دراسات 01 يناير ، 2013

دور مراكز الأبحاث في الوطن العربيّ: الواقع الراهن وشروط الانتقال إلى فاعلية أكبر

خالد وليد محمود

يشغل خالد وليد محمود وظيفة باحث مساعد في المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات. وكان قد عمل محرّرًا ومشرفًا في قسم الأخبار في "ياهو – مكتوب". وتركّز أبحاثه على دراسة النّشاط السياسي عبر الإعلام الرقميّ والمواقع الاجتماعية. عمل خالد محمود أيضًا باحثًا في عدّة مشاريع أكاديميّة، مثل برنامج "سيفيتاس" لقياس الرّأي العامّ لدى فلسطينيّي المهجر؛ كما اشتغل باحثًا مع البروفيسور ناثان براون، في دراسة المشاركة السياسيّة لحركة الإخوان المسلمين في الأردن. ونُشرت له عدّة مقالات في دوريّات محكّمة وفي الصّحف الإلكترونية والمطبوعة. وله عدد من المؤلفات: شبكات التّواصل الاجتماعي وديناميكية التّغيير في العالم العربيّ (2011)، آفاق الأمن الإسرائيلي: الواقع والمستقبل (2007)، مراكز البحوث في الوطن العربي (2013)، قلاع اللغة العربية ورياح الثورة الإعلامية (2013). وهو حاصل على البكالوريوس في العلوم السّياسية ودرجة الماجستير في العلاقات الدّولية من الجامعة الأردنيّة.

تزايد الاهتمام بمراكز الأبحاث والدراسات عالميّا بشكل واضح وملحوظ في العقود الأخيرة من القرن العشرين. فقد أصبحت تمثِّل أحد الدلائل الهامّة على تطور الدولة وتقييمها للبحث العلمي واستشرافها آفاق المستقبل؛ وذلك وفق المنظور المعرفي لتطور المجتمعات الإنسانية عمومًا، وانطلاقا من عدّ تلك المراكز مؤشرا للمنجزات الحضارية والنهضوية والثقافية وعنوانا للتقدم وأحد مؤشِّراته في التنمية ورسم السياسات. وتعد عملية دراسة القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع والدولة وتحليلها، من أهم الأدوار التي تضطلع بها المراكز البحثية عموما؛ إذ تهدف من خلالها إلى معرفة الأسباب التي تكمن وراءها، وبلورة الرؤى والمقترحات العلمية المتعلّقة بها، ووضع الحلول المناسبة لها. وقد أصبح للمراكز البحثية دور رائد ومتقدم في قيادة السياسات العالمية، وصارت أداة رئيسة لإنتاج العديد من المشاريع الإستراتيجية الفاعلة. وهي الجهات الأساسية التي تستطيع رسم خطط المشاركة في تلك المشاريع، والإسهام فيها إسهاما فاعلا. كما أصبحت مراكز الأبحاث والدراسات جزءا لا يتجزّأ من المشهد السياسي والتنموي في العديد من البلدان المتقدمة. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن لها دورا أساسيا في نهوض الأمم وتقدُّم الشعوب نحو تحقيق أهدافها. وقد ارتقت تلك المراكز الحديثة إلى حدّ، أصبحت فيه أحد الفاعلين في رسم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وأحد المؤثِّرين فيها، وأحد المشاركين في وضع الحلول لها؛ وذلك من خلال توظيف البحث العلمي في خدمة قضايا المجتمع، بتقديم الرؤى وطرح البدائل والخيارات، بما يدعم عمليات صنع القرارات ورسم السياسات.

