العنوان هنا
دراسات 10 مايو ، 2011

العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح (الحلقة 2 من 5)

الكلمات المفتاحية

محمد جمال باروت

باحث مشارك ورئيس دائرة الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سابقًا، والمحرر العلمي للمركز حاليًا. متخصص في التاريخ الاجتماعي والسياسي السوري الحديث. عمل مديرًا ومستشارًا في مشروعات عدة تابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سورية. له دراسات وأبحاث عدة في التعليم، والتنمية البشرية، والتنمية والسكّان، والهجرة الخارجية السوريّة، والاستشراف المستقبلي لمسارات التنمية. من أحدث كتبه "العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح"؛ و"التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري"؛ و"حملات كسروان: في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية"، و"الصراع العثماني- الصفوي وآثاره في الشيعية في شمالي بلاد الشام".

يواصل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (معهد الدوحة) نشر الحلقة الثانية من دراسة الباحث الأستاذ جمال باروت والتي تتناول حقيقة التحديات والاختلالات التي يعاني منها الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في القطر العربي السوري ، و يركز  على عملية الإصلاح المؤسسي في سوريا مشيرا إلى أنها  اصطدمت بتطوير شريحة ديناميكية من رجال أعمال جدد يتميزون بقابليتهم للتعولم، وبناء تحالفات استراتيجية واندماجية مع فوائض رأس المال الخليجي والسوري المغترب والأجنبي.

ويؤكّد الباحث أنّ عملية الإصلاح تقلّصت إلى عملية تحرير أشبه ما تكون بطريقة "المكْسكة"  حيث يظهر في صلبها رجال الأعمال الجدد الذين سيكيّفون السياسة الاقتصادية- الاجتماعية تبعاً لمصالحهم الخاصة. وأنتج الأمر أخطر الظواهر التي تمثل أحد أهم جذور مرحلة "قوس الأزمات" التي دخلت سورية فيها.

ارتبطت عملية اختزال الإصلاح المؤسسي الذي عبّرت عنه الخطّة الخمسية العاشرة التي هدفت إلى تحرير ليبرالي للاقتصاد، بتضافر الإرادة السياسية لاستعجال قطف ثمار النموّ العام في المنطقة، وجذْبها إلى الفضاء الاستثماري السوري، مع تطوير شريحة ديناميكية من رجال أعمال جدد يتميزون بقابليتهم للتعولم، وبناء تحالفات استراتيجية واندماجية مع فوائض رأس المال الخليجي والسوري المغترب والأجنبي بعدة عواملَ موضوعية خارجية وداخلية.

وقد ارتبطت العوامل الموضوعية الخارجية بعاملين أساسيّين هما:

الأوّل: ارتفاع حجم الفوائض الخليجية التي كانت تبحث عن مواضع للاستثمار، وحثّها القيادة السورية على تسريع وتيرة تحرير الاقتصاد السوري وتطوير البيئة الاستثمارية في سورية. فارتفعت هذه الفوائض بعد الاحتلال الأنجلو-أميركي للعراق في نيسان/أبريل 2003 وبعد ارتفاع سعر برميل النّفط وصادرات الدول النفطية العربية من الهيدروكربونات، ثم ارتفعت نتيجة ذلك عائدات الصّادرات النفطية العربية من 195.1 مليار دولار في العام 2004 إلى281.1 مليار دولار في العام 2005، مسجّلةً بذلك معدّل نموّ بلغ 44%، على الرغم من تباطؤ الطلب العالمي على النفط في العام 2005، والذي تراجع من زيادة سنويّة بلغت7.3% في العام 2004 إلى 1.5% في العام 2005، وذلك بسبب العلاقة الطرديّة بين أداء الاقتصاد العالمي والطلب العالمي على النفط[1].

