/ACRPSAlbumAssetList/Images/imagea7488b14-00a8-4f5d-b736-3c372bd4e15f.jpg
مراجعات 13 يناير ، 2016

مراجعة كتاب: أخذ الحقوق على محمل الجدّ

الكلمات المفتاحية

نوفل الحاج لطيف

​أستاذ وباحث حاصل على الدكتوراه في الفلسفة الأخلاقية والسياسية الأنجلو-سكسونية الحديثة والمعاصرة، عن أطروحة بعنوان "نقد جون رولز للمنفعية" (2013). نشر العديد من المقالات في دوريات عربية محكّمة، كما شارك في تأليف كتب جماعية منها بخاصة "جاك دريدا: الاستعارة والمجاز في الخطاب الفلسفي"، "جون رولز والمنفعية". وله مشاركات في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية.

عنوان الكتاب: أخذ الحقوق على محمل الجدّ

المؤلف: رونالد دووركين (1931 - 2013)

ترجمة وتقديم: منير الكشو

الناشر: المركز الوطني للترجمة، دار سيناترا - تونس.

السنة: 2015

عدد الصفحات: 540 صفحة من القطع الكبير

 

 

على مدى عشرة أو أحد عشر عامًا نشر رونالد دووركين عددًا من المقالات تشرح ما وصفه أحد المعلقين بـ "النظرية الثالثة في القانون"[1]. "وهي نظرية في فقه القانون تقابل ما يصطلح على تسميته في التقليد الفلسفي فلسفة القانون، تطرح نفسها بديلًا عن المذهبين السائدين، الوضعية القانونية ونظرية القانون الطبيعي. وعلى الرغم من أنّ الكتاب قد صدر أول مرّة بالإنكليزية عام 1977، وُيُعدّ باكورة كتب الفيلسوف دووركين، فقد أعيد نشره بعد ذلك التاريخ عديد المرّات. إلّا أنّ نقله إلى العربية، من خلال طبعته الأخيرة مع ما تضمّنته من ردود على النقّاد، يمثّل، في رأينا، حدثًا مهمًّا بالنسبة إلى الدراسات في حقل فلسفة القانون وفي النظريات المعاصرة للعدالة باللسان العربي. وهو ما أشار إليه المترجم في تقديمه الكتاب. ولا يسعنا في هذا المضمار إلّا أن نضمّ صوتنا إلى صوته في دعوته إلى أن ينفتح تدريس القانون والبحث في فقهه على فلسفة القانون ونظرياتها، وأن تجسّر الهوة السحيقة التي تفصل بينهما الآن في جامعاتنا ومراكز البحوث والدراسات القانونية في سائر الأقطار العربية.

يتألف هذا الكتاب من ثلاثة عشر فصلًا مع ملحق ضمّنه الناشر ردود المؤلف على ناقدي نظريته. وقد كان معظمهم من أنصار اتجاه الوضعية القانونية. تتعلق عمومًا الفصول الأولى من 1 إلى 6 بنقاش دووركين لهذا الاتجاه السائد في فقه القانون الأنجلو - أميركي، وتقديم نظريته التي يطرحها بديلًا عنه لقصوره، في رأيه، عن حماية الحقوق وأخذها على محمل الجدّ. أمّا الفصول من 6 إلى 13 فهي لا تتعرض حصرًا إلى المسائل ذات الصلة المباشرة بفلسفة القانون، وإنّما تتعداها إلى مسائل فلسفية وسياسية عامة، مثل العدالة والحقوق، ومسألة العصيان المدني في دولة القانون، وموقف الليبرالية من أولوية الحرية، وحدود الحرية في مجتمع ديمقراطي، وقضية التمييز الإيجابي، وغيرها من القضايا التي يتطرق إليها دووركين مبيّنًا قوة الموقف الليبرالي واتساقه، والذي يتبناه ويدافع عنه حيال هذه المسائل.

ويمكننا في هذا السياق مقارنة مشروع دووركين بمشروع رولز. فإذا كان رولز قد رأى أنّ النزعة المنفعية المهيمنة في التقليد الفكري الأنجلو - أميركي على صعيد الفلسفة وعلى صعيد النظريات السياسية والاقتصادية قاصرة عن الدفاع عن العدالة الاجتماعية بمعناها الليبرالي، أي في مصطلحه العدالة التوزيعية، فإنّ دووركين يرى أيضًا أنّ النظرية السائدة في فقه القانون الأنجلو - أميركي التي تدّعي أنها ليبرالية، في حين أنها قاصرة عن تحصين الحقوق وجعل المنظومة السياسية والقانونية، تأخذها على محمل الجدّ كما ينصّ على ذلك عنوان الكتاب وعنوان الفصل 7 الذي كان بالعنوان نفسه. فإذًا، مهمّة دووركين الرئيسة في هذا الكتاب هي وضع تعريف لنظرية في القانون، تكون حقًّا ليبرالية خلافًا للنظرية السائدة التي تزعم أنها ليبرالية وتتكون أساسًا من التقاء مذهبين الوضعيّ القانوني من جهة والنفعيّ من جهة أخرى. إذ يقول دووركين مقدّمًا مشروع كتابه: "على امتداد هذه الفصول سيتمّ تعريف نظرية ليبيرالية في القانون والدفاع عنها. كما سيتمّ نقد نظرية أخرى يراها الكثيرون ليبيرالية أسمّيها، لذيوع صيتها وشدّة تأثيرها، النظرية السائدة في القانون"[2].

