استضاف سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الأربعاء 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز، الذي قدّم محاضرة بعنوان: "كيف تفسر نظريات الثورة سقوط نظام الأسد؟ آليات فهم الصراعات الأهلية في الدول المحورية المنقسمة على ذاتها"، تناولت حدث سقوط نظام بشّار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 بعد أربعة عشر عامًا من الثورة السورية، مستندةً إلى مقاربة نظرية تربط بين دراسات الثورة والحروب، وجدلية الداخل والخارج في تفسير سقوط الأنظمة.
استعرض قبلان مسار الأحداث التي أفضت إلى الانهيار السريع للنظام خلال اثنَي يومًا فقط، بدءًا من سقوط حلب، في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، إلى وصول المعارضة إلى دمشق، في 8 كانون الأول/ ديسمبر. وأوضح أنّ هذه التطورات فرضت طرح تساؤلات حول تفسير هذا الانهيار المفاجئ: هل كان نتيجة تفاهمات دولية وتخلّي داعمي النظام عنه؟ أم أنه ثمرة تخطيط عسكري طويل لفصائل المعارضة التي استثمرت ثغراته في لحظة حرجة؟
وقدّم مقاربتين فكريتين لتفسير الظاهرة، تمثلت الأولى في "مدرسة الدولة" التي تركز على العوامل الداخلية مثل الفساد والتفاوت الاقتصادي وانسداد الأفق السياسي وتآكل شرعية السلطة، والتي هيّأت الظروف الموضوعية لاندلاع الثورة السورية. أما الثانية فتمثلت في "المدرسة النظامية"، التي ترى أنّ موازين القوى الإقليمية والدولية هي المحدد الأساسي لنتائج الصراعات الأهلية. وبيّن المحاضر أنّ بقاء النظام طوال ثلاثة عشر عامًا من الثورة كان رهينًا بالدعم الروسي والإيراني، في حين ارتبط سقوطه بانحسار هذين العاملين بفعل حرب أوكرانيا من جهة، وانخراط إيران في مواجهة إقليمية شاملة بعد عملية "طوفان الأقصى"، من جهة أخرى.
وأضاف قبلان أنّ أهمية الحالة السورية لا تكمن فقط في تفاصيل سقوط الأسد بل في قيمتها التفسيرية لفهم ديناميات الثورات في الدول المحورية المنقسمة بشدة على ذاتها. فقد أظهر الدرس السوري أنّ الثورة تتحول من حدث داخلي ناتج من اختناقات اجتماعية واقتصادية إلى ساحة تتقاطع فيها رهانات الفاعلين الإقليميين والدوليين، وأنّ مسارها لا يُحسم بقوة المعارضة أو ضعف النظام فحسب، بل بمدى استعداد الأطراف الخارجية للاستثمار في استمرار النظام أو السماح بانهياره. وأكّد أنّ الثورة السورية تعكس تداخلًا غير مسبوق بين العوامل البنيوية الداخلية والضغوط الجيوسياسية الكبرى.
وعقّب محمد جمال باروت، الباحث في المركز العربي، على المحاضرة بأنها أتاحت مدخلًا مهمًا لإعادة النظر في تفسيرات الثورة السورية، ولفت إلى أنّ تحليل الظاهرة يحتاج منهجيًا إلى تحديدٍ أوضح للمتغيرات المستقلة والوسيطة والتابعة في دراسة الحالة السورية. وأكّد أنّ الأزمة السورية تكشف قصور النظريات التقليدية حول الثورات والحروب الأهلية، معتبرًا أنها تفرض على الباحثين كسر الأدوات التفسيرية الكلاسيكية وإعادة تركيبها. ورأى أنّ سقوط النظام السوري يمثّل حالةً نموذجية لما سمّاه "اقتناص الفرصة"، حيث تلاقت عوامل دولية وإقليمية مع انكسارات داخلية في لحظة حاسمة، مشددًا على ضرورة ربط تحليل البنية بالتصرفات الفردية، خاصة في كيفية تعامل النظام مع الأزمات.
شهد السيمنار نقاشًا ثريًا، جمع باحثين وأساتذة من المركز العربي ومعهد الدوحة للدراسات العليا، حيث تناول دلالات سقوط النظام السوري على مستوى نظريات الثورة وجدلية العلاقة بين الداخل والخارج في تفسير التحولات الكبرى.