الثاني: وجود رأس مال سوري كبير في العالم قابل للاستثمار في سورية في حال توافرت بيئة ملائمة للاستثمار. وقدّر حجم هذا الرأسمال بما لا يقلّ عن 135 مليار دولار، وكان ترتيب سوريا الأول خلال سبعينيات القرن العشرين بين الدول العربية في هروب الأموال إلى الخارج التي تجاوزت ديونها في ذلك الوقت[2]. وارتفعت وتيرة هذا الهروب في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات جراء قيود تحويل العملة في سورية وارتفاع معدل الفائدة في مصارف الدول المجاورة[3]، ولم يجتذب قانون الاستثمار رقم 10 في سنة 1991 إلاّ قدراً بسيطاً منها خلال فترة الاندفاع الاستثماري [1991-1994] جراء توقف الإصلاحات الاقتصادية[4].

أمّا العوامل الداخلية فتمثّلت في ثلاثة عوامل أساسية هي:

1- قابلية استقرار المؤشرات الكلية للاقتصاد الكلّي السوري التي يتألّف منها المؤشّر المركّب لمناخ الاستثمار، لجذب الاستثمارات[5]، إذ كان الاطمئنان كبيراً على سلامة هذا الإطار وتوازنه في الأعوام 2005-2007 بما يشير إلى قدرته على استيعاب عملية التحرير، والتحول من مرحلة "الاستقرار النقدي" التي ميزت مرحلة الإصلاح الانتقائي الثاني[1987-1996] إلى مرحلة سريعةٍ من عملية إعادة الهيكلة؛ فقد كان الاقتصاد الكلي يتميز بعجز موازنة وتضخّم منخفضين[6]، ويعتبر انخفاضهما وفق معايير الاتحاد الأوروبي ومنطقة السوق المشتركة لدول الشرق والجنوب الأفريقي [Comisa] والجماعة الاقتصادية لغرب أفريقيا [Ecwas] دليلاً على الاستقرار الاقتصادي[7]، كما كانت المديونية الخارجية بسيطة، واستقرار سعر الصرف ضمن تذبذبات محدودة وقابلة للتدخل الفاعل. وكانت الدولة تمتلك - بسبب عوائد النفط السوري، وما جنته الخزانة من سياسات الانكماش في الإنفاق العام على مستوى سياسات "الاستقرار النقدي" التي دفعت الفئات الوسطى والفقيرة ثمنه مخزوناً احتياطياً من العملات الأجنبية لتمويل نحو 29 شهراً من المستوردات، أو 65% من عرض النقود، أو90% من الناتج المحلي الإجمالي[8]. وكان مخزون الاحتياطات الدولية من أعلى مخازن العملات الصعبة في دول المنطقة العربية، مع أن حجم الاحتياطات الدولية لا يقيس بالضرورة قابلية الاستدامة عند مستويات كافية، وعدم نضوبه السريع في الأحوال غير المواتية. وكان هذا الإطار الكلّي السليم أو المستقرّ يمنح الشعور بالاطمئنان والثقة بالنفس، مع أنه يخفي خلفه تشوهاتٍ وجموداتٍ بنيويةً.

2- سرّعت الخطوات التي قطعتها سورية في بناء بيئة جاذبة للاستثمارات عبر التعجيل بوضع الإطار التشريعي والسياساتي لبيئة الأعمال من خلال ما عُرف بـ "ثورة المراسيم" التي تميزت بسمات "الطفرة" [تعدت خلال 2000- 2005 نحو1200 قانون ومرسوم وقرار إداري] في إطار دمج الاقتصاد السوري بسيرورات الاقتصاد العالمي، والاستجابة من طرفٍ واحدٍ لمواءمة القوانين والتشريعات الوطنية مع معايير منظمة التجارة العالمية في ظل المقيدات الأورو- أميركية [الوفاق عبر الأطلسي] لعملية انضمام سورية إلى منظومة الشراكة الأورو - متوسطية لأهدافٍ سياسيةٍ ترتبط بإرغام سورية على الانغماس في السرير الاستراتيجي الأميركي الجديد للمنطقة.