وتتكون هذه النظرية الليبرالية السائدة من عنصرين، الأوّل يجسّده المذهب الوضعي ويتعلق بطبيعة القانون أي بالشروط الضرورية والكافية للإقرار بصحة منطوق قانوني ما، وعلى وفق هذا الرأي تتمثّل حقيقة المنطوقات القانونية حصرًا في وقائع متعلقة بالقوانين التي تعتمدها مؤسسات اجتماعية مخصوصة. أمّا العنصر الثاني فتستمدّه النظرية السائدة من المذهب المنفعي الذي يشدّد على ضرورة أن يخدم القانون الرفاه العام للمجتمع، ويتعيّن أن تنسجم تصوّرات القانون ودوره وعمل المؤسّسات القانونيّة مع هذا المقتضى.

لقد تضمنت فصول هذا الكتاب حججًا جادل من خلالها مؤلّفه مختلف الأطروحات الفقهية المنافسة. والمفهوم الأساسي في نظرية دووركين في فقه القانون هو "الحق"، ولأجل ذلك يستند في نقده النظرية الليبرالية المزعومة إلى رفضها فكرة أن تكون للأفراد حقوق على الدولة سابقة عن الحقوق المعترف بها لهم في النصوص والتشريعات القانونية المنشورة. ويتنزّل موقف دووركين الداعم لفكرة حقوق أخلاقية يمتلكها الأفراد بوصفهم كائنات أخلاقية تمتلك حقًا أساسيًّا في المساواة في الاعتبار، حتى وإن لم تستجب الترسانة القانونية لما يقتضيه ذلك الحق ولم تنقله من مجال الحق المجرّد إلى مجال الحق الفعلي من خلال القانون، ضمن تصوّر ليبيرالي للقانون أساسه أسبقيّة حقوق الأفراد على كلّ تنظيم مؤسّساتي للمجتمع وعن كل التشريعات القائمة.

وكما وعد المؤلف في المقدمة نراه لا يصوّب سهام نقده فحسب للوضعية القانونية التي تنفي وجود حقّ سابق عن كل تشريع قانوني، وإنّما يوجّه تلك السهام أيضًا إلى النزعة المنفعية. إذ يدافع ضدها عن نظرية أخلاقية آدابية في جوهرها، تجعل الحقوق والحريات الفردية سابقة للغايات المشتركة والجمعية المحدّدة لشكل تنظيم المجتمع ولسُلّم الأولويات السياسية كالرفاه العام أو الأمن القومي أو أيّ هدف تضعه الجماعة السياسية لنفسها. فينبغي لنا في نظر دووركين أن ننظر إلى الحقوق الفردية: "بمنزلة أوراق رابحة سياسيًا في حوزة الأفراد. إذ يكون هؤلاء أصحاب حقوق عندما يفقد، لسبب أو لآخر، هدفًا مشتركًا ما، له صفة الهدف الجامع، ويغدو عاجزًا عن تقديم التعليل المقنع لحرمانهم مما يرغبون فيه بصفتهم أفرادًا، ومما يودون الحصول عليه وإنجازه أو حينما لم يعد ذلك الهدف كافيًا لتعليل تحميلهم خسارة أو حيفًا ما. ولئن كان توصيف كهذا للحق شكليًّا، بطبيعة الحال، بمعنى أنه لا يدّلنا على الحقوق التي يمتلكها الناس ولا يضمن، في الحقيقة، حيازتها، إلّا أنه لا يوحي بأنّ تلك الحقوق لها صفة ميتافيزيقية ما" (ص 39). وفي رأي الكاتب لا يقتضي القول بوجود حقوق أساسية Backgroud) Rights) يمتلكها الأفراد على نحو مستقل وسابق عن أي قاعدة قانونية وعن أي مبدأ دستوري التسليم بوجود أساس ميتافيزيقي لتلك الحقوق، والارتداد إلى نظرية الحق الطبيعي، كما دافع عنها الفلاسفة الكلاسيكيون أمثال غروثيوس وهوبز ولوك وروسو وحتى كانط، مثلما تحاول أن تقنعنا النزعة الوضعية القانونية التي ترى في كل دفاع عن فكرة حقوق غير قانونية ارتدادًا إلى الميتافيزيقا. فدووركين يدرك جيّدًا أنه يتعيّن وضع نظرية في الحقوق الأساسيّة للفرد لا تكون ذات صبغة ميتافيزيقية، وإنما تستند إلى حجج تنسجم مع السياق الما بعد ميتافيزيقي للفكر المعاصر. وهذا الأمر هو ما يحاول الحجاج عليه في مختلف فصول الكتاب وعلى نحو خاص في الفصلين 6 و7.

