العنوان هنا
دراسات 06 نوفمبر ، 2018

"الدولة العميقة": محاولة لضبط المفهوم

الكلمات المفتاحية

علي الجرباوي

أستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة بيرزيت، له العديد من الكتب والدراسات المتعلقة بالشأن الفلسطيني. عمل عميداً لكلية الحقوق والادارة العامة ومديراً لمعهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في الجامعة. وشغل العديد من المواقع في فلسطين، وكان مديراً للهيئة الفلسطينية لحقوق المواطن ، والامين العام للجنة الانتخابات المركزية، ووزيراً للتخطيط والتنمية الإدارية، ووزيراً للتعليم العالي في الحكومة الفلسطينية. 

تأتي هذه الدراسة محاولةً لفهم مصطلح "الدولة العميقة"؛ في ضوء تزايد استخدام المصطلح في الأدبيات والتحليلات السياسية، وخصوصًا في مجال الدراسة المقارنة، وتحديدًا عند دراسة حالات متعددة من النظم السياسية. ومن خلال تحليل الأدبيات التي يُستخدم فيها هذا المصطلح، يتضح أن الغموض يكتنف مفهوم الدولة العميقة؛ إذ يُعرّف بطرق متباينة، ويُستخدم بأشكال متعددة؛ ما يجعله يحمل دلالات مختلفة. تنطلق هذه الدراسة من نظرة نقدية للمفهوم، وتفترض أن ضبابية تعريفه تشتمل على عنصرَي الخفاء والمؤامرة، من جهة، وفضفاضية استخداماته في نظم سياسية متنوعة (ديمقراطية وشبه ديمقراطية وسلطوية)، من جهة ثانية، تجعلان منه أداة تحليلية غير مفيدة، أو غير قادرة على توسيع المجال المعرفي لعلم السياسة المقارنة. ولإثبات ذلك تتتبَّع الدراسة استخدامات مفهوم الدولة العميقة، لتظهر التباينات، وتبرهن على صحة افتراضها. وتقوم بعد ذلك بمحاولةٍ لضبط المفهوم باستثناء بعض النظم السياسية التي ضُمّت تحت لوائه.

مقدمة

في الدراسة المتخصصة في مجال النظم السياسية المقارنة، وتحديدًا في موضوع "دراسة الحالة" لنظم سياسية محددّة، طفَا على السطح منذ تسعينيات القرن الماضي مفهوم بدا جديدًا، هو الدولة العميقة. يختصّ هذا المفهوم الذي جاء في السابق تحت مسمّيات مختلفة مثل "دولة داخل الدولة"، و"حكومة الظلّ"، و"الحرس القديم"، و"مراكز القوى"، و"الدولة المزدوجة"، و"الدولة الموازية"، بمعالجة قضايا تتعلق بموضوعات الهيمنة على القرارات المتعلقة بتوزيع المصادر المحدودة داخل الدولة، والصراع الناجم عن ذلك بين مكونّات القوى المختلفة فيها ومراكزها، بما يتضمنه ذلك من إمكان اللجوء إلى استخدام العنف، ونتيجة ذلك من تحوّلات متعلقة بالنظام السياسي ومركبّات وآليات وفاعلية.

تعالج هذه الدراسة، في نظرة نقدية، مدى الصلاحية والجدوى اللتين يُقدّمهما مفهوم الدولة العميقة، مع تعدد طرق استخداماته المختلفة، بالنسبة إلى مجال دراسة النظم السياسية المقارنة. ولتحقيق ذلك، يتمّ الانطلاق من استعراض مُكثّف لتعريف هذا المفهوم، بما يشمله ذلك من تحليل مقارن للمضامين المتعددة التي ينضوي إليها هذا التعريف، والتي تؤدي إلى دلالات مختلفة تجعله ينطبق على حالات نظم سياسية متنوّعة. ومن خلال هذا التحليل، يُضّر اتساع تعريف مفهوم الدولة العميقة وضبابيته حاليًا، وعدم ثبات استخدامه المصطلحي، بل توظيفه على نحو تعميمي، وعشوائي، وفضفاض، بقدرته التفسيرية، ويحدّ من أثر فائدته المعرفية، في مجال الدراسة المقارنة. ولتعديل ذلك، تقوم الدراسة بمحاولةٍ لضبط مفهوم مصطلح الدولة العميقة وتحديده، عن طريق استثناء انطباقه الحالي على نوعين من النظم السياسية، وتقليص استخدامه في مجال "دراسة الحالة" فحسب، ليصبح مفيدًا.


* هذه الدراسة منشورة في العدد 34 (أيلول/ سبتمبر 2018) من دورية "سياسات عربية" (الصفحات 7-21)وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات كل شهرين.

** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.