العنوان هنا
دراسات 23 أكتوبر ، 2012

الترجمة إلى العربية: دورها في تعزيز الثقافة وبناء الهويّة

بسام بركة

أستاذ اللسانيات الفرنسية وعلم اللغة المقارن في الجامعة اللبنانية منذ عام 1976، وهو أمين عام اتحاد المترجمين العرب منذ تأسيسه في عام 2002. حاصل على شهادة الدكتوراه دولة في علوم اللغة من جامعة ليون بفرنسا عام 1990. ويحمل درجة أستاذ دكتور من الجامعة اللبنانية ودرجة الأستاذية من اللجنة الوطنية العليا بفرنسا، ويدرّس بصفة أستاذ زائر في عدة جامعات في العالم العربي وأوروبا. وتدخل ضمن اهتماماته البحثية قضايا حقوق الإنسان إلى جانب الدراسات اللغوية واللسانية ودراسات الترجمة، وقد كان مديرا لمركز حقوق الإنسان في طرابلس بلبنان في الفترة من 1991 إلى 2000. ورأس اللجان التنظيمية واللجان العلمية للعديد من المؤتمرات العالمية حول حقوق الإنسان وعلوم اللغة وعلوم الترجمة. وهو يشرف على سلسلة الكتب المترجمة من الفرنسية في سلسلة "المكتبة الجامعية" في دار الهلال (بيروت). وقد نشر العشرات من الدراسات والبحوث في علوم اللغة والنقد الأدبي وعلم الترجمة، باللغتين العربية والفرنسية. وترجم العديد من الكتب من الفرنسية إلى العربية، وله عدة مؤلفاته من بينها قاموس اللسانيات: فرنسي – عربي، وقاموس لاروس: فرنسي – عربي. وكتاب علم الأصوات العام: أصوات اللغة العربية. كما شارك في تأليف عدد من المؤلفات، من بينها: مغامرات اللغة العربية في أوروبا (باللغة الفرنسية)، ومبادئ تحليل النصوص الأدبية، والمعنى الحقيقي والمعنى المجازي، والمثال والشاهد في القاموس العربي، وقاموس المصطلحات اللغوية والأدبية فرنسي - إنكليزي – عربي.

مقدمة

من المعروف أنّ الدّراسات الحديثة في مجال اللّسانيات والأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية، قد توصّلت إلى توضيح التّأثير المتبادَل بين اللّغة والهُوية. والمقصود باللّغةِ هنا اللّغةَ الأمَّ، وبالهُويةِ الهُويّةَ الفردية والاجتماعية على حدّ سواء.

لقد عرف الوطن العربي في القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين نهضةً كبيرةً؛ كان للترجمة فيها دورٌ كبيرٌ. وبعد أن مرّ العالم العربيُّ بسنوات عِجافٍ نسبيًا، في مجالات التفاعل الثقافي والبحث العلمي وتطوير المعارف، فإن حركة الترجمة العربية تشهد منذ مطلع القرن الحالي تأسيس منظمات ومراكز ومعاهد وصلت إلى أعلى درجات النقل من اللغات الأجنبية إلى العربية، وهو الأمر الذي يدلّ على أن العالم العربي يلج في عصر جديدٍ من النّهضة الفعلية والواعدة؛ على صعيد عِلميّة الكتب المترجَمَة، ورِفعة مواضيعها، وتخصّص نصوصها من جهةٍ، وعلى صعيد نوعيّة الترجمة ومراحل إنتاج النصوص المُترجمة من جهةٍ أخرى.

وسنتناول في هذا البحث، الجوانب التي تتّصف بأنها مترابطةٌ في ما بينها؛ نعني تلك التي تكوّن الأسس الفكرية والاجتماعية التي تتفاعل معها عمليّة الترجمة. وسنحاول في البداية، أن نعرّف اللُّغة من وجوه عدّةٍ؛ فلسفيةٍ ولسانيةٍ واجتماعيةٍ. ثمّ سنقدّم ثانيًا آخر ما توصّل إليه المفكِّرون في تحديد الثّقافة ودورها في سلوك الإنسان المعاصر. وثالثًا، سنرى كيف تسير عملية بناء الهُويّة في المستوييْن الفردي الذاتي والاجتماعي المشترك. وفي نهاية تحليلنا لكلّ جانب من هذه الجوانب الثّلاثة، سنقوم بتحديد تأثير كلٍّ منها في الآخر، كما سنُبيِّن دور التّرجمة من اللّغات الأجنبية إلى اللُّغة الأمّ فيها.

وسنتناول أوضاع الترجمة في العالم العربي؛ مع التّركيز -من جهةٍ- على الكتب المُترجمة في لبنان، بما فيها المراحل الأساسيّة التي يمرّ بها الكتاب المُترجَم، وتسليط الضّوء -من جهةٍ أخرى- على الدور الذي تضطلع به الترجمة إلى اللُّغة العربية في تعزيز المعرفة عند الإنسان العربي. وفي النّهاية، سنبيِّن أنّ المعرفة لوحدها -سواءً كانت منقولةً عن الفكر الأجنبيّ أو لم تكن- لا تكفي لكيْ أن يدخل العالم العربي في رِكاب الحضارة العالمية المعاصرة. فإذا لم تكن المعرفة وسيلةً يتّخذها أبناء اللُّغة الواحدة من أجل تكوين تيارات فكريةٍ خاصّةٍ بهم، تحصِّن ثقافتهم، وتُساهِم في بناء هويّتهم؛ فإنّ هذه المعرفة المنقولة ستبقى في طيّات الكتب، ولن تُؤتي ثمارها المرجوّة.

 

*نشرت هذه الدراسة في العدد الأول من مجلة "تبيُّن" لصيف 2012، بالصفحات (97 - 116). ومجلة "تبيُّن" واحدة من إصدارات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات".

** تجدون في موقع دورية "تبيّن" خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.