لئن تركز نقد دووركين المقاربة المنفعية على فكرة أسبقية الحقوق الفردية وأولويتها على الأهداف الجمعيّة، سياسية كانت أو اقتصادية كالرفاه العام والازدهار الاقتصادي والأمن القومي، في انسجام مع ليبراليّة الحقوق لجون رولز، فإنّ نقده الوضعية القانونية تركّز على رفض "نظرية القاعدة" التي تجعل الحق والواجب والالتزام القانوني تتأتّى كلّها عن وجود قاعدة قانونية لها صفة أمريّة ويتوافر فيها شرط القانون. ويعيب دووركين على القانونيين الوضعيين تأكيدهم أنّ القول بالواجب يفترض مسبّقًا القول بوجود قاعدة يمكن التثبّت من صفتها القانونية وتمييزها عن غيرها من القواعد الاجتماعية مثل الأعراف والتقاليد، من خلال جملة من القواعد وضعها أحد أقطاب المذهب الوضعي القانوني الفيلسوف البريطاني وفقيه القانون هربرت هارت في كتابه "مفهوم القانون" الصادر عام 1963، وأسماها بالقواعد الثانوية. وهي تمكّن من التعرّف على القواعد القانونية وتمييزها عن سواها من القواعد. فحصر الحقوق والتزامات القانونية في ما تنصّ عليه القواعد القانونية، يترتب عنه في معظم الأحيان منح سلطة تقديرية واسعة للقضاة، عندما يتعلق الأمر بحالات لا تنضوي ضمن القواعد القانونية القائمة أو في الحالات الصعبة. وعندما يصبح القاضي لا مجرد منفذ ومطبق للقانون ومجرّد حارس للحقوق التي نصّت عليها القوانين ومن ثمّ يكون فهم القانون الناطق كما أراده الفرنسي مونتسكيو أن يكون، وإنّما منتجًا للحق ومنشأ لالتزامات وواجبات قانونية لم يكن لها وجود من قبل، كما هو الحال على نحو بيّن في بلدان القانون المشترك الأنجلو - سكسوني على نحو خاص. ففي غياب القاعدة القانونية الكافية للحكم في حالة معينة مطروحة على أنظار القضاء يحتكم القاضي، بحسب الوضعية القانونية، إمّا إلى فقه قضاء السابقة، والتي يصبح الحكم الذي صدر فيها عندها له قوة القانون ونفاذه. وإذا انعدمت السابقة القضائية يجوز للقاضي الحكم وفق ما يمليه عليه ضميره واستخدام سلطته التقديرية. غير أنّ دووركين يرفض اختزال القانون في مجرّد قواعد وفق ما يمليه منوال القواعد، كما يناقش ذلك في الفصلين 2 و3. وينفي أن تكون للقاضي سلطة تقدير تبيح له استحداث حقّ لأحد الأطراف المتقاضية إذ يقول: "حتى لو لم تنطبق أيّ قاعدة على الحالة، مرجع النظر، يمكن مع ذلك أن يكون لأحد الأطراف الحق في الظفر بحكم لمصلحته. فمن واجب القاضي، حتى في الحالات الصعبة، إظهار حقوق الأطراف المتنازعة، وليس استحداث حقوق جديدة لها مفعول رجعي" (ص 151). فإذا كانت القواعد القانونية القائمة عاجزة عن إظهار الحق ينبغي للقاضي النظر في إمكانية وجود مبادئ قانونية. وتكون هذه المبادئ القانونية إمّا متضمّنة في الدستور على نحو مضمر وغير بيّنة الصياغة تقوم الأحكام القضائية، خاصة تلك الصادرة عن المحكمة العليا، بتبيينها من خلال شرح القضاة الأسباب التي تدعم حكمهم وتسنده، أو أن تكون متضمّنة في الأخلاق العامّة للمجتمع وفي الثقافة المدنيّة، أي جملة الحجج العموميّة التي تسند الحقوق وتشكّل ما يسميه رولز العقل العمومي.