عربيًّا، تنامى الاهتمام بمراكز الأبحاث والدراسات. وأصبحت محلّ حديث عنها بشكل واضح منذ بداية تسعينيّات القرن الماضي. واتسعت دائرة نشاطاتها من حيث الحجم الكمي، ومن حيث نوعيّة المساهمات التي تقدّمها. ولقد تولّى القطاع الخاص إنشاء مراكز دراسات ومعلومات وأبحاث متنوعة ومتخصِّصة، كمبادرات نوعيّة في عدد من البلدان؛ حتى أصبحت جزءا من المكونات الثقافية في عدد من الدول. وتختلف أسباب هذا التطور ودوافعه من بلد إلى آخر، ومن مركز إلى آخر. وقد صاحب هذه الظاهرة تزايد المؤتمرات العلمية والأكاديمية والمنشورات العلمية. وهي تبحث في مختلف شؤون الحياة المحلية والإقليمية والدولية؛ في ظل التغيرات الرئيسة الجارية في منطقة الشرق الأوسط والعالم بشكل عام. إلا أن انتشار هذه المراكز، والاهتمام بها؛ قد تحقّقا بعد أن اكتسبت المراكز البحثيّة في الغرب - وخصوصا في الولايات المتحدة -  خبرةً واسعةً ونجاحا باهرا ومكانة مرموقة. فصارت تؤدّي دورا بارزا في دعم مؤسسات صنع القرار السياسي، وإعداد الدراسات، وتحليل السياسات العامة والقضايا الهامة. وقد سُمِّيت تلك المراكز بـ "الثينك تانكس"Think-Tanks، وأصبحت عاملا هاما في تحديد أولويات القضايا الإستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة. وأضحى لها تأثير مباشر وغير مباشر على مراكز صنع القرار هناك؛ سواء كان ذلك على المستوى الداخلي أو الخارجي. وهو ما يظهر - على سبيل المثال - بصورة واضحة بالنسبة إلى السياسة الخارجية الأميركية في العالم.

غير أن الدور الذي اضطلعت به المراكز البحثية في الوطن العربيّ، مختلفٌ عمّا هو عليه الأمر في الغرب؛ وذلك بسبب المعيقات والمصاعب والتحديات التي تواجهها، ولأنّها لم تتبوّأ مكانها الحقيقي، ولم تمارس دورها الحيوي في المشاركة في صنع القرار أو في تقديم ما يلزم من مشورة  ومن دراسات رصينة. وبدا دور معظمها "باهتا" وغير فاعل في عملية التنمية المجتمعية بكافة أبعادها، ليس بسبب عجزها عن أداء هذا الدور؛ بل بسبب المعوّقات الكثيرة التي تحيط بها، وعدم تكليفها بهذه المهام بحكم طبيعة الحياة السياسية العربية وطبيعة أنظمتها وبُعدها عن العمل المؤسَّسي المعمول به في الولايات المتّحدة والغرب.

ويتضح أن مراكز الأبحاث والدراسات تكتسب أهميتها وضرورة وجودها من الحاجة لها، ومن مقتضيات الضرورات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية والاجتماعية والتنمويّة؛ وذلك "باعتبارها الطريقة الأمثل لإيصال المعرفة المتخصصة، من خلال ما تقدمه من إصدارات علمية وندوات متخصصة، من شأنها أن تضاعف مستوى الوعي لدى صانع القرار والمؤسسات والأفراد، وتساعدهم على الربط بين الوقائع الميدانية وإطارها العلمي النظري".

إن لمراكز الأبحاث دورا رياديا في توجيه عالم اليوم؛ بحكم أنّها أداة مهمة لإنتاج العديد من المشاريع الحيوية التي تتصل بالدولة والمجتمع والفرد، ووسيلة لدراسة كل ما يتصل بتلك المشاريع وفق منهج علمي معرفي. كما تُعدّ مراكز الأبحاث من القضايا الوطنية الهامة والحيوية، التي تعكس اهتمام الشعوب بالعلم والمعرفة والتقدم الحضاري واستشراف آفاق المستقبل. وفي هذا السياق، تتنزّل هذه الدراسة. وهي تكتسب أهميتها، من كونها تسلط الضوء على ضرورة من ضرورات المشهد العربي الراهن؛ مما يفرض على الدول العربية تفكيرا معمّقا في خصوصيات هذا المشهد وعولمته وآفاقه وتحدياته الجسيمة، وفي طرق امتلاك مفاتيح المعرفة والتقدم والحضارة التي لن يتسنّى الحصول عليها دون بحث علمي جاد ومهني تكون أدواته مراكز الأبحاث والدراسات.