العقد الأخير؟ وما المسارات التاريخية المختلفة التي تفسّر تباينَ نشوءِ الدولة وبنائها في العالم العربي مقارنةً بالتجربة الأوروبية؟
بيّن صلّوخ أنّ المحاضرة هي في الأصل جزء من كتاب سيصدر قريبًا باللغتين العربية والإنكليزية، ويركّز عرضها على تطوير فكرتين محوريتين. تتعلّق الأولى بضرورة "نزع الاستعمار من النظرية السياسية" من خلال إدماج خبرات الجنوب العالمي في النقاشات الكونية حول الدولة، بما يتيح تجاوز النموذج الغربي المعياري من دون الوقوع في نزعة استثنائية عربية. أما الفكرة الثانية فتهدف إلى بلورة مدخل جديد لفهم علاقتَي نشوء الدولة State Formation وبناء الدولة State-Building في السياق العربي، وما يترتّب على هذا التفريق من تداعيات على طبيعة العملية السياسية منذ الاستقلال وحتى اليوم.
وأبرز المحاضر التوتر الدائم بين خطاب "غياب الدولة" المتداول في الأدبيات السياسية العربية وبين حضورها الفعلي بوصفها فاعلًا رئيسًا في ضبط الحدود واحتكار العنف وتوزيع الموارد. ويؤدي هذا التوتر، في رأيه، إلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تناولها ماكس فيبر وتشارلز تيلي وسيباستيان مازّوكا، لكن من منظورٍ يُبرز خصوصيات الإرث العثماني وتجربة "التحديث السلطاني" وما بعد الاستعمار. ففي غياب أرستقراطية إقطاعية على النمط الأوروبي، ومع تمركز ملاّك الأراضي الريفية في المدن، لم تتبلور قطيعة حادّة بين أنماط الحكم الشخصاني وبيروقراطية الدولة الحديثة، ولا بين أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية والرأسمالية الناشئة.
اعتمد صلّوخ مقارناتٍ مع أميركا اللاتينية، حيث جاء نشوء الدولة المتأخّر عبر التجارة لا الحرب، ليُبرز أنّ ثنائية "صانعي الحرب/ صانعي السوق"، التي صاغها تيلي، تتحوّل في السياق العربي إلى "صانعي النظام" الذين قدّموا بقاءهم على حساب مشروع بناء الدولة. وأوضح أنّ اللحظات الحاسمة بعد انهيار الدولة العثمانية أدّت إلى توريث هياكل وفاعلين سابقين لدول الاستقلال، من دون ترسيخ عقدٍ مواطني متبادل بين الحاكم والمحكوم.
وانتقد الارتهان المعاصر للمنظور النيو-فيبري الذي يختزل النقاش في قياس القدرات المؤسسية والثنائية الصارمة بين الدولة والمجتمع. ودعا إلى تبنّي مقارباتٍ بديلة تستلهم عمل فواز طرابلسي وجوزيف سلامة حول "الدولة المتكاملة" في لبنان، وكذلك دراسات رباب المهدي وليزا وادين وشارلز تريب، التي تُبرز أنّ الممارسات اليومية والخطابات الرمزية تنتج الدولة وتعطيها معناها. غير أنه أشار إلى ما يعتري هذه الأدبيات من مشكلات تتعلق بالسببية وإهمال البعد المادي، محذّرًا من احتمال تحوّلها أحيانًا إلى "إحياء مفاهيمي بلا مضمون بنيوي".
واستكمالًا لمشروع نزع الاستعمار عن النظرية، استحضر صلّوخ مقترَحي أدوم غيتاشو وكارونا مانتين حول "الابتكار المفاهيمي" و"الإحياء المفاهيمي" لإعادة بناء مفاهيم السيادة والمواطَنة بدلًا من الاكتفاء برفضها. وخلص إلى أنّ التنظير للدولة العربية بعد الانتفاضات يقتضي الاعتراف بتعدّد مسارات تشكّلها، والتمييز بين الدولة والنظام، ودمج سؤال المواطَنة بوصفه شرطًا لإضفاء الشرعية على احتكار التشريع والعنف، مستشهِدًا بكتابات عزمي بشارة بوصفها إحدى أبرز محاولات الإحياء المفاهيمي.
ثمّن الدكتور عبد الوهاب الأفندي، رئيس معهد الدوحة، في تعقيبه، طموح المحاضرة المتمثّل في تجاوز النموذج الفيـبري، لكنه تساءل عن إمكان صياغة بديلٍ نظري متماسك يعالج معضلة السيادة والدستور في دول متعدّدة الأديان والإثنيات. واستعاد مثال "صحيفة المدينة" بوصفها معاهدةً حدّدَت التزاماتٍ دنيا (الدفاع المشترك ورعاية الفقراء) بدلًا من الاعتماد على مفهوم الدستور الملزِم، مقترحًا التفكير في نماذج تعاقدية مرِنة لا تفترض سيادةً مطلقة. ونبّه إلى ما سمّاه "الثقب الأسود" في بعض الجمهوريات العربية، حيث يتقلّص الفضاء العمومي ويغيب شرط الشفافية الذي يميّز الدولة الحديثة، فتتحوّل الدولة/ الحزب/ الطائفة في نهاية المطاف إلى شخصٍ واحد. ورأى الأفندي أنّ الخروج من هيمنة النموذج الأوروبي لا يعني بالضرورة القطيعة معه، بل يستدعي توسيع أفق المقارنة ودمج خبرات الجنوب في نقاشٍ عالمي حول الأمن والديمقراطية وشرعية السلطة، لا سيما أنّ أزمة عدم الأمان البنيوية تُعدّ سببًا رئيسًا لتصلّب الأنظمة وانغلاقها.
شهد السيمنار نقاشًا ثريًّا شارك فيه باحثون من المركز العربي وأساتذة وطلبة من معهد الدوحة، وتناول قضايا إعادة تعريف الدولة في العلوم السياسية، وموقع المواطَنة في التنظير لما بعد الانتفاضات، وجدوى المفاهيم الغربية، مثل السيادة والشفافية، في سياق عربي يختلف مساره التاريخي عن أوروبا.