ولأجل ذلك ينبغي لنا ألّا يغيب عن أذهاننا ونحن نتابع فصول كتاب، "أخذ الحقوق على محمل الجدّ"، أنّ صاحبه أراد منه استجلاء الخلفيات التي يستند إليها القانونيون من قضاة ومحامين، عن وعي أحيانًا وعن غير وعي أحيان أخرى، في أحكامهم وحجاجهم، وعلى شرح النظريات الفقهية الواعية وغير الواعية التي تسند تلك الأحكام والحجج والسائدة في أوساط فقهاء القانون. كما أنّ دووركين يلحّ على ضرورة إخضاع هذه الأفكار والضمنيّات والنظريات الخلفية الساندة لها إلى فحص نقديّ معمّق، للوقوف على مدى تماسكها المنطقي ومدى اتّساقها مع القيم العامة للمجتمع والقناعات الفرديّة والأخلاقية الأكثر رسوخًا لدى الفواعل الأخلاقية. ومن ثمَّ لا بدّ أن تنكبّ فلسفة القانون على دراسة الحكم القضائي والخلفيات التي ينهض عليها. فالشخصية المركزية في حجاج دووركين وجدالاته في هذا الكتاب، مثلما نبّه إلى ذلك مترجم الكتاب في مقدّمته، هي شخصية القاضي لا المشرّع. وعلى الرغم من أنّ الكتاب يتعلق بالحقوق، فإنّ المسائل التي يتعرّض إليها هي تلك التي تجري في المحاكم لا في أروقة المجالس التشريعية (ص 9).

ما الذي يميّز القاضي عن المشرّع؟ لمعالجة هذه المسألة، أدخل دووركين أول مرة تمييزات حاسمة بالنسبة إلى نظريته، كالتمييز خاصة بين المبادئ والسياسات. فاستنادًا إلى حجّة مبدأ نُعلّل قرارًا سياسيًّا من خلال إبراز أنه يؤمّن حقًّا فرديًّا أو جماعيًّا أو يحترمه. في حين أننا نعلّل قرارًا سياسيًّا، استنادًا إلى حجة السياسات من خلال إبراز أنه يضمن هدفًا جماعيًّا للمجتمع ككلّ. وبناء عليه، تسوّغ الحجة السياسية قرارًا سياسيًّا ما عندما تبيّن أنه قادر على تحقيق غاية مشتركة وخيرًا عامًّا، بينما تسوّغ الحجة المبدئية قرارًا سياسيًّا ما عندما تظهر أنه كفيل بتوفير الضمانات اللازمة لاحترام حقّ فرديّ أو جماعي وتحصينه. إذًا، تختلف طبيعة الحجة باختلاف ما نراهن عليه. ذلك أنّ حجة المبدأ تؤكد الحق الفردي، بينما تراهن الحجة السياسية على هدف جمعي، بحيث يكون، كما يقول دووركين: "لفرد الحقّ في فرصة ما وفي مورد ما أو في حرية ما، إذا كان لذلك الحقّ دور في اعتماد القرار السياسي الذي من شأنه أن يحمِيَ الحالة التي يمتّع فيها بذلك الحقّ أو يساعد على ظُهورها، حتى وإن لم يخدم أيّ غرض آخر أو أنّه حال دون تحقيق أهداف سياسيّة أخرى" (ص 164).

فمن الواضح، إذًا، أنّ المبادئ والحقوق توفّر حججًا لمصلحة قرار سياسي أو حكم قضائي يخدم غرض التوزيع العادل والمنصف للفرص والموارد والحريات بين أفراد يمثلون كيانات متمايزة بعضها عن بعض. في حين أنّ الحجج المستندة إلى السياسات تعلّل القرار السياسي أو الحكم القضائي بالمصلحة العامة للمجتمع ككل أو الرفاه الجمعي، وتنظر إليهما بمدى الأمل المعقود في أن يزيدا في تعظيم المنفعة الاقتصادية الكلية. لذلك لا يبدو التعليل الثاني المستند إلى السياسات قادرًا على حماية الحقوق الفردية وتحصينها، مع أنّ القاضي يُضطر في الحالات الصعبة، كما يشير إلى ذلك دووركين في الفصل 4، إلى الموازنة على نحو معقول ومبرّر، بين حجج المبدأ وحجج السياسة عندما يتعارضان.