3- سيطرة سورية على مؤشر مخاطر الدولة على الاستثمارات في سورية، وبروز قوة الاقتصاد السوري خلال سنوات [2000-2005] خصوصاً، وسنوات 2007 عموماً، على الرغم من أنها كانت سنوات اضطراب جيو- بوليتيكية في العالم والإقليم رفعت مؤشر مخاطر الدولة على الاستثمارات في سورية. فقد ارتفعت وتيرة الضغوط الخارجية على سورية بعد الاحتلال الأميركي للعراق [9 نيسان/أبريل 2003]، وتبع ذلك سياسة "احتواء" سورية بالضغط والتطويق واستصدار "العقوبات الأحادية" والقرارات العقابية الدولية، ثم تحويل لبنان، جراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير2005، إلى منصة عمليات لإنهاء دور سورية الإقليمي، بل لمحاولة تنظيم انقلاب داخلي ضدّ الرئيس بشار الأسد بسبب مواصلته السياسة الخارجية السورية في مجال الصراع العربي- الإسرائيلي، ورفضه أداء المهمة "القذرة" بنزع سلاح حزب الله لقاء بقاء سورية عسكرياً في لبنان.


لقراءة كامل الدراسة:

الحلقة الأولى إلى الحلقة الرابعة:

الحلقة 5/1

الحلقة 5/2

الحلقة 5/3

الحلقة 5/4

الحلقة الخامسة -والأخيرة- بأجزائها الخمسة:

الحلقة 5/5 الجزء 5/1

الحلقة 5/5 الجزء 5/2 

الحلقة 5/5 الجزء 5/3

الحلقة 5/5 الجزء 5/4

الحلقة 5/5 الجزء 5/5


[1] التقرير الاقتصادي العربي الموحد لسنة 2006، الكويت، صندوق النقد العربي، 2007، ص 16 و 86.

[2] رمزي زكي، "الاقتصاد العربي تحت الحصار: دراسات في الأزمة الاقتصادية العالمية"، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989، ص 88.

[3] يمكن تفسير ارتفاع معدل الهروب في أواخر السبعينيات بعوامل متعددة، بينها ارتفاع معدل الفائدة على العملات الأجنبية إلى 20% في المصارف التركية واللبنانية والأردنية، وزيادة طلب القطاع الخاص على الدولار في الأسواق المجاورة. انظر: مطانيوس حبيب، "أوراق في الاقتصاد السوري"، دمشق: دار الرضا،، 2006، ص 297، ومحمد العمادي، "تطور الفكر التنموي السوري"، دمشق: دار طلاس، 2004، ص 210-211.

[4] نبيل سكر، مصدر سبق ذكره، ص 15-16.

[5] يتكون المؤشر المركب للاستثمار في البلدان العربية من المؤشرات الاقتصادية الكلية التي تشمل مؤشرات السياسة النقدية [معبراً عنها بمعدل التضخم] والتوازن الداخلي[معبراً عنه بعجز أو فائض الحساب الجاري في ميزان مدفوعات الدولة الخارجية مع العالم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ويستخدم معدل النمو الحقيقي]. انظر: "مناخ الاستثمار في الدول العربية"، 2009، الكويت: المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، 2009، ص 18. www.dhaman.org تاريخ المشاهدة 6/ 3/ 2011.

[6] تمثلت مؤشرات توازن الاقتصاد الكلي في فائض ميزان المدفوعات والميزان التجاري نسبياً، ودين داخلي زهيد قياساً على متوسطه في الإقليم والعالم، واحتياطي مرتفع جداً من النقد الأجنبي، وعجز موازنة وتضخم منخفضين. ودين خارجي زهيد، وسيولة كبيرة في المصارف وصلت في العام 2003 إلى نحو 549 مليار ليرة سورية. لمزيد من التفصيلات انظر: " مسح المسارات"، ص300-309.

[7] إبراهيم العيسوي، مصدر سبق ذكره، ص 324 - 325.

[8] مسح المسارات الاقتصادية الكلية، مصدر سبق ذكره، ص 300-306.