لكن لماذا ينبغي التركيز على القاضي لا على المشرع؟ يرى دووركين أنّه لا بدّ من إخضاع التقاضي للتشريع، لأنّ القانون يشكّل بالنسبة إليه منظومة تامة ومكتفية بذاتها يستمدّ منها الحقّ المتنازع عليه شرعيته لكنها لا تتكون فقط من قواعد قانونية، كما تدّعي الوضعيّة القانونيّة، وإنما من مبادئ أيضًا يتعيّن تمييزها وإبرازها وتأكيد علويتها ودورها خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحالات لا تنضوي تحت قاعدة قانونية ما، وهو يقدّم على ذلك أمثلة عديدة. ويستند دووركين لعضد رأيه إلى حجتين: حجّة سياسيّة تتعلّق بأولويّة الحقوق على الأحكام القضائيّة. إذ لا يتعيّن على القاضي استحداث قاعدة قانونية جديدة كلّما اشتبه عليه الأمر في نزاع ما، كما لا ينبغي أن يتّخذ قراره بحسب أغراضه السياسيّة أو الاجتماعية أو بما تقتضيه حسابات الربح والخسارة، ولو كانت لمصلحة الجماعة السياسية ككل لا لمصلحة فئة أو أشخاص؛ وحجّة أنطولوجية تتمثّل في أنّ القانون لا يتشكّل من قواعد فحسب بل من مبادئ كذلك. وأنّ هذه المبادئ توفــّر للقاضي إمكانية التأويل حتى يهتدي إلى مبدأ يحفظ حقّ المتقاضين، ومن ثمّ تحقيق العدل والإنصاف، وتجنّب خضوع الأحكام إلى السلطة التقديرية الخاصّة للقاضي.

غنيّ عن التذكير بأنّ المقوّم الأساسي لنظرية دووركين يتمثّل بـ "أطروحة الحقوق"، التي ترى أنّ "القرارات القضائية تعضّد الحقوق القائمة" (ص 158). وترتبط أطروحة الحقوق ارتباطًا وثيقًا بمبدأ المسؤولية السياسية التي تقضي بأن تكون القرارات السياسية معللة في إطار نظرية سياسية واضحة المعالم تستند إلى حجج عموميّة، لا حجج خاصة بطائفة أو فرقة أو جماعة ما ولا يمكن الدفاع عنها على نحو عمومي ومشترك، ومن ثمّ يمكن أن يقبل بها من لا ينتمون إلى جماعة مخصوصة أو مذهب محدّد. وهي حجج تُقدّم في سياق المداولات العموميّة، وتندرج في سياق ما يسميه رولز بالعقل العمومي. ويلخّص دووركين المعنى البسيط لهذه الفكرة في ما يلي:" من الظلم أن يتصرّف مسؤول على أساس آخر غير ذاك المتمثّل في نظرية عموميّة تكون عامّة، وتلزمه على توخّي الاتّساق. وتكون هي التي توفّر معيارًا عموميًّا للحكم على أفعاله ومجادلتها وتوقّعها، ولا يُسمح له بالاستناد فقط إلى ضرب واحد من الحدوس، يمكّن، في حالات ما، على التستّر على مواقف متحيّزة أو على مصالح خاصة" (ص 256).

لقد راهن دووركين في كتاباته، وفي هذا الكتاب تحديدًا، على معقوليّة القانون ومشروعيّة الحقوق ضدّ مخاطر انحراف المقاربة المنفعيّة في تأويلها للقانون في الدارسات القانونية التي تعتمد التحليل الاقتصادي. ذلك أنّ هذه المقاربة، على الرغم من محاولتها تبرير القرار القضائيّ تبريرًا علميًّا وموضوعيًّا، فإنّها لم تخرج عن خصوصيتها بصفتها نظرية تركز على النتائج وذات صبغة حسابيّة وتجميعيّة، إذ تجعل من القرار القضائي مجرّد نتيجة لحساب، من خلال حالات جزئيّة، للمصالح والمنافع على صعيد المجتمع ككلّ. ويتحوّل عند ذلك الحكم القضائي إلى اختيار قائم على المنفعة العامّة على وفق المبدأ المشهور الذي صاغه مؤسّس المذهب المنفعيّ وفقيه القانون الفيلسوف الإنكليزي للقرن التاسع عشر جيرمي بنتام، وجعله أساسًا لتقييم السياسات والشرائع وهو " أكبر سعادة لأكبر عدد". ويرى دووركين أنّ اعتماد هذا التمشّي في الحكم على القوانين والقرارات القضائيّة وفي تقييمها لا يمكن إلّا أن يكون على حساب مبادئ العدالة والإنصاف والحقوق الفرديّة المتضمّنة في الدستور الأميركي والمواثيق والمعاهدات الدوليّة.

ولئن كانت الوجهة الليبرالية التي يدافع عنها دووركين تندرج ضمن تصوّر آدابي (Deontological) للرابطة الاجتماعية، يرى أنّ ما يضمن تماسك ووحدة المجتمعات الحديثة، بوصفها مجتمعات عَلمانية وفردانية، هو حكم القانون الذي يضمن لكلّ فرد الحقّ في طلب الخير كما يراه ويريده وتحقيق تصوّره للمثل الأعلى للعيش الرغيد من دون صدام أو احتكاك مع غيره من الشركاء في المواطنة، فإنّ دووركين على خلاف الليبرتارينية لا يجعل من الحرية أوّل الحقوق أو حقًّا في حدّ ذاته، مهما كانت النتائج المترتّبة عنه. ففي الفصل 12 من الكتاب، والذي مثّل تتويجًا لما ورد في الفصلين 10و11، يفاجئ دووركين قارئه بأنّ لا حقّ في الحرية. فلا حقّ في الحرية في ذاتها. وفكرة وجود مثل ذلك الحق لا تعدو، في نظره، أن تكون ناتجة عن خلط. ولا يعني ذلك أنه يرفض أن تكون للأفراد حقوق في بعض الحريات من قبيل الحقّ في اتخاذ القرارات الأخلاقية الشخصيّة أو الحريات التي عدّدها إعلان الحقوق الملحق بالدستور الأميركي. وإنما ينبغي لنا أن ننظر إليها لا بوصفها أصلية وإنّما بوصفها حقوقًا فرعية متأتّية من حقّ أخلاقي أساسي يمتلكه الفرد، بوصفه شخصيّة أخلاقية، وهو الحق في الاعتبار المتساوي مع غيره. لذلك، لا تكون مختلف الحريات كحريّة التعبير وحريّة الضمير وحريّة المبادرة الاقتصادية والتجارة غايات في حدّ ذاتها، وإنّما وسائل لخدمة هذا الحق الأساسي وهو الاعتبار المتساوي. فلو حُرم الشخص من حقه في التعبير عن رأيه ومن حقه في أن يؤمن أو ألّا يؤمن بمعتقد ما أو من أن يختار نمط عيشه ومهنته وشغله سواء في الوظيفة العمومية أو في ممارسة التجارة أو الصناعة في القطاع الخاص، فسيؤثّر ذلك سلبيًّا في نظرته إلى نفسه. وسيكون في ذلك تعدّيًا على حقه في الاعتبار على قدم المساواة مع غيره من أقرانه وشركائه في الوطن.

فعلى خلاف الليبرتارينية ترى الليبرالية أنّ الحرية لا تُطلب لذاتها، كما أنّ غرضنا من طلبها ليس الزيادة في منسوبها، وإنما تحقيق غايات أخرى نراها جوهرية في حياتنا. ولا تتمتع كل الحريات بالقيمة بنفسها كما يذهب إلى ذلك اللبرتريانيون. فالأمر بالنسبة إلى دووركين (كما هو الشأن بالنسبة إلى رولز أيضًا) يتعلق أساسًا بقيمة ما يترتّب عن الحرية من منافع وخيرات نراها جوهرية في وجودنا، مثل الاعتبار على قدم المساواة مع الآخرين[3]. إذ يقول دووركين في هذا الصدد: "فإذا كان لنا الحق في الحريات الأساسية، لا لأنّ الأمر يتعلق هنا بحالات يكون فيها شيء اسمه الحرية هو، على نحو ما، موضع رهان، وإنّما لأنّ هناك تعديًّا على حرياتنا الأساسية يخدش كرامتنا ويحطّ من شأننا على نحو يتعدّى أثره الحريّة إلى ما يكون لنا الحق فيه، وعند ذلك ما سيكون لنا الحق فيه لن يكون قطعًا الحرية وإنّما القيم والمصالح أو المنزلة التي ننعم بها، والتي يُضرّ بها على نحو خاص مثل ذلك التعدي" (ص 401). وبناء عليه، فإنّ المساواة في الاعتبار، لا الحرية، هي جوهر ليبرالية دووركين. وذلك ما جعله ينبّهنا قائلًا: "إنّ المفهوم الذي سيكون في قلب حجاجي هو مفهوم المساواة، وليس مفهوم الحرية" (ص 403).

في ختام هذا العرض بودّنا أن نبدي، من دون استنقاص قيمة الكتاب وصلابة الحجج التي قدّمها صاحبه لتعضيد أطروحة الحقوق التي يدافع، ملاحظات تعبّر عن بعض المآخذ حياله نجملها في أمرين:

  • حصر الكاتب لمدار مجادلاته في المدوّنة الفقهيّة والفلسفية الأنجلو – أميركية، وعدم انفتاحه على نظريات أخرى من خارج هذه المدوّنة. فمثلًا في الفصل الثاني من الكتاب، حينما يعرض دووركين ما يسمّيه الهيكل العظمي لنظرية الوضعية القانونية، يكتفي فقط بنظرية الوضعيّة القانونية السائدة في سياق الفقه الأنجلو - أميركي، أي في الولايات المتّحدة الأميركية وإنجلترا أساسًا، والتي نحت معالمها فقهاء قانون أمثال جون أوستين وجريمي ووهربرت هارت، وتدّعمت من خلال مساهمات فلاسفة وفقهاء قانون وضعيين كبار أمثال جوزيف راتز ولون فولر وغرينا وولت وغيرهم، من دون أن يعير أي اهتمام إلى رافد آخر للوضعيّة القانونية، تبلور في سياق مختلف وهو سياق تقليد القانون اللاتيني، وتمثّل بالأساس في أعمال فقيه القانون والفيلسوف الوضعيّ النمساوي هانز كلسن صاحب كتاب "النظرية الخالصة في القانون" الذي أصدره أول مرّة عام 1934 بفيينا، قبل أن يغادرها مع صعود النازية في ألمانيا واحتلال هتلر النمسا. وعلى الرغم من أنّ كلسن قد هاجر إلى الولايات المتّحدة الأميركية واستقرّ بها وحصل على الجنسيّة الأميركية هناك واشتغل في تدريس فقه القانون والقانون الدستوري في جامعة كاليفورنيا ببركلاي، فإنّ صيغة الوضعية القانونية التي يدافع عنها لم تلقَ في العالم الأنجلو - أميركي، في ما يبدو، الصدى والترحيب اللذين لقيتهما في التقليد القاري والأوروبي بالأساس، حيث تدرّس فلسفته في القانون وكأنها علم القانون.
  • أمّا الملاحظة الثانية فتتعلق بالتصوّر الآدابي (deontological) للرابطة الاجتماعية. ففي انسجام مع فلسفة النظرية السياسية الموسومة بالليبراليّة الاجتماعية التي يدافع عنها، ويعدّ من أقطابها إلى جانب رولز صاحب كتاب "نظرية في العدالة"، يؤكد مؤلّف الكتاب أولوية الحقوق التي لا تُختزل في تلك الحقوق الفعلية والمؤسساتية التي تضمنها القوانين، وإنّما تشمل كل الحقوق المترتبة عن الحق الأساسي المتمثّل بالاعتبار المتساوي، ممّا يجعل الحق في التوزيع العادل للموارد الاقتصادية جزءًا من الحقوق الأساسية للفرد. لكنّ هذه الوجهة الفردانية والآدابية في تصوّر الرابطة الاجتماعية الذي تدافع عنه الليبرالية، واجه دومًا تحديًّا لم تنجح الليبرالية في رفعه، يتمثّل بمعضلة التزام السياسي (political obligation). فوفق تصوّر ليبرالي ينطلق من مبدأ أولوية الحقوق لا يمكن للالتزام السياسي، مثل دفع الضرائب أو احترام القانون أو طاعة الدولة أو أداء الخدمة العسكرية والدفاع عن الوطن، إلّا أن يكون قائمًا على الرضاء والموافقة المشروطة بالحصول على مقابل، كأن نقول إننا ندفع الضرائب للحصول على خدمات عمومية جيّدة، ونحترم القانون ونقبل الحدّ من حريتنا مقابل الحصول على الأمن والسلامة وغيرها. إلّا أننا قد نجد أنفسنا أمام التزامات وموجبات لا ننتظر مقابلا لها مثل الولاء والإخلاص للمجموعة القومية والدفاع عنها وعندها تبرز صعوبات الموقف الليبرالي. وهي صعوبات قد تفطّن لها دووركين نفسه في كتابه "إمبراطورية القانون"[4]. غير أنّ الحلّ الذي قدّمه لهذا الإشكال لا ينسجم مع التصوّر الليبرالي في رأينا. إذ رأى أنّ الواجبات الأخلاقية العامّة ذات المضمون السياسي مثل واجب العمل على إقامة نظام عادل وواجب الدفاع عن المساواة لا يمكنها أن تفسّر لنا وتُعلّل على نحو وجيه وصائب التزاماتنا السياسية، لأنّها واجبات لا تربط الفرد بجماعة بعينها، وإنّما تنطبق على كلّ فرد أينما كان ومهما كانت الجماعة السياسية التي ينتمي إليها. لهذا ينبغي لنا في رأيه أن ننظر إلى الالتزامات التي تكون للمواطنين تجاه دولتهم باعتبارها مثيلة لتلك التي لأفراد العائلة الواحدة تجاه بعضهم بعضًا، حتى يمكن تعليل التزام السياسي نحو الدولة على نحو مناسب. وموقف كهذا يصعب في نظرنا إدراجه بانسجام داخل المأثور الليبرالي، بل يبدو لنا أقرب منه إلى فلسفة الجماعتية (Communitarianism) التي ترفض إقامة الرابطة الاجتماعية على فكرة أولوية الحقوق وأسبقية العدالة، وتدافع عن موقف غير تعاقدي من مسالة التزامات الفرد تجاه الدولة، مثلما يتجلّى هذا في كتاب الفيلسوف الجماعتي ميكل ساندل في كتابه "الليبرالية وحدود العدالة"[5]. ويعني ذلك في رأينا أنّ دووركين لم يحافظ في كتبه اللاحقة على نفس الخطّ الذي انتهجه في الدفاع عن أطروحة الحقوق في كتابه هذا، وإنما أدخل عليه بعض التعديلات المهمّة.

وفي الختام لا يسعني إلّا أن أنوّه بأهمية هذا الكتاب وميزاته. فهو يمثّل عن حق إضافة نوعية لتطوير فقه القانون لا على الصعيد الأنجلو - أميركي فحسب، ولكن أيضًا على الصعيد العالمي. لأنه لا يخاطب القاضي بوصفه قاضيًا يبتّ في قضايا فقط، وإنما بوصفه أيضًا مسؤولًا اجتماعيًّا وأخلاقيًّا على إنفاذ القانون على قاعدة الإنصاف والعدل بما يضمن حقوق المتقاضين. كما أننا نعتقد أنّ نقل هذا الكتاب إلى العربية اختيار صائب، يعبّر عن إرادة المترجم في أن ينقل إلى الثقافة العربية والدراسات الجامعية كلّ هذا الجدل والمشاغل المتعلقة بطبيعة الضوابط والمعايير القانونية وبمدى قدرة القانون في الدولة الحديثة، بوصفها دولة الحرية والحقّ، على ضمان الحقوق الأساسية. وهذه لعمري مسألة تتقاطع فيها حقول مختلفة فلسفية وسياسية وأخلاقية من جهة، وحقوقية وقانونية وتشريعية وقضائية من جهة أخرى. ولأجل ذلك يعدّ دووركين النظرية التي يتبنّاها نظرية أخلاقية وسياسية تمثّل طريقة مناسبة لحلّ معضلة صناعة القانون والتطبيق العقلاني والمنصف له، وتتوافر على درجة عالية من الاتساق. وهي قادرة على وفق صيغتها هذه، في نظره، على التغلّب على الأزمة التي يمرّ بها العقل القانوني المعاصر، وعلى عجزه عن حماية الحقوق وضمانها، جرّاء سيطرة النظرية السائدة في القانون بوجهيها الوضعي القانوني والمنفعي الاقتصادي على الجدل الفقهي والسياسي في الولايات المتّحدة الأميركية.

وتبرز أيضًا أهمية هذه الترجمة، في نظرنا، إذا أخذنا في الحسبان التحوّل التدريجي لمجتمعاتنا العربية إلى مجتمعات حقوق وقانون، وما يقتضيه ذلك من تأهيل للمؤسسات والمنظومات القانونية حتى تستطيع مسايرة نسق تطوّر مجتمعاتها وحماية الرابطة الاجتماعية من التفكك بفعل تطوّر الفردنة Individualization والتذرير atomization الاجتماعيين. ولأخذ الحقوق على محمل الجدّ، كما يدعو إلى ذلك رونالد دووركين، لا بُدّ من ترقية الفكر القانوني في بلداننا من خلال تدريس فلسفة القانون وفقهه في الجامعات، وترجمة المراجع الأساسية والمهمّة في هذا المجال. إذ لا ننتظر فقط أن تنقل إلى القارئ العربي بقية كتب دووركين، وإنما نتطلّع كذلك إلى ترجمة النظريات والفلسفات التي جادلها في هذا الكتاب أو لها صلة بالمواضيع التي يتطرّق إليها، ونخصّ بالذكر منها كتب هانز كلسن وهربرت هارت وجريمي بنتام في القانون.



[1] John Mackie, “The Third Theory of Law,” Philosophy & Public Affairs, vol. 7, no. 1 (1977), p. 3.

[2] رونالد دووركين، أخذ الحقوق على محمل الجد (تونس: المركز الوطني للترجمة، دار سيناترا، 2015)، ص 25.

[3] حول هذا الاختلاف بين الليبرالية والليبرتارينية حول مسالة منزلة الحرية ضمن مدونة حقوق الإنسان ننصح القارئ بمراجعة الفصل 4 من كتاب ويل كيمليشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010).

[4] Ronald Dworkin, law's empire (Cambridge, MA: Harvard university press, 1986).

[5] مايكل ساندل، الليبرالية وحدود العدالة، محمد هناد (مترجم) (بيروت: المنظمة العربية للترجمة 2009)، يراجع الفصل 2.